خيمة خضراء في المنطقة الخضراء

المشهد العراقي يزداد غموضا، ولا أحد، سواء من الطبقة السياسية أو من الجمهور يمتلك تصورا للمقبل من الأحداث، الكل متوجس وخائف. خطر تفجر الوضع على بعد خطوات، الفرقاء السياسيون يحاولون إبعاده بالتمسك بوضع واهن، بينما مطالب الجماهير الغاضبة تحاول أن تحصل على التغيير بدون التفكير بما قد يؤول اليه الأمر.
في ظهوره الأخير على أبواب المنطقة الخضراء، وقف السيد مقتدى الصدر خطيبا وقد بدى عليه التوتر واضحا، بعد انتهاء المهلة المحددة لرئيس الوزراء لتشكيل حكومة تكنوقراط غير مسيسة، وقد خاطب السيد الصدر المعتصمين في كلمته المقتضبة قائلا؛ لقد أثبتم تنظيمكم، وكانوا يراهنون على عدم انضباطكم، وأضاف، وأطلب منكم الاستمرار عليه وستبقون في أماكنكم وفي خيمكم، ونتيجة التوتر الواضح في كلماته وإشاراته نهر السيد الصدر بعض الهاتفين منبها (نحن هنا وسط منطقة سكنية، بلا هتافات) واختتم بالقول، أنا ممثل الشعب إن شاء الله، سأدخل الخضراء وحدي، سأعتصم فيها وأنتم ستعتصمون في خيامكم، ونبه على أن كل اعتداء على القوات الأمنية هو اعتداءٌ عليه شخصيا، ليتم نصب خيمة خضراء داخل المنطقة الخضراء لتكون مكانا لاعتصام السيد الصدر وبعض مرافقيه، المفارقة أن أحد السياسيين ممن اعتبر أحد رموز الفساد، قرر أن ينظم إلى (خيمة اعتصام السيد) في حركة لم يفهمها أحد حتى الآن. نشوة انتصار مشوبة بالإرهاق والتعب تلف الحناجر، التي بحت من الهتاف ضد الفساد والمطالبة بالإصلاح، خوف واضطراب يعتري كل الطبقة السياسية انعكس في خبر تم تسريبه، ولا أحد يعرف مدى مصداقيته، هروب اكثر من 220 سياسي مع عوائلهم خارج العراق، فبحسب إحصاءات مطار بغداد، فإن أكثر من 350 عائلة وصل تعداد أفرادها إلى نحو 1400 شخص بينهم أطفال ونساء، غادروا العراق خلال الأيام الأخيرة، وجميعهم أقارب لمسؤولين ونواب عراقيين ولا احد يؤكد أو ينفي الخبر. والمشهد بات مقسما إلى برزخين، الاول برزخ (شلع قلع)، الشعار الذي طرحه السيد مقتدى الصدر عدة مرات في إشارة لاقتلاع الفساد من جذوره وعلى كل المستويات، أما البرزخ الاخر فيتمثل بـ(الإصلاح أو الفوضى) حيث يرى من يرفع هذا الشعار ألا حل سوى بالاصلاح من داخل العملية السياسية وإلا فإن الفوضى هي ما سيصل اليه الوضع العراقي. ولأن الكل يطالب بالإصلاح ولا يعرف ما هي آليات هذا الاصلاح، والكل يطالب باقتلاع الفساد ولا أحد يبين كيفية هذا الاقتلاع، التبس الأمر وازدادت التكهنات، وطرح أكثر من سيناريو تباين بين الرؤية الرومانسية الشعاراتية والبراغماتية السياسية، فقد ذكر السياسي فخري كريم في مقال له؛ لم يعد بعد هذه الصيغة المشوهة لـ»الاصلاحات» التي وعد بها العبادي، من حيث الاختيارات أو السياقات، ليل نهار، سوى سلوك السبيل الوحيد لتجربة إمكانية نضوج العراقيين واستعدادهم للإصلاح أو التغيير وعبور الطائفية ومحاصصاتها المشينة. وهذا السبيل يمر عبر طائفة من الخطوات المترابطة والمترافقة زمنياً، بالتمهيد لاجراء انتخابات تشريعية مبكرة، بعد مطالبة البرلمان بإعادة النظر بقانون الانتخابات، وتشكيل مفوضية عليا للانتخابات من القضاة بتكليف الامم المتحدة لهذا التشكيل أو بمعونتها ودرايتها.
وهذا الرأي الذي يبدو منطقيا وحصيفا يتناسى أو يتغافل عدة نقاط أو مآزق ومطبات، فهو يطالب بإعادة النظر بقانون الانتخابات وهذا الامر منوط بالبرلمان المتهم بالفساد والمحاصصة أصلا، ويطالب بإجراء انتخابات يشرف عليها قضاة بصفتهم مفوضية عليا بديلة عن المفوضية الموجودة، متناسيا أن بيت الداء كان في تسيس القضاء والمفوضية العليا للانتخابات، أما إشراف الأمم المتحدة على إجراء انتخابات برلمانية في بلد ما، فهو أمر كبير وصعب لا يمكن تنفيذه بجرة قلم، بالاضافة إلى تناسي الوضع العراقي الحالي، فكيف سيتم التعامل مع المناطق السنية؟ أين ستنتخب؟ علما أن جزءا مهما من الكتلة السكانية السنية تحت سيطرة «داعش» والجزء الآخر مهجر أو يقيم ضمن مناطق العمليات العسكرية. وماذا عن الكرد؟ والإقليم يعيش أزمة تكاد تقسمه إلى إقليمين، بسبب أزمة رئاسة الإقليم بين الاحزاب الكردية، ووسط الضبابية والتمزق بين المطالبة باستقلال الاقليم او العودة إلى العراق الفيدرالي والنزاعات حول كركوك وسهل نينوى، هل يستطيع الكرد المشاركة في الانتخابات التشريعية العراقية؟
برزخ الإصلاح يطالب الشارع بالعقلانية والتروي وإمكانية الإصلاح من داخل العملية السياسية، بدل انزلاق الأمر إلى نهايات مفتوحة على الفواجع، حيث لا أحد يعرف مدى الثمن الذي يمكن أن يكلفه ذلك، ويضربون مثالا بمبادرة السيد عمار الحكيم التي قدمها لرئيس الوزارء في إجتماع رؤساء الكتل مع الرئاسات الثلاث، التي نصت على؛ إما ترشيح بدلاء للوزراء الحاليين من قبل قادة الكتل السياسية وبطلب من رئيس الوزراء، أو تقديم السيد العبادي استقالته من رئاسة مجلس الوزراء وتشكيل حكومة مستقلين على أن تكون مهمة الكتل هي التشريع والرقابة في البرلمان، أو تقديم السيد العبادي استقالته من عضوية حزب الدعوة، ليكلف هو بتشكيل حكومة مستقلين، أو يشكل حكومته بعنوان (حكومة حزب الدعوة فقط)، ويتحمل هو وحزبه المسؤولية كاملة، وتذهب باقي الكتل كافة إلى ممارسة دور المعارضة في البرلمان. لكن كل هذه الحلول لم تلق قبولا من ممثلي الشارع المطالب بالتغيير.
يرى بعض منتقدي التماهي بين التيار المدني والتيار الصدري أن صعود شعبية التيار الصدري ستمثل إعادة تدوير لتيارات الإسلام السياسي، الذي أثبتت أحزابه فشلها وفسادها في ادارة الدولة، ويضربون لذلك مثالا في الحكومات المحلية في المحافظات والوزارات التي أدارها التيار الصدري نفسه منذ ما يزيد على الست سنوات والتي طالت شبهات الفساد الكثير من رموزها، ويطالب من طرحوا وجهة النظر المتخوفة من تصاعد حدة الازمة العراقية بتفاصيل واضحة، فما هي معايير استبعاد الوزراء، وما هي المعايير لاختيار وزراء جدد، وهل يكفي انهم تكنوقراط ومستقلين؟ إن السيد العبادي عندما شكل حكومته، أشار إلى انها ستكون حكومة كفاءات في تنوعية على مفهوم التكنوقراط، والنتيجة هي ما نراه اليوم، وما هي آليات معرفة استقلال الوزراء الجدد أو عدم تأثير الكتل السياسية عليهم؟ وماذا عن المناصب الأخرى في الوزارات من وكلاء الوزير إلى المديرين العامين؟ والواقع أن هؤلاء هم الذين على تماس مباشر مع عمليات الفساد، فهل المطلوب هدم كيان ومؤسسات الدولة كلها لأنها كلها فاسدة؟ أم أن هنالك تدرجا إصلاحيا يتم التوافق عليه؟
ربما أشار البعض إلى أن الأزمة العراقية الحالية لم تعد أزمة نخبة سياسية، بل هي أزمة شارع منعكسة على اختيار هذا الشارع لممثليه في البرلمان والحكومة، ولو توفرت إمكانية تشكيل حكومة بديلة من التكنوقراط المستقلين سياسيا، كحكومة انتقالية تهيء لانتخابات مبكرة، فإن الطبقة السياسية الموجودة ستحظى بدعم الشارع المنقسم طائفيا وإثنيا والذي يرى سياسييه الطائفيين خير ممثل له، وقد كتب عقيل عباس مقالا مهما يصف الحالة العراقية، مفندا فيه (أكذوبة الرأي العام العراقي) حيث يقول؛ الرأي العام نتاج شعب، وليس آراء طوائف وأعراق، هو دليل على وجود وطن، وقيم مشتركة بين أهله تقود أفكارهم ومشاعرهم، وليس في عراق اليوم كل هذا، فالساسة ينتبهون فقط لآراء مجاميعهم الطائفية والعرقية، ولا يبالون كثيراً بآراء سواهم. فعند اندلاع الاحتجاجات الشعبية الواسعة في المحافظات السنية عام 2012، لم تبال بها معظم الطبقة السياسية الشيعية، لأنها اعتبرتها حركة سنّية، تنتمي إلى (الطائفة الاخرى)، ويتكرر اليوم تجاهل مماثل من سياسي السنّة لحركة الاحتجاجات الشعبية في بغداد ومحافظات وسط البلد وجنوبه لأنهم يعتبرونها (شيعية). لنصل إلى استنتاج مفاده أن الرأي العام في (العراق الجديد) قد تفكك ليصبح امتداداً لتفكك السياسة والمواطنة والبلد، و يكفي أن تتحدث إلى العراقي اليوم لتكتشف أن آراءه عن السياسة واللحظة الحاضرة وأسلوب حديثه عنهما تشي بانتمائه المذهبي أو العرقي، وهو يحاول أن (يؤصّل) فهمه السياسي للحاضر بسرديات الماضي التي تشير لانتمائه لهويته الفئوية.
ما كان للمحاصصة الطائفية والعرقية أن تترسخ في روح البلد لو لم يتفكك الرأي العام، لمصلحة آراء (المكونات). من هنا يمكن أن نفهم كيف يمكن لجمهور واسع غاضب على ساسته، لأنهم جروه إلى القاع في كل شيء، أن يعيد انتخابهم على مدى ثلاث دورات انتخابية، ئغنه باختصار جمهور فقد قدرته على التفكير كـ(شعب) واستسلم لكونه ابن (المكونات)، إذن، لا خروج من الأزمة العراقية إلا بتيار مدني علماني عابر للمكونات ومنتم للوطن، فهل سيتطور الحراك المدني الضعيف حاليا إلى حركة تسد هذا الفراغ وتعيد للوطن بهاءه؟ هذا هو الأمل.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية