عمان ـ «القدس العربي»: ضمن اللقاء الشهري الذي تقيمه دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمان، أقيم لقاء ثقافي بمناسبة مرور 25 عاماً على رحيل الأديب الأردني غالب هلسا، بمشاركة خالد الجبر عميد كليّة الآداب في جامعة العلوم الإسلاميّة العالميّة، والقاص خالد سامح ومستشار الدارة الثقافي فيصل درّاج.
قدم دراج ورقته بعنوان «المثقف في شخص غالب هلسا»، بدأها بالحديث عن سيرة هلسا الذي مارس السياسة والنقد الادبي والمقالة الصحافية والترجمة، واقترب من أوساط سياسية وانتقل من بلد إلى آخر، وأصدر عدة كتب وعاش غريبا عن وطنه، وآثر أن يكون مستقلا طيلة حياته، كان مثقفا أودع حياته في القراءة والكتابة ويؤمن برسالة هدفها إصلاح العالم، كان مثقفا بامتياز، فما هي صفات المثقف الذي كان غالب هلسا؟
ويجيب دراج عن السؤال الذي طرحه، موضحا: «أهم الأسباب التي تجعل هلسا مثقفا عدم ميله إلى العمل في المؤسسات الرسمية والبحث الدائم عن عمل حر قوامه الكتابة والترجمة والابتعاد عن التقليدي المسيطر اجتماعيا، أكان ذلك في التحزب السياسي أم في اللباس والعادات اليومية.
ولأنه مثقف نقدي حديث، فقد عاش أولوية المعرفي على الايديولوجي، أو أولوية المعرفة الموضوعية على المقولات الأخلاقية العامة، ولهذا التصق بحاضره وتقدم إلى الأمام سائلا معرفة مغايرة.
وأضاف دراج: «لعل رفضه لليقين النهائي، كما عبر في ذوقه الروائي هو الذي يجعله ينفر من الأدب التبشيري المتفائل ويميل إلى أدب يسائل ولا يعطي جوابا، ولهذا كان يرفض أدب حنا مينة الذي يبشر بالانتصار، وينفر من روايات جبرا إبراهيم جبرا المؤمنة بانتصار العدالة وكان قريبا من رواية صنع الله إبراهيم المشدودة إلى بطولة النهار والوقائع اليومية.
يؤمن دراج بأن المثقف النقدي الحقيقي ينصر القضايا العادلة ولا يتفق بالضرورة مع الناطقين باسمها، أو الذين يتصرفون بها، لذا كان مع القضية الفلسطينية، من دون أن يرتاح إلى القيادة الفلسطينية، وكان مع الفلسطينيين من دون ان يعترف بالأدب التبشيري الناطق باسمها، كان يردد في ذاته طرحا يقول «ألا يمتلك الأدب منظورا صحيحا إلا إذا كان له منظور سياسي صحيح بدوره».
وفي نقده لأدب المقاومة كما في نقده لما كان يدعى «الواقعية الاشتراكية» وهي عقيدة ايديولوجية وذلك في قوله «الثقافة ليست مهنة، ذلك أن الكتابة فعل تقني بسيط، فالثقافة نمط حياة وسعي إلى الحقيقة، عنوانها حياة المثقف اليومية، فالمثقف يعرف من جملة علاقاته الاجتماعية ومن عاداته اليومية ومن بعده عن المرئي العام.
وعاد دراج ليطرح الأسئلة حول حياة هلسا، قائلا: «كيف يكون المثقف مغتربا، لا يميل إلى العامة ولا يطمئن إلى الخاصة، ويكتب رواية واقعية؟ كيف يكون مكتفيا بذاته ويكتب رواية «الخمسين» وكيف لا يغادر ذاته ويكتب رواية «الضحك»؟ في حياة هلسا ما يقول «يتعرف المثقف على الناس ويرى اسئلتهم حتى يكاد أن يندمج معهم، ولكنه لا يلبث أن يبتعد عنهم ويصوغ إجابات وحيدا، يعتزلهم إلى درجة تحرره من إجاباتهم.
واختتم دراج حديثه، مبينا: «كيف نختصر كل ما سبق ونحن ننظر إلى ملامح المثقف عند هلسا؟ في دراسة وصفها في سنواته الأخيرة احتفى بكلمات الإيطالي غرامشي عن المثقف المشغول بأمرين هما: تجسير المسافة بينه وبين السلطة، واستعمال الثقافة من أجل التجمل الاجتماعي أي الشهرة والتميز». وأضاف: «لا أرى غالب هلسا اليوم إلا وأرى وجهه الطفولي الطافح ببراءة سعيدة وحزينة معا، ولا أراه إلا وأرى فيه روحا صادقةً ومقاومةً عنيدة، تسخر من العارض النافع وتحتفي بالصحيح المستديم».
بينما أشار خالد جبر إلى هلسا كمثقف متحرر وروائي وسارد ومترجم وانسان مغترب ولد بريا وآثر أن يخرج بنفسه إلى المكان، رغم أن بعض الأماكن كانت تطرده فيؤوب إلى نفسه.
وأوضح الجبر أن هلسا كان بنيوي التفكير في الكتابة والإبداع ولم يكتب عبثا، وتأثر كمحمود درويش بالمراحل التي مر بها العالم العربي وبالتالي الذات الانسانية وموقفها من العالم، كما أكد أن رواياته شكلت تأريخا ابداعيا لا تسجيليا للأحداث فبدت كفيلم روائي مكتمل العناصر الإبداعية.
وفي معرض حديثه عن أساليب هلسا في صياغة أعماله الروائية استعرض الجبر مجموعة من آراء بعض النقاد والكتاب الذين تناولوا أعماله ومنهم : أحمد خريس، فيصل دراج، مهدي نصير، نزيه أبو نضال، وغيرهم، واستدل ببعض من نصوص هلسا الروائية، حيث بين ما فيها من اشتباك الواقعي بالتخيلي، والرواية التاريخية والتوثيقية، وتداخل اليقظة بالحلم وحلم اليقظة.
أما الزميل خالد سامح فقد اقتربت القصة القصيرة التي قرأها من أجواء قصيدة النثر، التي استعاد فيها غالب هلسا في محطاته الحياتية المختلفة منذ طفولته البائسة في ماعين، حيث ولد هناك عام 1932 وحتى وفاته المفجعة والمفاجأة في دمشق عام 1989، ونقتطف منها :
وها هو في دمشق
الكآبة ذئب يعوي في طرقاته
يحتضن ما ادخره من حنين ويجلس على شرفته وحيدا، حيث الروح ترنو إلى جنوبها
يناجي نجمةً تحرس قاسيون:
سنعود قريبا
أنا وأنت
خفيفين إلا من أسرارنا
أيها الموت لست غريمي
أنت اكتمال الحلم
تلويحتي الأخيرة للرفاق القابضين على شعاع الشمس
امنحني لحظةً من اليقظة كي أبوح بسري
وأتبعك.
آية الخوالدة