في زيارة إلى مخيم للاجئين السوريين في البقاع، لم أحمل كاميرا أو قلماً، فلا شيء أقسى من التلصص على وجع الآخرين. ما دفعني للكتابة في ما بعد هو إحساسي بحاجتهم للكلام، فالروح لا يغسلها إلا الكلام. أمام سؤالي الساذج الذي كنت أستخدمه كمدخل للكلام: «من أين أنت»؟ كان أغلب الأطفال يجيبون بأنهم من سورية، ولم أكن أجرؤ بعدها على طرح السؤال المزعج: «من أين من سورية؟»، تجنباً لإعادة البشر إلى الأماكن والأديان والطوائف الأولى. طفل لا يتجاوز عمره الست سنوات، أجابني بأنه من «القابون»، ذكر الحي تحديداً لا المدينة، حي ربما لم يعد يذكره، ولكنه، بتأثير من الأهل ربما، أراد أن يؤكد انتماءه «انتماءهم» للحلم الذي وئد.
أسماء… الأميرة الحمراء:
الطفلة بعينين خضراوين كسهول القرية التي جاءت منها، لا تحب المدرسة وتتشاجر مع الأطفال الذكور، وكأن شيئاً ما يخيفها منهم، لا جواب شافٍ لدى المعالج النفسي في المدرسة عن سر هذا العنف، وهل هو رد فعل على عنف عايشته كغيرها من الأطفال السوريين في مناطق القتال؟ أم هو رد فعل على عنف أسري قد تكون تعرضت له. أسماء لا تتكلم كثيراً، لكن وجنتاها تتوردان بالأحمر عندما تسمع كلمة «أحمر»، ليس أحمر الدم بل أحمر الكرز والوردة والكرة والحذاء، الذي تحلم به، ولون السترة التي ترتديها دائماً. «أنا من جنب حلب» قالت لي، ولم اسأل أكثر عن اسم القرية ولا عن لون الثوب الذي تحلم به مع الحذاء الأحمر. فلا لون للفرح في عيني أسماء إلا الأحمر، كقصة «ليلى الحمراء والذئب» التي تحبها كثيراً، ولكن لم يلتهم الذئب الجدة فقط، بل التهم بلداً كاملاً اسمه سورية.
فاطمة… الثورة لا تهزم:
فاطمة هي الموجهة في مدرسة اللجوء، وهي ستخبرك من تلقاء نفسها أنها من «القصير» وكأن القلب ما زال يسكن هناك، مع أن البيت غيَّر ساكنيه. هنا تعيش فاطمة في بيئة مرحبة في غالبيتها باللاجئين، ومع ذلك يتناهى إلى سمعها أحياناُ عبارات من قبيل»: السوريون خربوا البلد»، ويحدث أن تلتقي أحياناً بأشخاص، فيراودها إحساس غامض بالريبة تجاههم وأن لهم علاقة ما مع من يسكن بيتها اليوم في القصير. ومع أن فاطمة خسرت كل شيء، ولكنها لم تخسر إيمانها بالحرية، وبأن الثورة ستستمر والشعب سينتصر في النهاية لأنه على حق، كما تقول. فرح مباغت يلتمع في عينيها عندما تتذكر البدايات، تخبرني كيف خرج الطلاب تضامناً مع «بابا عمرو»، وكيف سقط الخوف من قلبها، وأسقطت صورة الرئيس المعلقة على الحائط، وكيف داس المتظاهرون عليها بكل القهر الذي تراكم في قلوبهم من سنين. قلنا «لا»، ترددها أكثر من مرة، وكأنها تمسح من الذاكرة عدد مرات الـ»نعم»، التي كان السوريون مجبرين على قولها، ليحموا وجودهم، في بلاد لا مكان فيها لأي صوت رافض إلا السجن أو المقبرة. المرة الوحيد التي قلنا «لا» خسرنا فيها كل شيء، تقول فاطمة. ثم تضيف: سقطت الصورة التي كانت جاثمة على جدار المدرسة وعلى قلوبنا، وسقط جدار الخوف، ولا بد أن يسقط هذا النظام مهما طال الزمن. عندما تودعني تقول لي: الله يسامحك أعدتني خمس سنوات إلى الوراء. فأجيبها: أما أنت فقد أعدت لي الأمل.
حنان… حمص نبنيها في كل مكان:
الدخول إلى المخيم يصيبني بالحرج، فأخبئ كل شيء في محفظتي، هاتفي وفضولي واللحظات الأخيرة في بيتي، وأتذكر قصيدة محمود درويش:
وأنت تعود إلى البيت، بيتك فكر بغيرك
لا تنس شعب الخيام
ثم أتذكر ما قرأته هذا الصباح: «96٪ من اللاجئين السوريين في لبنان يريدون العودة إلى بيوتهم بكرامة وأمان». لا يقطع تداعيات أفكاري إلا صوت مرافقي يخبرني أن هنا تسكن «حنان» الحمصية، بنت بلدك، كما يقول. في داخل خيمة حنان، تفاجئني الأناقة في تحويل غرفة بائسة إلى بيت يلائم عروسين مضى على زواجهما عمر من عمر الثورة، القليل من الأعشاب والأزهار والكثير من الذوق والترتيب ليتنفس الحب في زمن الحرب. لا أطفال لحنان، فبالنسبة لها لا يلد المرء في اللجوء أطفالاً يربون الانتظار والوجع. لهجة حنان الحمصي، خفة دمها، وقصصها عن جيرانها في المخيم من حي «البياضة»، وكأن المدن بل الحارات يُعاد خلقها هنا كما كانت في الواقع، كل هذا يعيدني إلى حمص. تسألني حنان: «يا ترى منرجع لحُمص شي يوم؟». فأبتسم وأعرب عن فرحي بسماع الضمة التي يبتدئ بها الحماصنة كلامهم، أبتسم لأهرب من الجواب. وأجيب نفسي: الحماصنة يبنون حمص في كل مكان وفي كل زمان، ثم أتذكر بأسى الخبر الذي مر اليوم في شريط الأخبار: «خروج آخر دفعة من المقاتلين من حي الوعر الحمصي إلى ريف محافظة ادلب».
ندى… معلمة وتتعلم:
يسميها أهل المخيم بالمعلمة، وهي معلمة الأطفال في المخيم، ولكنها المعلمة التي تتعلم أيضاً. ندى تتابع دراستها في الجامعة اللبنانية، ما تكسبه من تعليم الصغار تستثمره في تعليمها الجامعي. تقول ندى: أبي هو مثلي الأعلى، علمني منذ الصغر أن التعليم هو سند المرأة الوحيد. الخياط من مدينة ادلب، لا يستطيع العمل هنا لإعالة ابنته، لكنها تعرف من دون أن يخبرها، أنه يبيع حصته الغذائية من معونات الأمم المتحدة، لتستطيع الذهاب إلى الجامعة وتقديم امتحاناتها. تمسح ندى دمعة سالت رغماً عنها، وتتنهد بحسرة فهي وإن حصلت على الشهادة «الحلم»، فسوق العمل اللبناني مغلق أمامها بحكم القوانين اللبنانية.
مشكلة ندى يعاني منها أغلب اللاجئين، فهناك رأي عام سائد يتهمهم بالاستيلاء على عمل اللبنانيين ويطالب بترحليهم، مع إنكار تام لكون اللجوء بحد ذاته موردا إضافيا للبنان.
هذا ليس كلاماً إنشائياً، بل هو أرقام نشرها مؤخراً مدير الأبحاث في معهد عصام فارس ناصر ياسين، حيث أشار إلى أن قيمة المساعدات الدولية المقدمة إلى لبنان في ما يخص اللاجئين تبلغ حوالي مليار ونصف مليار دولار سنوياً، بالإضافة إلى أن أزمة اللجوء السورية ساهمت في خلق أكثر من 12 ألف وظيفة جديدة في لبنان. ومع ذلك يبقى أي حل اقتصادي لأزمة اللجوء شكلياً، مادام الحل السياسي للأزمة السورية غائباً.
شهادة بكارلويا ولكن:
في المدرسة التي تفتح أبوابها للاجئين بعد انتهاء الدوام الرسمي، تعرفت على مرح وصديقاتها. أربع فتيات سوريات في طور التحضير لامتحان الثانوية العامة، مرح من داريا والأخريات من الغوطة الشرقية وحلب وحمص. لا يعشن داخل المخيم، ولكن في غرف صغيرة مع عائلاتهن، التي غالباً ما يعمل فيها الأب في محل بقالة أو ما شابه هذا.
جميعهن يحلمن بالشهادة الثانوية ولا شيء سواها، ولكنها شهادة الائتلاف السوري، ولا يعرفن إن كان سيعترف بها وستفتح أمامهن أبواب المستقبل الموصدة، بالإضافة إلى أن خيارات الدراسة المتاحة أمامهن محدودة جداً في لبنان. فرع جامعي مناسب هو أقصى ما يحلمن به، لا فارس أحلام ولا حتى أحلام تتعلق بالثورة والحرية. «لم نعد نقوى حتى على الحلم…»، تقول إحداهن. «كبرنا سريعاً ولم نشعر بمراهقتنا حتى…»، تقول أخرى. أما مرح فتقول: «أنا لا أفهم بالسياسة، ولكنني عندما رأيت الظلم خرجت مع المتظاهرين وهتفت للحرية». ومع ذلك حلم «مرح» اليوم كصديقاتها يتجسد في شهادة «البكالوريا»، أما الحرية فتبدو بعيدة المنال والوطن على مرمى حجر ولكن العودة إليه مستحيلة. إصرار مرح وصديقاتها على التعلم أعادني إلى فيلم «بعيداً عن الوطن»، وهو فيلم يعود لعام 1969، تم تصويره مع أطفال مخيم فلسطيني على حدود دمشق. عندما سأل المخرج قيس الزبيدي في النهاية الأطفال عما يريدونه الآن، كان جواب الأكثرية: «قلم». وكأن من فقد وطناً وأرضاً يدرك بأن القلم أحياناً أشد فتكاُ من البندقية.
محمد… لست قصير القامة:
محمد لاجئ سوري يعمل في صالون للحلاقة، ولكي يستطيع الوصول إلى الزبون، عليه أن ينزل كرسي الحلاقة إلى أقصاه. محمد ليس قصيراً، ولكنه صغير جداً على هذا العمل، فهو لم يتجاوز العاشرة من عمره. ستفاجئك ملامحه الجدية وتجبرك رغماً عنك على تجنب الأسئلة، وكلما نطق محمد سمعت حشرجة صوته ولمحت دمعة عالقة في زاوية عينيه، أو هكذا يهيئ لك وأنت تشاهد طفلاً ضعيف البنية، ولكنه يحمل عبء عائلة كاملة على كتفيه.
لن تسأله عن المدرسة وأحلامه، فكل هذا نوع من الترف أمام طفل لم يبق له ما يذكره بطفولته غير قصر قامته. محمد هو واحد من مليوني ونصف المليون طفل سوري خارج المدرسة. هم لا يمتلكون سلاحاُ ولا قلماً ولا حتى الحق في الكلام. أودع محمد ثم أكتب آخر سطر في هذه المقالة: وأنت تحرر نفسك بالاستعارات، فكر بغيرك من فقدوا حقهم في الكلام.
٭ كاتبة سورية

التعليقات