في الثلاثين من آذار/مارس الماضي، في يوم الأرض، سجل الشارع الفلسطيني في غزة موقفاً مفصلياً انسجم مع الشارع الفلسطيني في الضفة الذي يعيش مواجهات عند نقاط التماس مع الجيش الإسرائيلي ومستوطنيه، وإن كانت مواجهات متفرقة وأقل عددا وضحايا ممن استشهدوا في غزة لكنها مواجهات تصب في الأسلوب النضالي الشعبي ذاته الذي يراه كثيرون في الشارع الفلسطيني خياراً للخروج من الواقع السياسي الحالي وما قد يفرض عليهم من حل منذ اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس المحتلة عاصمةً لإسرائيل والذي واجهه الرئيس محمود عباس، رغم الضغوطات، برفضٍ قاطعٍ إلى جانب رفض أي صفقة سياسية هزيلة مقبلة، موقف نال تقديرا فلسطينيا وإن كان الحال السياسي اليوم هو نتاج كيفية إدارة السلطة الفلسطينية لنهج المفاوضات طيلة السنوات الماضية.
وتدعو السلطة الفلسطينية اليوم لتفعيل نهج المقاومة السلمية لكنها لا تراه نهجها الرئيسي الضاغط، بل نهج التحرك الدبلوماسي والقانوني الذي تواصل السعي فيه منذ سنوات وما زالت حتى بعد المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي عند حدود غزة ضد المواطنين الفلسطينيين العزل.
الجمعة الماضية خرج الرئيس الفلسطيني بخطابه ليلا بعد يوم غزة الدامي، ندد بجريمة إسرائيل ضد الفلسطينيين، كما كرر مطلبه بالحماية الدولية وبقرار عملي من مجلس الأمن الدولي، وهو مطلب هام جددته الحكومة الفلسطينية ولا يختلف عليه أحد في الساحة الفلسطينية وإن كان أُفشل كما متوقع من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. الحراك الدبلوماسي الذي تقوم به وزارة الخارجية الفلسطينية والسفراء مهم أيضاً، آخره التواصل مع الهيئات الدولية والمنظمات الإنسانية والحقوقية كالمحكمة الجنائية الدولية، وأيضاً مجلس التعاون الإسلامي. المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة السفير د. رياض منصور أرسل ثلاث رسائل إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن لهذا الشهر (البيرو)، ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة مناشداً اتخاذ التدابير الممكنة والعاجلة لتوفير الحماية الفورية للسكان الفلسطينيين المدنيين وخصوصاً في قطاع غزة والتحذير من استمرار جرائم إسرائيل التي تتواصل في غزة والضفة ضد المتظاهرين الفلسطينيين على الحواجز العسكرية، والمستوطنين المسلحين في القدس في ساحات المسجد الأقصى والبلدة القديمة، وفي الضفة على رؤوس التلال وبين القرى والمدن الفلسطينية.
تؤمن السلطة الفلسطينية بنهجها هذا للتصدي للاحتلال الإسرائيلي بمختلف سياساته، لكن فعليا على الأرض هذا النهج لم يخلق تغييراً جديا سوى تصريحات داعمة للموقف الفلسطيني، والفلسطينيون المراقبون لحالهم على الأرض لا يجدون إلا مزيداً من سيطرة إسرائيل على الأراضي وحصار الضفة وغزة والقوانين العنصرية في الكنيست الإسرائيلي وصولاً لما ارتكبته على السياج الحدودي المطوق لغزة.
الإشكالية في نهج السلطة الفلسطينية أنه لم يعد يُتخذ بآلية متعددة وشاملة، والمراقب للمشهد يدرك جيدا أن هناك تفرداً في القرار السياسي من قبل رأس السلطة وجزء من حركة فتح، والمعارضة المنضوية تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية غائبة ولا ثقل لها، كالجبهة الشعبية، والديمقراطية وحزب الشعب الفلسطيني. وهذا التحالف بين رأس المال والسلطة والأمن في الضفة يجعل الشارع الفلسطيني أسيراً للراتب والوظيفة وسط خيبة أمل كبيرة لما وصل إليه الحال الفلسطيني بكافة مستوياته الاجتماعي، السياسي والاقتصادي والقانوني. اتفاق أوسلو بكل تفاصيله عمليا فكك كثيرا من بنية وهوية المجتمع الفلسطيني وثقته بقدرته على التغيير من خلال خيار المقاومة.
كثيرون في الساحة الفلسطينية يطالبون بمواقف ترتقي لتضحيات الناس كوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل وهو أحد القنوات المفتوحة المتبقية من اتفاق أوسلو الذي أنهته إسرائيل، تنسيق يقدم خدمة كبيرة لإسرائيل من خلال المعلومات الهائلة التي تضخها أجهزة الأمن الفلسطينية للجانب الإسرائيلي ما يجعل الاحتلال كما يقول كثير من المراقبين احتلالاً بلا كُلفة، وهذا أحد الأمور التي تقلق الشارع الفلسطيني كلما فكر بتفعيل نهجه الشعبي المقاوم.
وقف التنسيق الأمني قرارٌ كان اتخذه المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 2015 ولم ينفذ من قبل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وتم تجديد القرار في دورة المجلس الأخيرة في رام الله، كانون الثاني/ يناير الماضي ولم ينفذ حتى اليوم. آخرون يطالبون أيضاً بعدم الاكتفاء بتوجيه توصيات ورسائل للمحكمة الجنائية الدولية للنظر بجرائم إسرائيل، بل تقديم بلاغ رسمي وملف متكامل للمدعي العام للمحكمة لمساءلة ومحاسبة إسرائيل تحديداً في جريمة الاستيطان المستمرة والأسرى وجرائم الحروب والتطهير العرقي في غزة بما يتضمن المجزرة الأخيرة في يوم الأرض. أيضا قيام الحكومة الفلسطينية بمطالبة الدول الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة والتي إسرائيل عضو فيها، بإجبار إسرائيل الالتزام ببنود هذه الاتفاقية أو رفع الغطاء السياسي والقانوني عنها.
يبحث الشارع الفلسطيني عن خيارات مقاومة سلمية، أما ثقل السلطة الفلسطينية فمُنصب في الشأن الدبلوماسي والقانوني لأنه بنظرها الطريق الأسلم للحفاظ على بقائها وجني صلاحياتها وإنهاء حالة الضعف التي تعيشها وما قد يأتي من فرض حل نهائي هزيل، يستثني القدس والحدود واللاجئين ويعزز الاستيطان والانفصال بين غزة والضفة.
وهنا تأتي قضية المصالحة التي وصلت مرة أخرى لذات الطريق المسدود وكرر رئيس الوزراء الفلسطيني
رامي الحمد الله الإثنين «لن نذهب لغزة إلا بتسلم الحكومة كافة مهامها دفعة واحدة» ليؤكد من جديد توقف هذا المسار، فيما التقى الرئيس الفلسطيني الثلاثاء في مقر الرئاسة في مدينة رام الله رئيس المخابرات المصرية اللواء عباس مصطفى كامل الذي نقل بدوره رسالة تهديدية من إسرائيل لحركة حماس حسب مصادر إسرائيلية، كل هذا يأتي بالتزامن مع التحضير لاجتماع المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية نهاية الشهر الحالي، والذي يعد بمثابة الهيئة التشريعية والتمثيلية العليا للفلسطينيين في الداخل والخارج. الدعوات ستوجه قريبا بما في ذلك لحركتي الجهاد الإسلامي وحماس للمشاركة إلى جانب باقي الفصائل الفلسطينية، هذه الفصائل طالبت بتأجيل عقد الاجتماع لعدم جدية التحضيرات له بالإشارة للمضمون والمخرجات التي بنظرهم يجب أن ترتقي لحجم ما وصلت إليه القضية الفلسطينية وحال النظام السياسي الفلسطيني وليس الاكتفاء بعقد اجتماع شكلي بمن سيحضر.
الشارع الفلسطيني لا يبدو بانتظار مفاجآت جدية من المجلس الوطني، ولم يعد مهتما بسماع تفاصيل فشل المصالحة، بات على قناعة ان حركتي فتح وحماس غير معنيتين بالمصالحة وجل عراكهما منصب على ملفات تتعلق بالسلطة، في وقت يستعد الشارع الفلسطيني لتصعيد الفعاليات الشعبية في الضفة وغزة في الذكرى الحادية والسبعين لنكبة فلسطين، مع إعادة حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الواجهة.
شروق أسعد