دارت حول الصين والمكسيك وقضايا أخرى: المواجهة بين «المؤسسة» الكلاسيكية وجزء من الجيش الأمريكي والقوميين رجحت فوز ترامب

حجم الخط
6

فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية وأصبح الرئيس 45 للبلاد، وشكل انتصاره مفاجأة حقيقية لمعظم المحللين والسياسيين، وكان كاتب هذا المقال من القلائل جدا الذين كتبوا وطيلة شهور في صفحات «القدس العربي» مقالات تشير إلى الاحتمال الكبير لفوزه في مواجهة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
ويبدو أن الكثير من المحللين في معالجتهم لظاهرة دونالد ترامب قد انطلقوا من آليات التحليل نفسها التي يطبقونها على معظم الوقائع السياسية دون الأخذ بعين الاعتبار المعطيات الطارئة والجديدة ومنها التغيرات التي تشهدها المجتمعات وفي هذه الحالة المجتمع الأمريكي بسبب الأزمات وبسبب الدور الكبير لوسائل التواصل مثل فيسوك ويوتيوب.
وعليه، اعتمادا على المقالات السابقة وتطورات جديدة نقدم قراءة بعض العوامل الرئيسية لهذه الانتخابات التي يعتبرها البعض مفاجأة كبرى بينما معطيات الواقع كانت تشير إلى العكس. ومن التعاليق الهامة حول دور الصحافة، ما كتبه المخرج الأمريكي الشهير مايكل مور هذا الأسبوع الذي تكهن خلال تموز/يوليو الماضي بفوز ترامب، يقول في جداره في فيسبوك ضمن نصائح لليسار والحزب الديمقراطي ومناهضي ترامب «لا تأخذوا بعين الاعتبار رأي المحللين والمعلقين واستطلاعات الرأي الذين نفوا سماع وقول ما كان يجري في أرض الواقع».

مواجهة حول القضايا الكبرى

وهكذا، في دولة كبرى مثل الولايات المتحدة التي تعتبر الأقوى عسكريا واقتصاديا في العالم، يكون الهدف هو استمرار هذه القوة، وعادة ما يحدث هذا اختلافا بين مكونات الدولة العميقة في البلد في رؤيتها لخطط تعزيز النفوذ الخارجي وكذلك تحديد نوعية الخطر الداخلي، ويحدث أن تصل إلى مستوى التوتر كما يحصل الآن في الولايات المتحدة خلال الانتخابات الرئاسية تشرين الثاني/نوفمبر 2016.
إذا تعمقنا في الانتخابات الأمريكية الأخيرة وبعيدا عن عناوين الصحف، سنجد أنها مواجهة صامتة وأحيانا علنية بين نمطين من التفكير الاستراتيجي. الأول ويشكله تيار من الدولة العميقة ظهر مع الرئيس السابق بيل كلينتون وانتعش مع باراك أوباما ويسيطر على أغلبية المؤسسات المالية ومراكز التفكير الاستراتيجي وهو ما يمكن اعتباره بـ «الإشتبلشمنت» اللاحق لنهاية الحرب الباردة وعنوانه هيلاري كلينتون، والثاني يتكون في غالبيته من سياسيين محافظين وعسكريين وموظفين سابقين في إدارات حساسة ونخبة قليلة من رجال الأعمال يعارضون سياسة التيار الأول بكل قوة.
ويوجد اختلاف حول ثلاث قضايا أساسية في الولايات المتحدة بين صناع القرار، والحديث عن صناع القرار يعني كذلك صناع رؤساء البلاد، حيث يدفع كل طرف بشكل علني أو غير علني في اتجاه اختيار شخصية معينة للبيت الأبيض ومراكز القرار بحكم تغلغل الطرفين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي. والقضايا الثلاث هي الصين والمكسيك ودور المؤسسات المالية في ارتباطها بالسياسة.

الصين

التيار التقليدي أو «الإشتبلشمنت» الذي ظهر مع بيل كلينتون وحافظ على وجوده مع جورج بوش وانتعش مع باراك أوباما بشكل كبير لا ينظر بقلق كبير للصين، ويستمر في منحها صفة الأفضلية التجارية التي منحها لها كلينتون في التسعينات، ويعتقد أن العلاقات التجارية كافية لامتصاص الخطر الصيني مستقبلا.
ويرى التيار الآخر وخاصة العسكريين أن الصين هي عدو الحاضر غير المعلن وعدو المستقبل المعلن. كما يرى أن المواجهة الصامتة تجري الآن بين الصين والجيش الأمريكي في المحيط الهادي. وهنا التساؤل الكبير الذي تطرحه المؤسسة العسكرية: إذا كانت الصين هي الخطر الذي يهدد قوتنا في العالم، وإذا كان البنتاغون نقل ومنذ سنوات معظم أساطيله العسكرية نحو المحيط الهادي، فكيف يعقل أننا نستمر في الاستثمار في الصين ونستمر في منحها الأفضلية التجارية؟ هذه الشريحة من الجيش وبعض رجال الأعمال وسياسيين يقولون «السياسة الأمريكية الحالية، عن وعي أو بدونه، الآن تمول الصين لكي تزيحنا عن مستقبلا عن المركز الأول عالميا في الاقتصاد والقوة العسكرية، إننا ندمر أنفسنا بأيدينا». هذا التيار لا يعتبر روسيا الخطر الأكبر لأنها تفتقد لقاعدة اقتصادية صلبة مثل الصين، فهي تتوفر على القوة العسكرية، بينما الصين تمزج بين القوة العسكرية الصاعدة بشكل ملفت والاقتصادية المتينة. كما أنها سائرة نحو بناء أكبر طبقة متوسطة في العالم، هذه الأخيرة التي تعتبر عماد كل تفوق وعسكري. في المقابل، تسير الولايات المتحدة نحو فقدان صلابة الطبقة المتوسطة إلى مستوى أن 50% من العاملين في الولايات المتحدة لا يحصلون على أكثر من 2500 دولار في الشهر. ولهذا كان هذا التيار يدعو إلى التنسيق مع روسيا في مواجهة الإرهاب في الشرق الأوسط. ولعب الجنرال مايكل فلين مستشار ترامب وهو المدير السابق للاستخبارات العسكرية (2012-2014) في عهد باراك أوباما دورا محوريا في بلورة هذه التصورات ولعب دور الجسر بين ترامب والمؤسسة العسكرية.
ولهذا تأتي دعوات سحب الشركات الأمريكية من الصين وعلى رأسها آبل وفرض رسوم جمركية على الواردات من هذا البلد العملاق، أي الرهان على ما يسمى الآن «الاقتصاد القومي الوطني». ومن هذا الباب، طرح التيار الثاني الذي يمثله دونالد ترامب في الانتخابات ضرورة إعادة بناء الطبقة الوسطى وخاصة من البيض الذين أصبحوا في عطالة ويعيشون بدون أمل. بمعنى مخاطبة أكبر شريحة من الناخبين الغاضبين.

المكسيك عنوان الهجرة

شكلت الهجرة موضوع خلاف رئيسي في الحملة الانتخابية، ويرى الطرف الأول ضرورة الاستمرار في استقبال المهاجرين وتسوية أوضاع الكثيرين منهم، ويتم الدفاع عن هجرة الجيران أي هجرة المكسيكيين وأمريكا اللاتينية. بينما الطرف الثاني يعتبر أن الهجرة اللاتينية أساسا أصبحت خطرا على المجتمع الأمريكي. ويعتبر خطاب ترامب حول الهجرة الترجمة البسيطة والواضحة لطرح المفكر المحافظ صامويل هنتنغتون في آخر مؤلف له قبل رحيله «من نحن؟» الصادر سنة 2004، الذي يحذّر فيه من خطر ارتفاع نسبة المكسيكيين والعنصر اللاتيني القادم من أمريكا اللاتينية وسط المجتمع الأمريكي. وإذا كان هذا المفكر الذي ارتبط تاريخيا بالمؤسسات العسكرية قد تحدث عن العدو الخارجي في كتابه «صدام الحضارات» فقد جعل في كتابه «من نحن؟» من المكسيكيين واللاتينيين عموما العدو الداخلي الذي يهدد أسس ما يعتبره «الأمة الأمريكية» القائمة على ركيزة الأنكلوبروتيستانية. ويقول في كتابه «الهجرة المكسيكية مختلفة عن كل الهجرات السابقة التي شهدتها الولايات المتحدة»، وأن العنصر اللاتيني سيشكل 25% من سكنة الولايات المتحدة سنة 2040 إذا لم تتم السيطرة على هذه الهجرة. ويحذر من أن الأمريكيين من أصل مكسيكي قد يتحكمون في النتائج بسبب ارتفاعهم، لهذا كان أكبر فارق في الأصوات تجاوز مليوني صوت في كاليفورنيا لصالح كلينتون لأن أغلبية سكان الولاية هم من أصل مكسيكي.
وصامويل هنتنغتون ناطق باسم المؤسسة العسكرية منذ عقود ومن الذين يهيئون الأرضية لصنع القرارات البعيدة المدى.
في مقالات سابقة في جريدة «القدس العربي» وقبل فوز ترامب بتمثيلية الحزب الجمهوري، كتبنا بتاريخ 3 نيسان/أبريل الماضي لماذا يستهوي دونالد ترامب بخطابه القومي المتطرف الناخب الأمريكي الأبيض؟ واستعرضنا عددا من الأدلة في هذا الشأن. وفي مقال أسبق منه بتاريخ 1 ايلول/سبتمبر من 2015 ركزنا على خطورة فكر المرشح الجمهوري عندما كان الجميع يسخر منه ويستبعد فوزه في انتخابات الحزب الجمهوري، واعتبرنا أن حديث ترامب عن المسلمين هو إجرائي أكثر منه عقائدي، أي اقتنص فرصة العمليات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة والعالم ليحصد متعاطفين بينما الخطر الحقيقي بالنسبة له وللتيار الذي يقف وراءه هو المكسيك.

المؤسسات المالية

خلال الحملة الانتخابية، اتضح وجود موقفين من المؤسسات المالية، موقف تتبناه المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون التي تدافع عن البنوك والمؤسسات المالية، وموقف يتبناه دونالد ترامب الذي يهاجم دور هذه المؤسسات فيما يعتبره تخريب اقتصاد البلاد. وكان بيرني ساندرس المرشح الديمقراطي الذي نافس كلينتون بدوره ينتقد هيمنة المؤسسات المالية على حياة الأمريكيين واعتبر كلينتون مرشحة هذه المؤسسات وأنها ستخرب البلاد. ويرى التيار الثاني أن المؤسسات المالية وبتآمر من السياسيين فرضوا قوانين تصب في صالحهم قبل الشعب الأمريكي. لهذا توعد هذا التيار عبر مرشحه دونالد ترامب بفتح تحقيق حول أزمة 2007 المالية التي أتت على مدخرات وممتلكات الأمريكيين وخاصة الطبقة الوسطى. ويعيش جزء من «الإستبلشمنت» المالي والإعلامي والسياسي على ما هو أقرب إلى سياسة الريع في العالم العربي، أي ظهور طبقة طفيلية من المستشارين والمحللين والمساعدين في دواليب الدولة والشركات ومراكز التفكير، بدأت تتحكم في قرارات استراتيجية دون أن يكون لها تكوين حقيقي.

ترامب مرشح من؟

تعتبر كلينتون مرشحة الحزب الجمهوري ووقفت وراءها شركات تجارية ومؤسسات مالية ضخمة، والغريب في تاريخ الانتخابات الأمريكية أن المرشح الجمهوري تقف وراءه دائما شركات وبنوك، ولكن هذه المرة لم يقف وراء ترامب لا الحزب الجمهوري الذي ابتعد عنه ولا المؤسسات المالية الكلاسيكية التي تتخوف منه. ويمكن للقارئ طرح سؤال: من يقف وراء مرشح مثل ترامب يعتبر رجل أعمال ولكنه يتبنى أطروحات مخالفة لثقافة المال والأعمال المهيمنة في نيويورك والثقافة السياسية المهيمنة في واشنطن؟
في الأسبوع الثاني من شهر ايلول/سبتمبر الماضي، أصدر أكثر من 120 جنرالا وأدميرالا في الاحتياط والتقاعد بيانا يؤيدون فيه برنامج ترامب ويقولون أنه الأمثل للقضاء على الإرهاب والجريمة المنظمة وغياب الأمن ومراقبة الحدود للحد من الهجرة وإعادة بناء الاقتصاد الوطني وبناء الجيش الأمريكي. هؤلاء الضباط هم ناطقون باسم من يوجدون في الخدمة، وقد انضمت للبيان تجمعات لرجال الأعمال وسياسيين ومفكرين مناهضين للإستبلشمنت الأمريكي المهيمن في نيويورك وواشنطن رفض وصول كلينتون وتيارها إلى البيت الأبيض.
ولكن المواجهة لم تعن أبدا تزييف نتائج الانتخابات مثلما يحدث في العالم العربي بل عمل كل طرف على استغلال وسائل الإعلام والتجمعات للدفاع عن التصورات السياسية والاقتصادية المختلفة، وما وقع أن جزءا كبيرا من الرأي العام العالمي اهتم بوسائل إعلام الإستبلشمنت الكلاسيكي مثل «نيويورك تايمز» لهذا كانت المفاجأة للكثيرين.

دارت حول الصين والمكسيك وقضايا أخرى: المواجهة بين «المؤسسة» الكلاسيكية وجزء من الجيش الأمريكي والقوميين رجحت فوز ترامب

د.حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية