داعش تكتسح الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي

حجم الخط
9

كان زحف جيوش الماضي يُحسب بقرع الطبول ، والآن صار يحسب بعدد التغريدات وكثافتها وتفاعل الناس على شبكات التواصل الإجتماعي ونبرة الهاشتاغ التي تحتويها. جيوش الماضي القريب إستعملت وسائل الإعلام التقليدي لتحقيق أهداف مشابهة، أما المعاصرة فجعلت الإعلام الإجــــتماعي ركنا اســاسيا في تسليحها.
إستعمال التنظيمات الجهادية للإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي ليس جديدا، ولكن من خلال مراقبة وتحليل نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على شبكات التواصل الإجتماعي، وخصوصا في الآونة الأخيرة، نلحظ إمتلاك التنظيم لإستراتيجية تسويق إلكتروني وعلاقات عامة على درجة عالية جداً من الإنضباط والتنسيق والتخطيط إضافة لفريق عمل إعلام اجتماعي تحسده عليه العديد من دوائر التسوق الإلكتروني في شركات كبرى ووحدات الإعلام الإجتماعي التي تملكها جيوش دول مؤثرة.
الهجوم الذي شنه داعش في العراق، وسيطرته على مناطق شاسعة بدى مباغتا إلا انه لم يأت دون إعلان مسبق بل قام التنظيم بالترويج المسبق له حسب خطة إعلامية منظمة تصاعدت مع التقدم الميداني لمقاتليه في حملة متطورة وبالغة التعقيد مستخدما أكثر أساليب وتكتيكات الترويج الشبكي تطوراً ونجاعة. يُجمع العديد من الخبراء والمحللين ان لدى داعش خطة إعلامية محكمة التصميم لها أهدافها وتسير حسب توقيت دقيق ورسائلها موجهة بشكل علمي لإستهداف فئات مختلفة ومحددة، فمثلا كانت بعض هذه الرسائل والحملات موجهة لإستقطاب اعضاء جدد من فئة عمرية ومناطق ونمط محدد من الشباب وأخرى كانت تستهدف سكان بغداد والحكومة والجيش العراقي لنشر الذعر في صفوفه وتسهيل دحره والبعض الآخر كان موجها للجمهور الغربي تحديدا، مثل استعمال هاشتاغ #SykesPicotOver (سايكسبيكو انتهت) مع بدء الهجوم على الموصل والذي جعلها رائجة الإستعمال Trending عبر شبكة تويتر.
إستغلال داعش لأدوات ووسائل الإعلام الإجتماعي شامل ويوظف كل ما يمكن من أدوات الإنترنت فمن خلال تويتر وفيسبوك وغيرهما يستعمل فريق داعش الرسائل الخاصة للتواصل مع المؤيدين واستقطابهم أو توظيفهم في خدمة خطته الإعلامية ونشر التغريدات وتنسيقها وجمع المعلومات الإستخبارية وتنسيق عمليات الرد على الأصوات والتغريدات المعادية لنشاط التنظيم وأهدافه. وكأي فريق عمل إعلام إجتماعي ماهر في شركة كبرى او جهاز إستخبارات لدولة عظمى، فإن إستخدام داعش للشبكة العنكبوتية لا يقتصر على نشر الصور وبث التهديد والوعيد في إتجاه واحد بل يستعملها لفهم حاجات متابعيه واستشارتهم وقياس وتحليل ردود فعلهم وبناء عليه يطور استراتيجياته وأساليب عمله. فمثلاً منذ فترة قام داعش بتسريب خبر عبر شبكات التواصل الإجتماعي عبر حسابات مرتبطة به رسميا هو أنه بصدد تغيير اسمه (دولة العراق وبلاد الشام) ، ومن ثم استعمل حسابات أخرى غير رسمية على تويتر لنشر اقتراح، بشكل غير مباشر، بأن الإسم الجديد سوف يكون (دولة الخلافة الإسلامية) ومن ثم قام بمتابعة ردود فعل الناس على هذا الإسم الجديد المقترح والذي يعتبر بين جمهور الجهاديين والحركات الإسلامية موضوعا جدليا وشائكا تختلف الآراء حوله وتتصارع. عندما إتضح أن السواد الأعظم من الآراء والأصوات على شبكات التواصل ضد إستعمال إسم الخلافة في هذه المرحلة، تراجع داعش عن فكرة تغيير اسمه. أسلوب إستعمال الميديا الإجتماعية في الاتجاهين، للنشر وللرصد والإستماع، ولإصدار الرسائل من فوق وتلقيها من القاعدة هو الإستعمال الصحيح للاعلام الإجتماعي الذي ما زال العديد من الأنظمة العربية يفشل في ممارسته.
هذا النجاح في استغلال الإعلام الاجتماعي من قبل داعش أذهل العديد من الجهات المختصة والدول، بل جعل بعض المتابعين والمحللين يعبرون عن شكوكهم في وجود مؤامرة كبرى تدبرها جهات متنفذة، ففي حين لجأت الحكومة العراقية لقطع الانترنت عن مناطق كاملة في العراق او حجب مواقع التواصل والإعلام الإجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر بسبب عجزها عن مواجهة نشاط داعش ومؤيديه عبر هذا الفضاء، قامت الحكومة البريطانية بحظر التنظيم قانونيا في بريطانيا لإدراكها لقدرته ونجاحه في استقطاب مواطنين بريطانيين لصفوفه من خلال شبكات التواصل والاعلام الاجتماعي الذي اصبح يشكل خطراً أمنيا داخليا .
الشركات التي تدير شبكات التواصل والإعلام الاجتماعي نفسها، وأمام انتقادات واسعة من الجمهور والجهات الحكومية وخوفا من ان ينظر اليها على انها مرتع للإرهاب بدأت تعلن عن قلقها وتحاول القيام بإحراءات معاكسة. شركة فيسبوك أعلنت عن قلقها من نشاط الجهاديين المتواجدين على شبكة التواصل الاجتماعي (فيسبوك) التابعه لها، في حين قام تويتر بحذف العديد من الحسابات التي تغرد بإسم داعش وأعلن المتحدث باسم شركة غوغل عن إجراء تحقيق واسع حول كيفية قيام داعش باستغلال غوغل بلاي Google play لبيع تطبيق رسمي ينشر اخبار التنظيم The Dawn of Glad اولاً بأول مستغلاً حسابات تويتر لمستخدميه لارسال اكثر من 40000 تغريدة نيابة عن التنظيم دون معرفتهم خلال يوم واحد إبان الهجوم على الموصل.
* خبير إنترنت وإعلام إجتماعي

إياد بركات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية