من الصعب، هذه الأيام، العثور على كتاب أو مرجع عن المملكة العربية السعودية ودورها في العالم في السنوات الأخيرة يسعى لتناول هذا الامر بموضوعية مع التركيز على الوقائع التاريخية وعلى التطورات الاجتماعية بدلاً من اتخاذ المواقف السياسية الحادة والمنحازة إلى حدٍ ما إلى جهة أو أخرى.
ومن الممكن القول ان كتاب «الإسلام في السعودية» لكاتبه ديفيد كومينز، استاذ التاريخ في جامعة ديكنسون في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، حاول تجاوز الإنحياز، ولكن من دون تجنب النقد البنّاء عندما تدعو الحاجة لذلك، في كتابه: «الإسلام في السعودية».
ولعل أول ما يشير إلى هذا التوجه عرض كومينز لدور الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز في تحقيق الإصلاحات السياسية والاجتماعية في المملكة في ستينيات القرن الماضي وحتى اغتياله في منتصف سبعينيات ذلك القرن.
فقد ورد في الفصل الثالث من الكتاب وعنوانه «الوهابية والدولة الحديثة» أن الأميرة عِفّت زوجة الأمير فيصل بن عبد العزيز رَفعَت صوتها عالياً وبذلت مجهوداً كبيراً لاقناع الأوساط الملكية السعودية آنذاك بضرورة تعليم الإناث. وعندما قرر ولي العهد فيصل (زوجها) انشاء المدارس الحكومية العامة للإناث، بعد عام 1956، واجه معارضة كبيرة من الجهات الدينية المتشددة المرتبطة بتعاليم الوهابية. وتواجه فيصل مع هذه الجهات بقوة طالبا منها اطلاعه على أي نص في القرآن الكريم يمنع تعليم الإناث. وتوصل الجانبان إلى حل وسط تم بنتيجته انشاء هذه المدارس عام 1959 ولكن تحت مراقبة هيئة حكومية هي الرئاسة العامة لتعليم الإناث التي ترأسها مسؤول المنظومة الوهابية التوجه في المملكة آنذاك الشيخ محمد ابن ابراهيم آل الشيخ الذي أعطي الحق في اختيار المعلمات في هذه المدارس والتعمق في الكشف عن خلفياتهن الدينية وتوجهاتهن عموماً.
ويؤكد الكاتب ان إنشاء مدارس للإناث في السعودية حقق تأثيراً إيجابياً على الصعيدين الاجتماعي والثقافي وخصوصا في منطقة نجد، حيث ان الفتيات أصبحن يتوجهن إلى المدرسة يوميا بدلاً من قضاء معظم أوقاتهن في المنزل وبالتالي توسع أفق علاقاتهن الاجتماعية. وبحلول عام 1965، أصبح أكثر من خمسين ألف فتاة مسجلات في المدارس السعودية، وبعد ذلك بعشر سنوات ارتفع هذا الرقم إلى ثلاثمئة ألف فتاة وإلى ضعف هذا العدد في الثمانينيات.
بيد ان الكاتب يشير إلى ان المؤسسة الوهابية المشرفة على تعليم الفتيات ركزت على تعليم الدين في قالبه الوهابي الإسلامي على حساب تدريس العلوم العامة والحسابية.
وفي هذا المجال، يشير المؤلف إلى ان الحاجة لتعليم العلوم الطبيعية والكيميائية والحسابية للذكور خصوصا دفعت السعودية إلى استقدام اساتذة من مصر وسوريا والأردن لهذا الهدف. وبعض من هؤلاء تركوا بلدانهم لأسباب سياسية إذ ان كثيرين منهم أنتموا إلى «حركة الإخوان المسلمين» المناهضة للأنظمة العسكرية التي انتشرت في مصر وسوريا والعراق في فترتي الخمسينيات والستينيات (وحتى بعد ذلك) وقمعتهم آنذاك سلطات بلدانهم. وهذا الانتماء لم يقلق قيادات السعودية في تلك الحقبة.
ومن بين هؤلاء الأساتذة أشخاص وصلوا إلى مناصب في إدارة التعليم السعودي اتاحت لهم إدراج بعض معتقداتهم الدينية والسياسية في برامج التدريس السعودية.
وبالتالي، اندمجت هذه التعاليم مع بعض مبادئ الإسلام الوهابي التي كانت موجودة في هذه البرامج. وبين هذه الأمور التي تواجدت في الكتب المدرسية السعودية، حسب المؤلف، تخليد شخصية مؤسس الفكرة الوهابي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإشارات إلى صواب رفض منهجه المتشدد لتعاليم وممارسات مَنْ أطلق عليهم ألقاب «الكفار» كزيارات قبور المرجعيات الدينية وتضخيم أدوار الرموز والشعائر والمبالغة في الاحتفال بأعياد دينية قد تؤدي إلى «تأليه» البشر وحتى لو كانوا أنبياء.
كما ان بعض هذه الكتب المدرسية، حسب ما أشار إليه الكاتب دعت إلى معاقبة بعض هؤلاء الكفار بالقتل وتنفيذ الإعدام بحقهم.
أما تعاليم الإخوان المسلمين، فلم تذهب إلى هذا الحد، بل ركزت على مواجهة ومكافحة الايديولوجيات غير الإسلامية التي أتى بها المستعمرون والمبشرون الأجانب وعلى رفض تعاليم الصهيونية المناهضة للإسلام والساعية إلى احتلال أراضيه. ولكن الوهابية وفكر الإخوان اتفقا (حسب الكتاب) في عدائهما للعلمانية والشيوعية والقومية العربية المتعارضة مع الإسلام.
القسم شديد الأهمية في الكتاب والذي يُظهر موضوعية توجهه وَرَدَ في الفصل السابع حيث يوضح المؤلف أن قادة السعودية، في منتصف وأواخر القرن الماضي وفي جزء من مطلع هذا القرن اختاروا الاستمرار في التوجه المتشدد دينياً لمواجهة بعض العقائد «المتطرفة» التي اعتنقها خصومهم السياسيون في الشرق الأوسط وآسيا، أي ان خيار التشدد إعتمدوه عندما كان مفيداً للدولة السعودية في سياستها الخارجية في الشرق الأوسط وآسيا والعالم في مواجهة الخصوم.
فعندما غزا الاتحاد السوفييتي السابق أفغانستان في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي أو عندما تفاقم النزاع السعودي ـ المصري في اليمن في أواخر الستينيات، أو عندما نجحت الثورة الخمينية في إيران عام 1979، كان لا بد حسب تحليلهم من تعزيز عقيدة في استطاعتها مواجهة مشاريع الاتحاد السوفييتي والناصرية والبعثية في مصر والعراق وسوريا وفي آسيا عموما بفاعلية، وإحباط خطط الجمهورية الإيرانية الإسلامية للتوسع في المنطقة. فاختار الملك فيصل دعم «حركة الإخوان المسلمين» وتحالف مع الحركات الإسلامية في افغانستان، وتبعه في هذا التوجه مَنْ خلفه من القادة السعوديين الذين تسلموا المناصب الرئيسية في الدولة. وربما لم يفعل فيصل ذلك لأسباب دينية حصراً بل لدوافع سياسية، وخصوصاً ان الكاتب يشير إلى ان فيصل بن عبد العزيز كان مؤمناً وملتزماً الدفاع عن القضية الفلسطينية وساعياً لتطور وإصلاح المجتمع السعودي سياسياً واقتصادياً واجتماعيا، وانه دفع حياته ثمناً لهذا الإيمان إذ اغتاله شقيق أمير كان قد قُتل لدى مشاركته في تظاهرة ضد التلفزيون الفضائي في السعودية بدعم من فيصل. وقال القاتل انه فعل ذلك انتقاماً من عمه ولكن المحرضين على الاغتيال ربما كانوا يسعون لإزاحة الملك فيصل من الساحة بسبب قطعه البترول عن أمريكا والغرب نتيجة لمواقفهم المناهضة للعرب والفلسطينيين في حرب 1973.
وفي الصفحتين 162 و163 من الكتاب (الأهم في توضيح هذا الأمر) يقول المؤلف: «في مطلع الستينيات من القرن الماضي وعندما رأى أبناء الملك عبد العزيز ان الدين ممكن استخدامه في سياسة السعودية الخارجية للدفاع عن المملكة ضد الشيوعية والقومية العربية الملحدة والمعادية لدولتهم، وفي منافسة قوية لشعبية الرئيس المصري جمال عبد الناصر وانتشار حزب البعث في المنطقة، أنشأ ولي العهد الأمير فيصل بن العزيز (الأقوى في القيادة) تحالفاً مستنداً بشكل رئيسي على الإسلام كمبدأ مشترك. وهذا التحالف لم يكن فقط مع ملوك وأمراء منطقة الخليج، بل مع «الإخوان المسلمين» الذين كثرت أعدادهم في السعودية آنذاك. وهذا التوجه كان مناسباً سياسياً لفترة الحرب الباردة. وكانت واجِهتُه (رابطة العالم الإسلامي) التي أنشئت عام 1962 في مكة، والتي أصبح لها مكاتب في شتى أنحاء العالم الإسلامي لاستقطاب الرأي العام الإسلامي لتوجهات هذا التحالف ولتقديم الدعم المالي والطبي والإنساني والتعليمي عندما تتواجد الحاجة في العالم الإسلامي لذلك».
وفي الفصل الأول من الكتاب، يقول كومينز، ان جلوس الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز على العرش السعودي، بعد وفاة شقيقه الملك عبد الله بن عبد العزيز في كانون الثاني/يناير عام 2015، لن يغير التحالف القائم بين العائلة السعودية الحاكمة والإسلامي «البيوريتاني» الوهابي المتشدد. فالعائلة السعودية دعمت المؤسسة الدينية فيها لمئتي عام وهذا الدعم سيستمر. كما ان الثروة النفطية في السعودية تؤهل العائلة الحاكمة للاستمرار في نشر توجهاتها السياسية والفكرية ولدعم مؤسساتها في العالم الإسلامي.
ويتطرق كومينز في الفصل الثامن (الختامي) من كتابه إلى دور قادة السعودية من أمراء الجيل الثالث الذين يعاونون الملك سلمان في قيادة البلد حالياً في مناصب رفيعة، ويتناول توجهاتهم المتوقعة في المستقبل وما إذا كانت ستحدث تغييرات ما في النظام السعودي في السنوات المقبلة وفي أي مجالات.
ويقول المؤلف ان ولي العهد الأمير محمد بن نايف لعب دوراً هاماً في مواجهة «منظمة القاعدة في الجزيرة العربية» خلال عشر سنوات كنائب لوالده الأمير الراحل نايف في وزارة الداخلية. وكان الأمير محمد بن نايف تدرب على مكافحة الإرهاب مع شرطة «إف. بي. آي» في أمريكا و»سكوتلانديارد» في بريطانيا، وخصوصاً في مجال إعادة تأهيل ممارسي الإرهاب بعد توبتهم، كما تخصص علميا في جامعات أمريكا.
أما الأمير محمد بن سلمان، الذي عينه والده ولياً لولي العهد، فيقول المؤلف أنه واحد من الأمراء السعوديين القليلين الذين لم يدرسوا في معاهد الغرب وأن خبرته السياسية والحكومية تعود إلى إدارة شؤون ديوان والده ودعم علاقات والده عموما، علماً بأنه عين وزيراً للدفاع إلى جانب منصبه في ولاية العهد.
والخلاصة، حسب الكتاب، برغم عدم توقع تبديلات في السياسات الدينية في السعودية، فان مواكبة المملكة الانفتاح العالمي على حضارة الانترنت والتلفزيون العالمي الفضائي وتطور المستوى التعليمي في الجامعات والمدارس السعودية وإطلاع أمراء الجيل الثالث على التقدم العلمي والتكنولوجي في العالم عن طريق تفاعل معظمهم مع جذورهم ومع الحضارة العالمية لا بد وأن يفعل فعله في التقدم والتطور الاجتماعي في السعودية، إذا سمحت التطورات والأحداث السياسية «السلبية» والحروب والنزاعات الطائفية في المنطقة بذلك.
David Commins: Islam In Saudi Arabia
I.B.Tauris, London 2015
214 pages.
سمير ناصيف