«داعش» هو مظهر إحيائي للجين القاتل في «الوهابية» و«حركة الإخوان السعودية» وهدفه السيطرة على شبه الجزيرة العربية

حجم الخط
5

لندن ـ «القدس العربي»: في تحليله للجذور التاريخية للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) كتب عميل المخابرات البريطاني (أم أي 6) السابق أليستر كروك بحثا نشره موقع «هافينغتون بوست» على حلقتين.
وجاء في الدراسة أن تنظيم داعش هو «قنبلة موقوتة» زرعت في قلب الشرق الأوسط، ولكن المشكلة أن قوتها التدميرية لم يتم التعرف عليها أو فهمها بالطريقة المناسبة بعد.
ولا تكمن خطورة التنظيم في «استعراضات قطع الرؤوس» والقتل ولا السيطرة على البلدات والقرى، وتنفيذ العدالة بقسوة، وهذا صحيح ويعبر عن قدرته التفجيرية مثلما يعبر عن قوته المالية وجذبه للشبان المسلمين عبر ثروته التي تقدر بملايين الدولارات.
لكن الخطر الذي يمثله داعش كامن في مكان آخر، وهو السعودية وانهيار المملكة كحجر أساس في الشرق الأوسط، «وعلينا فهم أن الغرب لا يمكنه فعل أي شيء إلا المراقبة والإنتظار»، كما يقول.

كامنة في الفكر الوهابي

ويرى كروك – الذي يترأس مركزا لحل النزاعات في العاصمة اللبنانية بيروت – أن تفكير ورؤية داعش متجذرة في الفكر الوهابي، وينقل ما كتبه الباحث السعودي فؤاد إبراهيم عن رؤية واستخدام داعش المقصود للغة محمد بن عبد الوهاب وتركيزه على أهمية التوحيد. وبدا هذا الإستخدام واضحا في كلام أبو عمر البغدادي، أمير المؤمنين للدولة الإسلامية في العراق، والتي سبقت ولادة تنظيم داعش، ففي تنظيره لقواعد دولته أكد على أهمية نشر التوحيد الخالص.
ولا يستغرب والحالة هذه انتشار الأدبيات السلفية في المناطق التي تقع تحت سيطرة تنظيم داعش اليوم، وتعتبر أساسا في حلقات الدرس والنقاش الديني.
وأكد أبو عمر البغدادي على أهمية تدريب جيل من الشبان على أساس عقيدة «الولاء والبراء»، التي تؤسس للإيمان الصحيح وتحدد العلاقة مع الله فقط دون غيره.
ويشير كروك إلى أن استخدام داعش للغة ومصطلحات إبن عبد الوهاب يهدف لاشعال فتيل انفجار إقليمي أكبر، انفجار ممكن ولو نجح فسيؤدي لتغيير الشرق الأوسط كله. ويقول كروك «كان هذا بالضبط النموذج المثالي الطهوري والتبشيري للوهابية «أب» المشروع السعودي بشكل كامل، والذي قمعه العثمانيون بعنف في عام 1818 ولكنه انبعث بقوة في العشرينات من القرن الماضي ليصبح المملكة العربية السعودية التي نعرفها، وحمل المشروع السعودي في داخله «الجين» الذي يدمره.

سرد تاريخي

ومن أجل فهم طبيعة هذا الجين يكتب كروك عن ولادة الدولة السعودية الحديثة والدور الذي لعبه هاري سانت جون فيليبي (والد عميل أم أي – 6 الذي تجسس لصالح موسكو، كيم فيلبي) ويرى كروك أن فيلبي أسهم في «تجسيد هذا الجين وتحويله إلى دولة جديدة»، فقد كان هذا المسؤول البريطاني مرافقا للملك عبدالعزيز بن سعود، وأصبح مستشارا له بعد استقالته من عمله مع الحكومة البريطانية، وظل حتى وفاته رمزا مهما في بلاط الحكام السعوديين. ومثل لورنس العرب كان «مستعربا» واعتنق الإسلام وأصبح يعرف باسم شيخ عبدالله فيلبي.
ويضيف أن فيلبي كان مصمما على مساعدة عبدالعزيز للوصول للحكم، وفي بعض الأحيان خالف التعليمات الرسمية، عندما شجع إبن سعود لتوسيع حكمه حتى شمال نجد. لكن وكما لاحظ الباحث الأمريكي ستيفن شوارتز كان أن سعود وفيلبي واعيان للوعود البريطانية بإنشاء دولة للعرب على أنقاض الدولة العثمانية، ولهذا السبب كانا مصرين على الفوز بالحكم الجديد.
ويعلق كروك أن طبيعة ما جرى بين فيلبي وإبن سعود ظلت مجهولة، لكن الهدف لم يكن بالضرورة بناء دولة بالمعنى الحديث، بل دولة تجعل من كل الأمة وسيلة في يد الوهابية وتعزز من وضع الحكام السعوديين، وحتى يحدث سيناريو كهذا كان على ابن سعود الحصول على دعم البريطانيين.
وبناء على هذا التحليل، الذي يقدمه كروك فعلى ما يبدو أن فيلبي «العراب – الأب الروحي» للمشروع الذي أعطى السعوديين القدرة على «إدارة» الإسلام السني نيابة عن الأهداف الغربية (من ناحية التصدي للناصرية والبعثية والتأثير السوفييتي والنفوذ الإيراني…)، وفي المقابل يقبل الغرب بالقوة الناعمة للوهابية التي تقوم عليها الدولة.
ونتيجة لهذا لا تزال السياسة البريطانية والأمريكية مرتبطة بالأهداف السعودية، وتعتمدان بشكل كبير على المملكة لتحديد مسار السياسة في الشرق الأوسط.
وهنا يرى أن استراتيجية إبن سعود – فيلبي كانت ناجحة بشكل مذهل، مع أن هذه الإستراتيجية كانت متجذرة في الفهم البريطاني – الأمريكي الغامض والذي رفض النظر للجين الخطير الكامن في المشروع الوهابي والقادر على التحول في أي وقت والعودة إلى أصوله الطهورية، وهذا ما حصل مع «داعش».

تناقضات

ويقول كروك إن موافقة الغرب على المشروع السعودي اقتضت تحولا في طبيعته من مشروع عسكري لدولة، ومع ذلك لم يكن التحول سهلا، نظرا للتناقضات التي يحملها المشروع مع فكرة الحداثة، وما جرى هو أن «الجين» أصبح أكثر نشاطا مع تقدم عمليات التحديث بدلا من ضموره.
فقد وجد إبن سعود نفسه أمام تمرد من عناصر في حركة الإخوان السعودية، التي أخذت عليه استخدامه التكنولوجيا الحديثة، وعندما حاول أيضا وقف طموحات الإخوان الجهادية بعد وصولهم للمناطق الواقعة تحت سيطرة البريطانيين اتهم بالتخلي عن الجهاد.
وفي النهاية اضطر إبن سعود لمواجهة الإخوان عام 1929 ومن بقي منهم تم دمجه لاحقا في الحرس الوطني.
ويتحدث الكاتب هنا عن التحديات التي واجهها الملك سعود نجل الملك عبد العزيز الذي واجه تحديا من المؤسسة الدينية التي خلعته عن العرش بسبب طريقة حياته الباذخة ثم قتل خلفه الملك فيصل من أحد أقاربه.

جهيمان واحتلال الحرم

ويرى في احتلال الحرم الذي قامت به جماعة جهيمان العتيبي عام 1979 واحدا من التحديات التي واجهتها الدولة السعودية، فمع أن العتيبي لقي في البداية دعما من الشيخ بن باز مفتي المملكة، إلا أن الأخير اخذ عليه شجبه للعائلة السعودية وأنها فقدت شرعيتها واتهامه لها بالفساد.
وتنتمي رسالة جهيمان بالضرورة للأفكار التي حملها الإخوان الأوائل ممن قاتلهم الملك المؤسس، وعليه فعندما اعتقلوا عام 1978 وفحصت أفكارهم لجنة من العلماء، أمرت بإطلاق سراحهم بعد أن وجدت أنها تقليدية ولا تمثل والحالة هذه تهديدا على البلد.
وحتى عندما احتلت الجماعة الحرم ظل العلماء يتسمون بالحلم تجاهها، وجاءت الفتوى التي طلبتها الدولة منهم تبيح استخدام القوة في الحرم لتحريره من أيديهم، جاءت متحفظة من ناحية اللغة كما يقول، فلم يخرج العلماء مثلا جهيمان وأتباعه من الملة المسلمة، رغم انتهاكهم لحرمة المسجد واستخدامهم السلاح.
ولم تستطع الدولة إخراجهم من الحرم إلا بعد أسابيع نظرا لوفرة السلاح الذي كانوا يملكونه وهربوه لداخله، وللقدرات القتالية التي أبدوها لأن بعضهم عمل في الجيش أو الحرس الوطني.

قلق من «داعش»

يقصد الكاتب هنا من استعادة التاريخ السابق، لأنه يرى في صعود داعش مظهرا إحيائيا لفكر الإخوان، الذي ظل يظهر داخل المملكة عبر مراحل معينة، لكنه لم يظهر في خارجها. وهذا يفسر القلق الذي يشوب الحكام السعوديين من صعود التنظيم في سوريا والعراق. فداعش هو في سياق هذا التحليل يمثل «الإخوانية المحدثة» وجماعة رافضة للحكم السعودي تعمل في الخارج، وتتبع الإخوان في نقدهم للعائلة الحاكمة.
فما نراه اليوم هو انقسام بين التيار الحداثي، الذي يمثله الملك عبدالله، وذلك الذي يؤطر أفكار جهيمان ممثلا بأسامة بن لادن والداعمين السعوديين لداعش والمؤسسة الدينية الرسمية.
ويبدو خطر داعش في استطلاع نظمه موقع من مواقع التواصل الإجتماعي، وأظهر أن نسبة 94 % من المشاركين السعوديين يرون في داعش تنظيما مسلما ويتوافق مع الشريعة الإسلامية.
ويرى الكاتب في الوقت نفسه أن الإصلاحات التي أجراها الملك الحالي وتقييده من تأثير المؤسسات الدينية وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ المطاوعة – تجعل المملكة عرضة للخطر، كما أن فتحه المجال أمام العمل بالمذاهب الفقهية الأربعة، بالإضافة للمذهب الجعفري في مناطق الشيعة يفتح الباب أمام النقد باعتباره خروجا عن التقاليد الوهابية أو باعتباره شكلا آخر من أشكال التغريب.
وكل هذا يرفضه داعش، والسؤال هنا إن قاد نجاح التنظيم السريع وإحياء الفكر الطلائعي الذي مثله الإخوان في الماضي لتفعيل «جين» المعارضة من جديد في داخل المملكة، وفي حالة حدث هذا وغمر التأثير الداعشي السعودية فلن تعود منطقة الخليج إلى سابق عهدها، وسيعاد تشكيل السعودية ولن يتم التعرف على الشرق الأوسط.
و»بالمجمل فهذه هي طبيعة «القنبلة الموقوتة» التي رميت في الهواء في منطقة الشرق الأوسط. فإحالات داعش لعبد الوهاب ولجهيمان تمثل استفزازا: فأتباعه يحملون مرآة للمجتمع السعودي يبدو أنها تعكس لهم صورة عن الطهارة المفقودة والإيمان المفقود واليقينيات التي حلت محلها مظاهر الثروة والإنغماس».
و»هذه هي القنبلة التي رميت على المجتمع السعودي. فرغم شعبية الإصلاحات وقدرة الملك على احتواء تمرد إخواني جديد، إلا أن السؤال هو، ماذا سيحدث بعد وفاته؟».

مشكلة

هنا تكمن المشكلة، فبتطور السياسة الأمريكية التي تقوم على القيادة من الخلف والنظر للدول والمجتمعات السنية من أجل تنسيق القتال ضد داعش (كما في مجالس الصحوات) فهناك من سيجد فيها استراتيجية غير واقعية لأنه لا يريد أن يدخل نفسه في قلب الخلافات السعودية.
والسؤال، هل ستؤدي هجمات سنية منسقة على داعش لتحسين وضع الملك عبدالله أم أنها ستؤدي لإشعال غضب المعارضة السعودية أكثر، وهنا يجدر بنا التساؤل من هم أعداء داعش، الغرب؟ أم العائلة السعودية؟
ويجيب «تاريخ إخوان السعودية واضح: فكما فعل إبن سعود وإبن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر، وفعل الإخوان السعوديون في القرن العشرين، فهدف داعش الحقيقي سيكون الحجاز والسيطرة على مكة والمدينة، وبالتالي الشرعية التي ستضفيها عليهم كأمراء جدد على شبه الجزيرة العربية».

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية