■ لم أعرف ماذا أصاب خيالي، فجأة بدأ يتذمر، ثم غطى وجهه الألم والامتعاض، ودخل في نوبة اكتئاب نفسي. كنت شابا في ربيع العمر، متفائلا، أنظر للحياة بمنظار مشرق. لكن كل العلامات تشير إلى أن خيالي في مرحلة الكهولة، ما نسميه أرذل العمر.
نظرت إليه وسألته: هل تعاني من المغص؟
فأمس كان الطقس باردا، ولم أستعمل الأغطية الواقية، وأيضا لم أشعل الموقد. فالحرب حرمتنا من هذه النعمة. في الشتاء نرتعد من البرد، وفي الصيف نغلي من الحر. كنا نعيش في حالة حدية، عند درجة المواجهة، كل إنسان مكتوب عليه أن يواجه نفسه.
هز رأسه.. كلا. ورأيته كيف كان يرتجف على الجدار. فظلي يفضل أن يستلقي على الجدران. لا يحب أن يرتمي على الأسرة أو المقاعد. وكنت دائما أشبهه بصرصار كافكا. هو أيضا يحبذ الاختباء تحت الأسرة أو التمسك بالسقف. لهذه الكائنات المعتمة منطق لا نفهمه. اقتربت منه حتى تطابقنا تقريبا، وسألته: مم تشكو إذن؟
قال بصوته الواهن: الصداع. رأسي يتفتت.
صداع؟ رنت الكلمة في رأسي. وهل الصداع مرض يدعو للإحباط. نحن هنا نتعايش معه. إن لم يكن بسبب اقتصاد الندرة، أو ما نسميه بتهذيب: التقشف، فبسبب الأخطاء الكونية. العالم يتدهور. كل شيء يتوسع. الفضاء تضاعف مئات المرات وبدأنا نشاهد الغرائز المجهولة التي كنا نتستر عليها. الطمع مثلا، النرجسية، الغش، أن تخدع شريكك إذا أغمض عينيه ولو لطرفة عين.
أخلاق تدعو للخجل.
وأعربت بسري عن بالغ السخط والتأسف منها، والتفت إلى ظلي، وقلت له: بسيطة. سأحضر لك قرص أسبرين.
حتى المساء لم ينفع العلاج، بل ازداد ألمه. رأيته وهو ينطوي على نفسه، ويزحف بتمهل على الجدار، ثم ينفصل عني وينظر من خلف ستارة النافذة إلى الشارع.
لا بد أنه يحتاج للترويح عن نفسه. لكن ما باليد حيلة. قلت لنفسي. فالجو ماطر، ناهيك عن تأخر الوقت، إنما قد يفيده تأمل شكل السماء المنبسطة، أو صدر الشارع المبلول بالمطر. كنت أجن من هذا المنظر الرومانسي إذا حاصرتني الأحزان. ومصادرها كثيرة، لا تعد ولا تحصى. أنا حزين دائما، إن لم يكن بسبب مجزرة لـ»داعش» سيكون بسبب مجاعة أو وباء. وانحدرت دمعة على خدي. فلنغسل أحزاننا بالدموع، ربما هذا يساعد في إطفاء ألسنة النار، ولكن للأسف ازداد السعير، وخرجت من رأسي سحابة من الدخان.
آه. حتى البكاء لا يريح؟ قلت لنفسي، واقتربت من ظلي مجددا. ربما المنظر الطبيعي يسكن هذه الانفعالات.
رغم المطر سماؤنا لا تغرب عنها النجوم، وأجمل شيء فيها أنها تنعكس على الأرض المبلولة، وتتلألأ على قارعة الطريق، مثلما تفعل فوق البحر. وكم كان شكلها يسعدني. وكنت أتمنى لو أغرف حفنة منها بيدي. صور النجوم المطبوعة على الماء تغريك بقطافها، فهي ليست معلقة مثل مصابيح في السماء، ولكنها في متناول اليد، إنما المشكلة أنها لا تصمد، وسرعان ما تنكسر وتذوب.
وفورا انقطعت هذه السلسلة المخملية من الأفكار. فقد انتبهت إلى أن ظلي لا يتأمل الطبيعة الصامتة. ولكنه يغازل خيال ابنة الجيران. ولاحظ أنني كشفت سر توعكه. فاحمر وجهه من الخجل.
٭ كاتب سوري