بدا لي المشهد غريبا نوعا ما.. داوود في «شريانه» الجديد على «أم بي سي» يحاول جاهدا استنطاق نجمة في عمر أولاده هي ليلى علوي لكي تنجح حلقته، التي انتهت بهدية خاصة للضيفة هي عبارة عن «حمار معدني» لا تربطه في رأيي أي صلة بالحمير الحقيقية وأقرب لحيوان في بلادنا نطلق عليه إسم «الحصيني» وهو من عائلة الثعالب .
ما علينا بالنسبة للزميل المخضرم داوود الشريان يمكن أن تتشابه الحمير مع الحصينيات.
الأهم هو الصعوبة الواضحة عند الزميل وهو يستنسخ أسئلة فنية بدت مناسبة أكثر لوفاء الكيلاني وليس للشريان، فقد أحصيت على الأقل في عشر دقائق شاهدت فيها برنامج الشريان خمسة «تصحيحات» قدمتها ليلى علوي لصيغة الأسئلة التي قدمها المضيف .
زميلنا المختص في كشف مستور عيوب الإدارة السعودية بدا مرتبكا وهو يحاول تدشين حوار مقنع مع النجمة، التي تنتمي لعالم مختلف تماما عن عالمه… في النتيجة لم يكن الحوار مقنعا وحتى الضيفة كانت تحتار أحيانا ماذا ستقول وتبينت صعوبة الاسترسال في كشف عيوب الإدارة السعودية عبر ليلى علوي .
في الأحوال كلها فكرة برنامج الشريان كان يمكن أن تكون مهمة لو إقتصرت على السياسيين، ويبدو واضحا لي كمستمع أن عمي داوود لا يصلح لبرامج المنوعات وتناسبه أكثر تلك الحواريات العنيفة التي يبدو ممسكا تماما بكل تفاصيلها .
سميرة توفيق وصورة الملك حسين
الشريان وفي حلقة أخرى لقن تلفزيون الأردن الحكومي درسا لن ننساه نحن الأردنيين عندما إستضاف نجمة الزمن الغابر سميرة توفيق التي ترقرت عيناها وهي تقبل صورة للملك الراحل حسين بن طلال وتعترف لرجال الأردن بالفضل عليها في إنطلاقتها الفنية كمغنية لا تنافس بإسم البادية .
كانت شاشتنا الوطنية اليتيمة أجدر بتذكر سميرة توفيق واستضافتها بدلا من إستضافة مطربين مساطيل واستعمال كل تقنيات الصوت في الكرة الأرضية لتعذيبنا بهم على أساس أنهم نجوم .
تبين لي أن أحدهم إستضاف إبن خالته ثلاث مرات على الأقل على أساس أنه ظاهرة فنية فيما لا يجد من يحبون الأردن من النجوم العرب من يصافحهم في أي مناسبة.. بالمناسبة تراثيات سميرة توفيق تعيش عليها أجيال في الموسيقى الأردنية منذ 40 عاما لكن داوود الشريان هنا سبق نحو المهنية .
رصاص وجريمة
فضائية «الجزيرة» وبعدها «العربية»، وهما تهتمان بمظاهر العنف الإجتماعي الأخيرة في مدينة الزرقاء الأردنية لا يمكنهما ذكر التفاصيل الموجعة، حيث أحد الأشقياء الصغار يستل سلاحه «البمب أكشن» ويفرغ رصاصة في جسد رجل من عمر والده إعترض طريقه بعد مشاجرة بين فتية صغار .
المغدور – رحمه الله- خطف قلوب الأردنيين بعدما علموا بأنه خارج نطاق المشكلة .
يظهر السلاح في أي مناسبة في بلادي للأسف والرصاص الذي منع في الأفراح يستقر في رؤوس الأبرياء عند أول مشاجرة أو خلاف .
عصبية المواطن الأردني وميله لإستعمال السلاح لم يعد لهما حدود وأصبح مقلقا ويحتاج لتحليل نفسي معمق.. رغم ذلك يخرج علينا موظف واجبه التشريع ليقترح بقاء السلاح الفردي بيد المواطنين على أساس أنا في جبال سويسرا المثلجة والسلاح الفردي سيستعمل فقط لإبعاد الدببة!
«سيدنا أبو حسين»
الحكمة تغادر مايكروفون التلفزيون الأردني مجددا.. شخصيا لا أعتقد ولا في أي حال أن الملك ومن بعده القصر الملكي في حاجة لعبارة تم تلقينها لطفل بريء من وزن «والدي الشهيد قدم روحه فداء للوطن ولـ «سيدنا أبو حسين».
«أبو حسين» – واقصد جلالة الملك – بريء من جانبي من هذا التلقين البائس لطفل لا يزيد عن الخامسة من عمره سقط والده للتو شهيدا فيما سمي بعملية الإرهاب في البقعة.
لا أعرف ما الذي تضيفه عبارة من هذا النوع لم تصدر أصلا عن وعي الطفل نفسه، وتم تلقينها له أمام الكاميرا وبصوت مسموع في فضيحة تلفزيونية بإمتياز.
من شاهد نظرات الملك الغاضبة وهو يعزي في الشهداء وقبل ذلك وهو يندفع متجاهلا كل البروتوكولات ويشارك في جمع التراب ببزته العسكرية فوق جسد الشهيد راشد الزيود أمام الجموع يعرف تماما أن وصلة الطفل البريء «تسحيجية ونفاقية « وسقيمة بامتياز ولا يمكنها أن تضيف أو تعني شيئا عندما يتعلق الأمر بالولاء والإنتماء.
لا يسيء للنظام في الأردن أكثر من هؤلاء المسترسلون في وصلات غير مهنية لا ترقى للحدث ولا لمستوى الوطن أو القيادة.
جرح طفولة نجل الشهيد مشهد لا حاجة له… كذلك استفزاز الإنسانية والأردنيين وبث مقابلة مع والد الإرهابي القتيل المصاب بدوره كبقية الأردنيين، والذي يتوجب عليه الآن أكثر بكثير من إعلان البراءة من ولده وجريمته، فثمة واجب إجتماعي وعشائري يعرفه الجميع ولا أعرف شخصيا أي رسالة مهنية أو وطنية يمكن أن تنتج عن ظهوره على شاشة التلفزيون ولأي سبب.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين