خيارات غنائية بكلمات ساخرة مستفزة ومحفزة للتبصر والتفكير : «حلاويللا» جديد موسيقى الاندرغراوند بين مريم صالح وزيد حمدان

حجم الخط
0

بيروت ـ«القدس العربي»: «حلاويللا» عنوان الـ «سي دي» الغنائي للفنانة مريم صالح والفنان زيد حمدان. عشر أغنيات بينها اختيارات من إرث الراحلين الشيخ امام وأحمد فؤاد نجم، وأخرى من بنات أفكار المرحلة التي نعيش. مريم صالح فنانة مصرية حضورها في بيروت محبب وبخاصة لدى مرتادي مترو المدينة. صاحبة صوت صحيح ومعبّر. صوت مأخوذ بالتعبير الدرامي وصولاً للشعور بأنه يمثل ما يقوله. مريم صالح تتجلى في ايصال الساخر والنقدي من الكلام. هي ابنة عائلة فنية بالكامل، تشرّبت منذ طفولتها فن سيد درويش، وما غناه شيخ امام. وشكل شعر أحمد فؤاد نجم في توصيف الواقع الاجتماعي والسياسي وهجائه جزءاً من تكوينها الثقافي. تختار بدقة كلمات اغنياتها. الموسيقى التي يضعها زيد حمدان على تلك الكلمات تنتمي لفئة الموسيقى البديلة. موسيقى تجمع ثورة من الآلات في آن واحد، تقبلها للوهلة الاولى، ويمكن العودة إليها مجدداً برغبة التعرّف، لمن تخطى منتصف العمر. فهذا الموضوع الموسيقي هو قيد البحث الفني ويستحق المتابعة، يُعرف بـ «الاندرغراوند» وينتشر في مصر كثيراً.
قبل أيام كان «سي دي» «حلاويللا» في المكتبات ويباع «اون لاين». تقول مريم صالح في تعريف العنوان: «حلاويللا قصيدة كتبها الشاعر أحمد فؤاد نجم، وهو تعبير يُستعمل في الموالد في مصر. في الأغنية حلاويللا هو من يتلون سياسياً، ويتماشى مع كافة الأذواق. في تفسيري الشخصي حلاويللا هو مهرج السلطان أو السياسي المتمكن من اللعب على الأوتار كافة، هو «حد نصّاب يعني». عندما اختار عنواناً للسي دي، أرغب أن لا يشكل حُكماً على باقي الأغنيات، والاهم أن يترك خلفه تساؤلاً. الكلمة هي الأساس في أي أغنية بالنسبة لي». نتوقف عند الكلمة التي تُقنع مريم صالح، فتفصح أن ميدو زهير كتب معظم أغنياتها. كذلك كتب لها عمر مصطفى. «يكتب مصطفى في الاتجاه الإنساني الصدامي، في حين يركز ميدو زهير على الكتابة السياسية الساخرة والكوميديا السوداء. وهو كتب في حلاويللا أغنية (وطن العك. دعونا نعشق وطن العك.. فإذا استهلكنا لا نحتج)، وكتب اصلاحات».
في اختيارها لعدد من أغنيات الشيخ امام والتي أعاد توزيعها زيد حمدان برقي موسيقي لافت تؤكد مريم صالح: «نعم تأثرت جداً بشعر أحمد فؤاد نجم. السبب أنه يحاكي مسائل في الحياة تمس عدداً كبيراً من الناس. أحمد فؤاد نجم إنسان مشتق من صميم المجتمع المصري». غناء مريم صالح بمنظارها الشخصي «مشاركة اجتماعية وانسانية، وليس إلحاحاً للتعبير طرباً. نحن نعبّر من خلال الكلمة النقدية الساخرة. والمسألة المشتركة في العالم العربي أجمع قبول الكلمة الممزوجة بالنكتة، حتى وإن كانت متأتية من وجع وقهر بليغ. وإن لم يضحك أحدنا من الهم، فلا شك هو سيُستفز. والأهم هو التفكير في الكلمة وليس سماعها وتردادها فقط». هذا ليس استنتاجاً لدى مريم: «في الواقع من يؤثر على ذاته وتالياً على الدائرة الصغيرة المحيطة به، فهو لا شك سيترك أثراً على الدائرة الأكثر اتساعاً. الفرق كبير بين لحن جميل أسمعه وأردده، وبين لحن وكلمات تدفعني للتبصر بمعانيها». نتوقف مع مريم عند استنتاجاتها تلك وهل للناس فرصة البحث عن اغنيات تُعبر عن مشاكلهم أم هم منشغلون بتدبر حياتهم الصعبة؟ تقول: «يمكن للمتلقي أن يسمع حلاويللا يفرح ويرقص، وفي الوقت عينه يفكر بالكلمات، ويطرح الأسئلة حتى وإن مرّت لمرة واحدة يومياً. أما نسبة النصف من أغنيات السي دي فتمّ اختيارها لخدمة الهدف الإساسي للموسيقى، وهو الاستمتاع».
من الأغنيات التي خضعت للتوزيع الموسيقي مجدداً وفق مزاح الفنان زيد حمدان من ريبرتوار أحمد فؤاد نجم والشيخ امام «شرفت يا نيكسون، فاليري جيسكار ديستان»، نسأل مريم صالح لماذا لم يتم التصرف بالكلمات لتصبح بدورها معاصرة؟ «حتى وإن كان الجيل الحالي يجهل من هما المعنيان بهاتين الأغنيتين، فكاتبهما فسّر ما فيه الكفاية عنهما. يسأل الشاعر عن ذاك الاستقبال الكبير للشخصيتين الأمريكية والفرنسية. أي رئيس وفي أي عهد سيزور مصر سيحظى بالاستقبال الذي كان لمن سبقه. التاريخ لا يزال يعيد نفسه في العلاقات مع الغرب. اخترت هاتين الأغنيتين لارتباطي الوثيق بهما منذ الطفولة. عندما أختار الأغنيات أبحث عن مدى اسقاطها على أحاسيس الناس، وعلى الوضع بشكل عام. هي أغنيات لا شبه لها. ونحن نستخدم أدواتنا لتكون جديدة وقريبة من الناس في الزمن الحاضر». أحمد فواد نجم صديق عائلة مريم صالح، ومعرفتها به وثيقة جداً، ولم تكن لها كلمات منه. تقول: «والدتي الفنانة أماني ابراهيم كانت على صداقة قوية مع أحمد فؤاد نجم وكذلك الشيخ امام، وكانت ضمن فرقتهما في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، لكنها توقفت عن الغناء لتهتم بتربيتنا. في غنائها تعتني والدتي بالطرب والفنون الشعبية». السؤال يطرح نفسه عن مدى رضى الوالدة على غناء الموسيقى البديلة من قبل الابنة؟ «خافت امي من دخولي الفن أولاً من تجربتها قالت بأنه عمل يتعب صاحبه. حاولت تشجيعي لمزيد من تدريب صوتي وتنميته كونه الأضعف في العائلة. لكني وجدت الجانب الفني الذي يتيح لي التعبير عن ذاتي. حالياً أجد التشجيع من والدتي، لكنها ما زالت تتمنى دخولي غناء الطرب. وأحاول اقناعها بأن خياري أن أكون حالة فنية لا مطربة بالمعنى الكلاسيكي للطرب».
كم يلزم الصوت التمثيلي الدرامي كما هو حال صوت مريم صالح من العناية؟ «لا أعرف تحديداً إن كان ما أقوم به يمثل عناية بصوتي. أشعر أن غناء مرحلة العشرينيات هي الأكثر أصالة. أكثر ما أقوم به هو سماع موسيقى تلك المرحلة من سيد درويش، نعيمة المصرية، منيرة المهدية، عبد اللطيف البنّا وغيرهم. غنّى هؤلاء قبل رسوخ قواعد الغناء. حتى الموسيقى كانت دعماً لهم ولم تكن ترسم لهم الحدود. هذا أكثر ما يدفعني لتطوير أدائي، خاصة في الارتجال». التمثيل جزء من الحياة الفنية لمريم وعنه تقول: «شغفي بالتمثيل لا حدود له. في الأساس بدأت الفن من التمثيل، كما ساعدني الغناء في تنمية هذا الجانب. بدأت التمثيل مع فرقة والدي المعروفة باسم فرقة السُرادق الشعبية، وهو مسرح شارع. أحببت منذ الصغر تمثيل الكوميديا الشعبية والكلون، وهي من الأمور الساخرة الموصولة بقوة بالمجتمع المصري».
نعود إلى الموسيقى الجديدة المعروفة في مصر باسم «اندرغراوند» كم هو جمهورها ومن هو؟ نطرح السؤال على مريم صالح كونها أحيت الكثير من الحفلات الناجحة في العديد من الدول العربية مؤدية هذا النوع من الموسيقى مع زيد حمدان. تقول: «منذ نهايات 2010، وحين بدأ الحراك الشعبي في الوطن العربي يزداد محبو هذا النوع من الموسيقى. هو الملل والضجر الذي ترك الموسيقى ملجأ للشباب، وكل الفن البديل من سينما ومسرح. هو هروب من الفن التجاري بشكل عام. مع الفن البديل اكتشف الناس أموراً كثيرة كانت مخبأة عنهم. ومنذ الحراك الشعبي في الوطن العربي وجمهور هذا النوع من الفن إلى ازدياد. بات الجمهور يعرف الجيد من السيء والحقيقي من المزيف. المرحلة كانت في صالح فن الاندرغراوند برمته، ومن المؤكد أن الجمهور بأكثريته من جيل الشباب. لو اتيحت فرص متساوية في طرح الموسيقى البديلة على الطاولة نفسها مع الموسيقى التجارية وبحضور جمهور متنوع لكانت النتائج مفاجئة في رأيي. نحن نحاول تخطي الصعاب في الكثير من المعادلات». بعض أغنيات سي دي حلاويللا تبدو مشحونة كلاماً، موسيقى وآلات جديدة وكأنها تدعو لنوع من الصدام وبخاصة أغنية العنوان. تقول مريم في ذلك: «لكل إنسان هدفه من الموسيقى. في الاندرغراوند تحديداً، تترك الناس ذاتها على طبيعتها ولا تنتظر رأي آخرين. لكل فنان أن يختار الرسالة التي يريد ايصالها. فقد يعبر آخر عن موضوع شخصي جداً. لهذا النوع من الموسيقى والكلام أحوال وألوان».
تعاون الموسيقي والفنان زيد حمدان مع مريم صالح مستمر منذ أربع سنوات وهو «في تطور دائم. هي حالة جميلة محاطة بصداقة قوية. نحن بشكل دائم في المطبخ نرفد المشروع بما يحتاجه من توابل. المشروع يستحوذ على شغف كل منا. في هذه المرحلة نحن نلعب بحلاويللا، ونتعامل معه كطفل صغير وجميل نرعاه».
في بيروت جمهور لمريم صالح، غنت أحمد عدوية باخراج مسرحي لهشام جابر في مترو المدينة. جذبت حفلاتها جمهوراً كبيراً. حلاويللا الآن في المكتبات. كذلك معروض للبيع أونلاين، وهو السوق الجديد للتسويق. بحسب مريم «سوق صعب وكبير، والناس تحاول التبصر فيه، ونحن شخصياً نحاول التطور من خلاله. ولا بد من استعماله كأدوات لتقديم موسيقانا. في كافة الأحوال بيع السي دي لم يعد يدر ربحاً أو يعيد تكاليف الإنتاج.»

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية