منذ الانتخابات السابقة تحكم في إسرائيل حكومة دعاية وطنية لا تذر ساعة أو نشرة أخبار كي تنشر عقيدتها التي تقول إن العرب والمسلمين كلهم يرغبون في إبادتنا، والأغيار كلهم ضدنا (في معظمهم لاساميون)، ووحده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يمكنه أن يواجه هذه التحديات، بالهذر وبقوة الذراع.
هذه نبوءة في قسمها الأول تجسد نفسها. لإسرائيل عدو مهم واحد، وهذا بالفعل إيران؛ دولة أصولية متزمتة، على رأس جدول أولوياتها لا تقف إسرائيل بل طموحها في أن تصبح قوة عظمى إقليمية ـ من طهران حتى بيروت ومن إيران حتى الخليج. العالم العربي السنّي البراغماتي متحد ضد إيران، بدعم من الولايات المتحدة. للإيرانيين يوجد صبر. في هذه الأثناء، الاستثمار العسكري لإيران موجه نحو سورية (في هذه المرحلة ليس على حدود هضبة الجولان)، لبنان واليمن. أما الطموح النووي فهم يلجمونه على الأقل إلى 10 ـ 15 سنة تالية، في أعقاب الاتفاق النووي مع القوى العظمى.
فضلا عن ذلك، الفلسطينيون غير معنيين بالمواجهة معنا، وهم ضعفاء جدا؛ لمصر، الأردن والسعودية مصالح مشتركة معنا لن تجد تعبيرها على ما يبدو بسبب عدم التقدم نحو حل الدولتين.
نحن بحاجة اليوم إلى حكومة لها استراتيجية تسويات سياسية لخلق ردع ضد إيران؛ حكومة تعرف ماذا تريد وتعرف كيف تدير على ذلك مفاوضات مع العرب ومع الولايات المتحدة. إذا تقدمت حكومة إسرائيل بشكل عملي نحو حل الدولتين وفضلت التسوية على المستوطنات، سيكون ممكنا إجراء مفاوضات أيضا مع مصر، الأردن والسعودية على تعاون إقليمي ضد إيران والإرهاب. الثلاث دول معنية جدا بتحسين مكانتها لدى إدارة ترامب. وتسوية إقليمية مع إسرائيل، إلى جانب حل الدولتين، ستعزز قدرتها على التأثير في واشنطن لاتخاذ خط أكثر تصلبا حيال إيران. وحيال إيران أيضا يمكن أن تجري بشكل غير مباشر مفاوضات، من خلال رئيس روسيا فلاديمير بوتين، الذي له اتصالات وثيقة مع قيادة طهران. إسرائيل ملزمة بمفاوضات غير مباشرة كهذه كي تضع خطوطا حمرا للإيرانيين في لبنان، في غزة وفي هضبة الجولان، وبالمقابل ألا تقف في طريق روسيا وإيران لمواصلة نظام الأسد في سورية. هذه أمور يمكن لحكومة مفاوضات أن تنسقها مع إدارة ترامب لأن هذا يتناسب ومصلحة الرئيس الأمريكي.
غير أنه مقابل هذا الواقع، ليس لنتنياهو مصلحة أخرى غير البقاء في مواجهة المستشار القانوني افيحاي مندلبليت من جهة ومقابل الوزير نفتالي بينيت من جهة أخرى. في هذه الأثناء ستواصل هنا الحكم حكومة الهذر والدعاية، في الوقت الذي تحتاج فيه إسرائيل أكثر من أي وقت مضى إلى حكومة بتفكير استراتيجي، شجاعة في اتخاذ القرارات والقدرة على خوض المفاوضات.
فهل هذا بات متأخرا؟ ربما. في جذر السياسة الاستراتيجية لإسرائيل في المنطقة يوجد موقفنا من الفلسطينيين. ليس لأن الفلسطينيين هم المصدر الأساس لعدم الاستقرار في المنطقة، بل بسبب القدرة على التقدم في التسويات مع الدول العربية المعتدلة، فقط مع تنفيذ اتفاق الدولتين. من يخاف حل الدولتين يمس مباشرة بمكافحة الأصولية المتطرفة والإرهاب.
معاريف 4/9/2017
اوري سفير