تزامن انفلات التطرف من عقاله في المنطقة العربية، وتفاقم الظاهرة إلى ما يشبه التسونامي العابر للحدود، مع محاولات أنظمة عربية نافذة وأد ما سمي بالربيع العربي، ووقوفها بعناد ضد إرادة التغيير، وتأييدها لمنطق مصادرة حقوق الشعوب العربية، واضطهاد إنسانها وحرمانه من الحرية والكرامة البشرية.
وشهدت السنتان المنصرمتان سعيا حثيثا لإعادة عقارب الساعة إلى الخلف، من خلال دعم الثورات المضادة، وبدا واضحا أن هذه الأنظمة ضخت كل ما يمكنها من جهود سياسية ومالية وإعلامية في سبيل إيصال رسالة للإنسان العربي؛ مفادها بأن التغيير الديمقراطي السلمي مستحيل. وذهبت الأنظمة المناوئة للربيع العربي إلى حد استخدام أساليب غير مشروعة ولا أخلاقية من أجل تحقيق أهدافها، فلم تتورع عن دعم النزعات الطائفية وإذكاء المذهبية والنفخ في القبلية ومد التنظيمات المتطرفة بأسباب البقاء والتطور، وأخذ بعضها في استعراض قدراته الاستثنائية في محاصرة المطالبين بالحرية، إلى أن وصلنا إلى مستويات غير مسبوقة لا في المنطقة ولا في العالم، سواء في عدد القتلى أو السجناء أو المنفيين والمسحوبة جنسياتهم، إلى نحو ذلك من جرائم مروعة يندى لها الجبين.
لقد أثار منظر الإطاحة بمبارك وبن علي والقذافي وعبدالله صالح، غضب ورعب تلك الأنظمة ترقبا لدورها، واندفع بعضها في الدفاع عن ذاته إلى زيادة مستوى القمع، وعدم السماح ببذرة الديمقراطية للنمو في أي بقعة في الجوار؛ خشية انتقال النموذج، ومن الواضح أنهم نجحوا إلى حد بعيد في ما أرادوا، فها هي شعوب الثورات ترزح، إما تحت استبداد العسكر أو تتفتت إثنيا وطائفيا ومذهبيا أو تفشل أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، أو كل ما سبق في بعض الحالات. ولكن ثمة انعكاسات أخرى لخنق إرادة الشعوب، فقد وفرت حالة الإحباط، التي غرستها الثورات المضادة في النفوس، وما آلت إليه أحوال بعض البلدان العربية من تشظ بفعل التأثير السلبي لمناوئي الديمقراطية، حواضن شعبية للمتطرفين، الذين تتزايد شوكتهم في بيئة خلقتها أو ساهمت في تكوينها أنظمة تؤمن بإمكانية إفناء إرادة التغيير، ليس «داعش»، أو «النصرة» ، أو «بيت المقدس» أو كل أشكال ما يسمى بالجهاديين الموجودة حاليا فقط، بل أيضا سلالة متطورة مما ستفرزه الحرب المعلنة على إرادة الشعوب، من مئات التنظيمات الأخرى، التي ربما تتناسخ أو تتعاقب على حمل الدور. قد يفشل التحالف في تحقيق أهدافه بإنهاء التطرف، إما لضبابية استراتيجيته أو تقاطع أهداف المشاركين فيه، أو محاولة بعضهم توظيف المجريات لخدمة مصالحه وابــــتزاز غيره، ولكن أيضا لغياب المعالجة غير العسكرية لما يجـــري في المنطقة من عبث بنيوي في استقرار المجتمعات وآليات تعبيرها عن إرادتها.
على كل الأحوال لن تؤدي الحرب حتى لو نجحت إلى إضعاف «داعش»، في محاصرة الظاهرة، بدليل ما حدث في أفغانستان والعراق والصومال وغيرها من البقاع، ولن يجدي نفعا سوى استخلاص الدروس الرئيسية، ومفادها بأن خنق الشعوب والعبث في مكونات استقرارها وإغلاق منافذ تعبيرها عن إرادتها غير ممكن.
وفي انعكاس آخر، يبدو أن الأحداث تزيد من مستوى التململ الشعبي ـ حتى في الأماكن التي كان يعتقد بأنها بعيدة عن الحدث- وتنتقل القلاقل إلى خواصر بعض الدول التي تقود الثورة المضادة، وهذا مهدد استراتيجي لكل من يعتقدون أن القمع نهاية الحكاية، وأن وفرة الحقد والمال قادرة على قلب الحقائق على الأرض.
صحيح أن هنالك أسبابا أخرى للظاهرة، ومنها الموروث الثقافي المشوّه وما فعلته الأنظمة المستبدة الفاسدة بالإنسان العربي من تحطيم للقيم، ومظلومية بعض المذاهب والطوائف، والإدارة التاريخية غير الحكيمة لملف الأقليات، وغياب مفردات الديمقراطية وتقبل الآخر والإيمان بالحقوق الإنسانية ومبدأ العمل الجماعي لدى النخب العربية والأفراد، وتخبط الأولويات، وصحيح أيضا، أن العامل الخارجي حاضر، ويعمل على توظيف المجريات لخدمة استمرار استغلال خيرات المنطقة وتبديد مواطن قوتها، وصحيح كذلك أن الأمور قد لا تنبئ بخير لا للأنظمة ولا للشعوب، فتفتيت الدول وتمزيق وحدة المجتمعات وانهيار الجيوش وتنامي الجريمة، وانتشار الجهل، والتوظيف الأعمى للتدين، وتوسع الفقر، كلها مظاهر آخذة بالتصاعد وتهدد كل من يقطنون هذه البقعة من العالم. لكن كل ما سبق يجب ألا ينسي علية القوم والمطحونين بقراراتهم على حد ســـواء، بأن إرادة الشــعوب غالبة، وكل من يغالبها مغلـــوب، وأكثر من سيدفــــع الثمـــن أمام الله والتاريخ والناس أولئك المصرون على الوقوف أمام أحلام شعوبهم بالتحرر والكرامة.
الربيع لم ينته بل انتقل الى مستوى آخر، للأسف بأنه متوحش ودامٍ، ولكن يبدو بأن الأمور تتطور بخلاف مصالح المؤمنين بملاحقة أنفاس الحرية والإمساك بتلابيب الديمقراطية والوقوف أمام التواقين للحاق بركب الإنسانية، ولمن لم يموتوا – كما مات القذافي- أن يتحسسوا رؤوسهم أيضا، فـ»داعش» الذي يحارب أربعة جيوش بشكل مباشر، ونحو 60 في التحالف الدولي لا يزال يتقدم، وحتى لو تمت هزيمته فالقادم أعظم من أشكال تعبير المجتمعات عن ذاتها، وليست هنالك مصلحة للأنظمة المتوجسة باستمرار معاندة الصيرورة التاريخية.
٭كاتب اردني
ناصر لافي