يظل الروائي اللبناني فوزي ذبيان في روايته الجديدة «خيبة يوسف» (دار الآداب 2018 ) وفيا للنهج الذي شيّد على إثره روايته السابقة «أورويل في الضاحية الجنوبية» (دار الآداب 2017)، حيث البناء اللغوي المختلط، والمشاهد الساخرة، التي تجمع بين سرد السارد وحوار شخصيات يتحدثون لغة مطابقة لمكانتهم وحقلهم الاجتماعيين.
إن تشبث فوزي ذبيان باستعمال لغة تخلط بين العربية الفصحى والعامية اللبنانية واللغة الإنكليزية في بعض الأحيان، ينم عن وعيه بأن اللغة العامية هي اللغة المشتركة التي تناسب نوعا من البشر، يعتبر في أعين البعض متدنيّا، وذلك راجع لتواجدهم في مناطق مهمشة، حيث الفئات الفقيرة المقهورة المستغلة من قبل المؤسسات والأحزاب. يقول أوكتافيو باز: «لم يعرف هوميروس، ولا فيرجيل السخرية ، ويبدو أن أريوست استشعر بها، لكن السخرية لم تتشكل إلا مع سيرفانتيس. ويتابع باز: السخرية هي الابتكار العظيم للروح الحديثة. فكرة أساسية: ليست السخرية فكرة عريقة للإنسان، إنها ابتكار مرتبط بولادة الرواية. ليست السخرية إذن الضحك والفكاهة والهجاء، إنها نوع خاص من الهزل، يقول عنه باز «إنه يجعل كل ما يلمسه غامضا». سيقف قارئ رواية «خيبة يوسف»، على العديد من المشاهد الساخرة، ذلك أن فوزي ذبيان كما عودنا يتخذ من فن الرواية، فعلا لمقاومة الاستبداد في كل تجلياته، الدينية والسياسية والاجتماعية، عن طريق ممارسة الهزل والسخرية. يعود إطلاق اسم «العميل» على الكلب إلى ايام الاحتلال الإسرائيلي لخلدة، حيث تمركز الإسرائيليون فترة طويلة بالقرب من الليبانون بيتش…وبين الليبانون بيتش والميرادور من جهة البحر. كان أيام الإسرائيليين مازال جروا صغيرا لا يتجاوز وزنه الكيلوغرام ونصف الكيلوغرام «يا بابا». أما الآن، فهو ضخم كما تشاهدون. لم يكن له اسم عندما كان الإسرائيليون هنا، كان مجرد «جروا إلا…» ينطنط فوق الطرقات كالأهبل. أصلا، لم يكن يملكه أحد. كان مثل كل الكلاب التي ماتت أو فرت، داشرا على الأرصفة والطرقات، وعلى الشاطئ وداخل الأبنية التي هدمها دخول الإسرائيليين… رحل الإسرائيليون. أما الكلاب، فقد عادت، وكان على رأسها «العميل». دخل الأوتيل هكذا، كأنه واحد من الدبلوماسيين الكثر الذين كانوا يقطنون هناك، ويأكلون الكافيار يا بابا…»لا شحطُّو، ولا شي..تركتو»، وقال أبو إيلي وهو يداعب الكلب الهرم الجاثم بين قدميه كأنه ذكرى لا تنطق، وخبر يأبى التواري إلا تحت المقاعد والطاولات. «وحياة ولادي، ع طول بحس بدّو يخبرني شي ومتردد يا يبيي»، ختم أبو إيلي وهو يزيح المروحة الكهربائية ناحية الباب، الذي طليناه أنا ويوسف كي ينشف بفعل الهواء المنطلق من مروحة أبي إيلي».
يتخذ السارد من امرأة مجهولة الاسم، مدخلا لسرد علاقته مع يوسف، الشخصية الرئيسة في الرواية، إذ يوجه خطابه إلى هذه المرأة، مسترجعا معطيات وتفاصيل متناهية الدقة، جمعت فوزي (السارد) بيوسف (بطل الرواية) منذ أيام الطفولة، وصولا إلى اللحظة التي سيغادر فيها يوسف العالم مقتولا، إثر «استشهاده» على الحدود اللبنانية الفلسطينية، منفذا عملية فدائية ضد الكيان الإسرائيلي المحتل. غير أن فوزي يرفض نعت ما آل إليه صديقه بـ«الاستشهاد» واعتبره خدعة وتغـريرا، «انتهى الاحتفال كما بــدأ بــأناشيــد وتـصفيق كـثـيـر. خــرجتُ من القاعة وحيداً تماماً مثلما دخلت، كان الـكـلّ مـفـتخـراً بـ «استشـهاده» إلا أنــا. تـركتُ مـقعدي الأحـمر الـفـضفاض واتـجهتُ إلى ردهة الـقـصـر. حاولت التــسلـل إلى الباحـة الخارجية ثم الـرحيـل».
جمعت بين فوزي ويوسف صداقة متينة، تستمد متانتها وقوتها من مصيرهما المشترك، الذي دفعهما إلى امتهان بعض الحرف منذ طفولتيهما، لضمان مصروفهما اليومي، نتيجة انحدارهما من فئة اجتماعية فقيرة، وقد تمكنا من الحفاظ على هذه الصداقة، رغم تباين اختياراتهما واختلاف طبائعهما، إذ يصور السارد مثلا يـوسف كشخص متمرد، ومغامر، ومتهور لا يكترث بواجباته الدراسية، ولا يـميل إلى مطالعة الكتب والبحث عن المعرفة، بقدر ما تشده مثيرات مادية، كركوب السيارات والدراجات النارية والتهكم على الآخرين. «أذكر جيدا البدن الذي أكله يوسف يوم سرق مفاتيح المرسيدس وقادها عدة أمتار. لم ترحمه يومذاك لا شفاعة أمه ولا تدخل الجار القديم الذي يدعى أبو محمود، الذي تخانق في أحد الأيام خناقة شديدة مع والد يوسف وترك خلدة ولم يعد بعد». في حين يصور فوزي كشخص شديد الاهتمام بتحصيله الدراسي، شغوف بالقراءة، عاشق للفلسفة والتفلسف، الأمر الذي دفع رفاقهم لنعته بلقب ــ أفلاطون. «نعم، فأنا كنت ملما ببعض القصص والحكايات، وكنت أشتري من آن إلى آخر كتابا من هنا، وآخر من هناك. كنت في تلك الفترة أحب ميخائيل نعيمة كثيرا، لكنني لم أحب ولو مرة واحدة، جبران خليل جبران، مع أنه دارج أكثر. قرأت كتاب ميخائيل نعيمة «يا ابن أدم» عشر مرات تقريبا، حتى إني جلبته معي، في أحد الأيام، إلى خلدة إلى عند يوسف».
يستمر فوزي ذبيان في اتخاد فعل الكتابة الروائية كشكل من أشكال مقاومة القمع، الذي تفرضه كل سلطة استبدادية باسم الدين أو السياسة أو المجتمع، إذ لا يتردد في الكشف عن أشكال هذه المقاومة وإقناع المتلقي بأن شيوع أشكال القمع في العالم العربي عامة وفي لبنان خاصة ، هي التي توقف تجذر الحداثة العربية وتمنع انتشارها.
٭ كاتب من المغرب
المهدي مستقيم