بين فينة واخرى أحظى بزيارة لمكتب جنرال في الجيش الاسرائيلي. على الحائط تُعلق صورة الايقونة من اوشفيتس: سكة الحديد، الجدار الاحمر لبركناو وفي اعلى الصورة سماء رمادية، ثلاث طائرات اف 15 لسلاح الجو. وأنا أقسم بأن أصمت هذه المرة، لكنني لا استطيع أن اضبط نفسي. ماذا يعني هذا؟ اسأل الجنرال المسكين الذي أراد في نهاية المطاف أن يسألني ماذا أريد، القهوة أو النسكافيه. ونبدأ بنقاش محرج عن الجيش الاسرائيلي، الكارثة ومسافة الرحلة اللافتة لطائرات اف 15. الطائرات حلقت فوق اوشفيتس في أيلول 2003 في الوقت الذي تم فيه في الاسفل إحياء الذكرى بمشاركة قائد سلاح الجو. «هذا عمل صبياني لا داعي له»، قال الباحث في الكارثة، يهودا باوآر. «في المقبرة يبكون، ولا يقومون باستعراض الطيران». الجيش لم يلتفت لذلك: الجنرالات أرادوا صورة انتصار وحصلوا عليها ـ انتصار وهمي. لقد كانت هذه صورة الانتصار الاخير التي قدمها لنا الجيش.
في هيئة الاركان الحالية برئاسة آيزنكوت هناك اشخاص جديون جدا. السيرة العسكرية لمعظمهم لافتة وتشير إلى الشجاعة والاستعداد للتضحية بالنفس، وايضا التفكير الاستراتيجي والقدرة القيادية. الجنرال يئير غولان هو أحد أبرز الضباط في هذا المجتمع المتميز. لديه معرفة واهتمام بالتاريخ. والخطاب الذي ألقاه في ذكرى يوم الكارثة في موقع التخليد في كيبوتس «طل اسحق» في نيسوئا، كان محاولة جدية ولافتة وشجاعة لمواجهة دروس الكارثة.
الجميع، من نتنياهو ومن تحته، وبخوا بعد ذلك الجنرال غولان بسبب المكان والتوقيت. وحسب رأيي المكان والتوقيت كانا صحيحين. المشكلة كانت بالزي العسكري. أنا أفهم لماذا جنرال في الجيش الاسرائيلي يجب أن يلقي كلمة في احتفال لا صلة له بالجيش. على الجيش أن يهتم بالأمن، بالمعنى العميق والواسع. في المجتمع الاسرائيلي لا يوجد أهم من الأمن. إنه يبدأ بالجندي مطلق النار في الخليل وينتهي بالعلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، من الانفاق في غزة وحتى الطعن في مفترق غوش عصيون، من البؤر الاستيطانية الغير قانونية في عيمق شيلا وحتى داعش وإيران. كل ما لدى رئيس الاركان أو نائبه حول هذه الامور هام ويستحق الاهتمام. أما المجتمع الاسرائيلي والقيم الدينية والاخلاقية ودروس الكارثة فيجب تركها للمواطنين.
عندما طلب قائد كتيبة جفعاتي، عوفر فنتر، من جنوده أن يقاتلوا باسم الوصايا اثناء عملية الجرف الصامد، انزعج الكثيرون، فنتر تبلبل. فهو لم يفهم من الذي أرسله للمهمة ومن أين يحصل على الأوامر. إنه لم يكن الوحيد الذي تبلبل. يحتمل أن هيئة الاركان كلها ستشبه فنتر بعد عشر سنوات. يجب اتخاذ الوقاية قبل ذلك.
اذا لم أكن مخطئا فهذه بالضبط هي النظرة التي أراد آيزنكوت فرضها حينما أصبح رئيسا للاركان: على الجيش الاهتمام بالأمن وليس بالمهمات المدنية التي لا صلة لها ببرنامجه اليومي. على الجيش الاسرائيلي أن يكون جيش الجميع وليس جيش الحاخامات المسيحانيين أو حزب البيت اليهودي.
اليمين الاستيطاني يتابع هذه العملية باشتباه. ليس غريبا أننا قفزنا بسبب خطاب غولان. بينيت هاجم من الخلف ومجموعة صحافيي تويتر التابعة لليمين تدافعت من الامام. أحدهم غرد قائلا إن الجنرال يجب أن يكون نائب رئيس الاركان في فيرمخت، ليس أقل من ذلك.
من اجل هذا المغرد وغيره يجب العودة إلى الامور. قال غولان «حسب رأيي، يجب على الكارثة أن تجعلنا نفكر عميقا في طبيعة الانسان، حتى لو كان هذا الانسان نحن. يجب علينا التفكير بمسؤولية القادة وطبيعة المجتمع، وأن نفكر في كيف أننا الآن وهنا نتعامل مع اليتيم والأرملة والذين يشبهونهم.
«اذا كان هناك شيء يخيفني في ذكرى الكارثة فهو رؤية امور حدثت في اوروبا بشكل عام وفي اوروبا بشكل خاص قبل 70 أو 80 أو 90 سنة، تحدث هنا في اوساطنا اليوم في 2016. ليس هناك أسهل وأبسط من كراهية الآخر. لا يوجد أسهل وأبسط من البهيمية».
وقد قام غولان بتفسير اقواله: بوادر عدم القدرة على تقبل الآخر، العنف، التدمير الذاتي، التدهور الاخلاقي، تجاوزات استخدام السلاح والحاق الضرر بطهارة السلاح. «إن فخر الجيش الاسرائيلي يتمحور دائما حول قدرتنا على التحقيق في احداث صعبة، والتحقيق في السلوك الخاطيء بجرأة وتحمل كل المسؤولية، سلبا وايجابا. لم نقم بالتغطية أو بحرف الانظار، ولم نبرر… نحن نؤمن بعدالة طريقنا، لكن ليس كل ما نقوم به صائب.
الضحية الاولى
ذات مرة سألت امنون لبكين شاحك، وهو من افضل رؤساء الاركان في الجيش الاسرائيلي وأكثرهم استقامة، لماذا يستاء إلى هذا الحد. «هذا يعتمد إلى أين أتوجه عندما أخرج من البيت في الصباح. إلى اليمين أو إلى اليسار». شاحك سكن في تلك الفترة في حاضرة رعوت قرب شارع 443. وعندما سافر إلى القدس لاجتماع الحكومة توجه يمينا. وعندما سافر إلى تل ابيب إلى هيئة الاركان، توجه يسارا. إن اللقاء مع السياسيين كان شيئا مزعجا بالنسبة له.
التوتر بين السياسيين والجنرالات يوجد في الدولة منذ يومها الاول. هذه ظاهرة ايجابية وطريقة للكبح المتبادل وضمانة للحفاظ على الديمقراطية. الاخطاء العسكرية الكبيرة حدثت عندما كان رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الاركان يفكرون بشكل مشابه. انظروا إلى اخفاق حرب يوم الغفران، وانظروا إلى المغامرة الفاشلة في لبنان في 1982.
كانت هناك صراعات دراماتيكية بين المستوى السياسي والجيش مثل خروج قادة هيئة الاركان ضد بن غوريون في ذروة حرب الاستقلال، أو تمرد الجنرالات ضد اشكول عشية حرب الايام الستة أو المعارضة الجماعية لرؤساء الاجهزة الأمنية لهجوم جوي على إيران. كانت هناك جدالات مريرة في المطبخ خلال عملية «الرصاص المصبوب» وكانت مشادات شخصية صعبة مثل المشادة بين باراك واشكنازي وبين لافون وديان. الامر الاستثنائي في الوقت الحالي هو سيطرة اللون السياسي: لا يوجد مكان لما سميناه ذات مرة رسمية. كل رأي غير مريح لليمين يعتبر على الفور مؤامرة من اليسار. اليمين الجديد الذي يسيطر يعيش حالة من الهستيريا. ولا يستطيع أن يتأقلم مع فكرة أن اليسار لم يعد ناجعا: يحتمل أنه قد مات. في جميع الحالات هو غير موجود، ووسائل الإعلام ايضا لم تعد كما كانت. ولم يبق أمام اليمين سوى تحميل جنرالات هيئة الاركان وزر ضائقته.
مثال واحد هو الوعد الذي أعطاه نتنياهو لنائب رئيس الولايات المتحدة جو بايدن بتقليص نشاطات الجيش الاسرائيلي في مناطق السلطة الفلسطينية. نتنياهو ويعلون ينفيان، الوزراء لا يصدقونهما، لكن ليس من المريح الهجوم على نتنياهو شخصيا. إنهم ينشؤون الانطباع وكأن الجيش هو الذي يتخذ القرارات من وراء ظهر رئيس الحكومة.
مثال آخر هو اليئور أزاريا، الجندي مطلق النار في الخليل. عمل الجيش الاسرائيلي في هذه القضية بالشكل المطلوب: تم اعتقال الجندي واتهامه حسب القانون. وكل خطوة اخرى كانت ستنشيء الفوضى في الميدان في فترة حساسة من ناحية أمنية. لقد انجر يعلون عندما وصف افعال الجندي بكلمات حادة، لكنه اخطأ ايضا في الاختيار الخاطيء للكلمات: حول الحقائق في هذه القضية ليس هناك حتى الآن أي خلاف.
وهذا لم يمنع وزراء الحكومة من معرفة مزاج الجمهور والوقوف من وراء افعال الجندي. حيث صوروا سلوك الجيش على أنه انهزامي، وتنازل للاغيار وخضوع لكارهي اسرائيل. ودون التحدث مع الجنرال غولان يمكنني أن اتوقع أنه قصد هذا بالضبط حينما تحدث عن «البهيمية والتصدق». جنرالات هيئة الاركان وجدوا أنفسهم في هذه القصة بمثابة الكبير والمسؤول أمام جهاز سياسي منضبط واستعراضي، وأمام شارع محرض. من غير المريح أن تكون فجأة خارج الاجماع. والامر المغضب هو أن يتم رميك خارج الاجماع كعقاب لأنك التزمت بالقانون.
مثال ثالث هو اعادة الجثث. الجيش على قناعة أن عدم اعادة جثث المخربين يزيد من الإرهاب، لهذا يفضل اعادتها. وزراء في الحكومة يسمعون اصوات الناخبين المطالبين بالانتقام، ويعتبرون اعادة كل جثة على أنها هدية للإرهاب.
المشكلة تبدأ بنتنياهو، كما يقول الأمريكيون، فهو يتحدث من طرف فمه: يندد بالجندي مطلق النار وبعد ذلك يسعى إلى الطمأنة. يخرج ضد الجنرال غولان ويؤجج النار من جديد وبعد ذلك مباشرة يطلب فتح صفحة جديدة ويصافح الجنرال، لكن بعد التأكد أنه لن يتم تصوير ذلك. يعلن أنه لن يعيد الجثث وبعد ذلك يلقي بالمهمة على وزير الدفاع.
يعلون هو الضحية الاولى في هذه اللعبة. حينما كان رئيس الاستخبارات العسكرية خدم تحت حكومة يسارية. وقد اقتنع بأن المسؤولين عنه ـ رابين وبعده بيرس ـ يضللانه. ويبدو أنه في هذه النقطة بدأ يسير نحو اليمين. وبمعنى ما بقي بوجي مكين نفسه بالنسبة للشبيبة العاملة في كريات حاييم: الولاء لمرؤوسيه وللاشخاص الذين قام بتعيينهم حيث يحظون بالاهتمام الكبير.
عندما يهاجم وزراء في الحكومة رئيس هيئة الاركان والجنرالات، هو يدافع عنهم ويدفع ثمنا سياسيا.
لسنا نحن من يضلل الجيش الاسرائيلي، ولا الجيش هو الذي يضللنا، كما قال وزراء من اليمين. إنهم يجندون مسودة تقرير مراقب الدولة عن عملية الجرف الصامد وكأن نتنياهو لم يكن رئيسا للحكومة اثناء العملية، بل بني غانتس.
احيانا يوجد تصادم
اربعة رؤساء سابقين لمحكمة العدل العليا شاركوا في مقابلة واحدة مع طوفا تسيموكي واميرة ليم، مراسلتي «يديعوت»، المقابلة التي تم نشرها في يوم الاستقلال لم تكن احتفالية. فقد كان هناك غضب وشعور بحالة طواريء. الرؤساء مئير شمغار واهارون براك ودوريت بينيش وآشر غرونس طلبوا كبح ما اعتبروه هجوما خطيرا على المحكمة العليا وعلى الديمقراطية. وقد تم وضع وزيرة العدل اييلت شكيد على رأس المتهمين. «وزير العدل يجب عليه أن يدافع عن المحكمة»، قال الرئيس براك، «فهو الدرع الواقي، وهذا الدرع قد تضعضع».
لقد بلغت شكيد في هذا الاسبوع اربعين سنة من عمرها، 51 سنة تفصلها عن شمغار، و40 سنة عن براك. الفرق في الجيل لم يمنعها من الرد بشكل حاد. «لن أكون درعا واقيا للثورة الدستورية لاهارون براك. بل سأكون درعا واقيا للقانون والعدالة»، قال لي.
يوجد فرق كبير بين وزير الصحة ووزير العدل، قلت، حيث يستطيع الاطباء الدفاع عن أنفسهم، بينما القضاة لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
«لا يجب عليهم الدفاع عن أنفسهم»، قالت شكيد، «انتقاد قرارات المحكمة هو أمر مشروع في الدولة الديمقراطية. هناك خلاف إذا كان موقف اهارون براك صحيحا أم لا. موشيه لنداو الذي كان الرئيس الخامس لمحكمة العدل العليا اعتبر الثورة الدستورية لبراك ديكتاتورية قضائية».
اهارون براك قلق من موقفك من النظام الديمقراطي، قلت لها. لقد قال إنه لا توجد ديمقراطية بدون حقوق للفرد.
«احيانا يوجد صدام بين المصلحة العامة والحقوق الفردية»، قالت شكيد، «المصلحة العامة أهم».
هل تنوين تعيين قضاة يؤيدون رأيك في محكمة العدل العليا. الرئيس شمغار يعارض تعيين قضاة بناء على مواقفهم.
«تعال لا نتظاهر بالسذاجة»، قالت شكيد، «لست الوحيدة في لجنة تعيين القضاة، لكنني عامل مهم. أنا لن أذكر اسماء رؤساء محكمة العدل العليا في السابق، الذين اعترفوا بأنهم قاموا بتعيين القضاة بناء على مواقفهم. أنا سأفعل ذلك ايضا. وكل من يقول غير ذلك هو متلون.
«أنا مع التعددية في العليا، وليس معقولا أن يكون صوت اهارون براك والثورة الدستورية هو الصوت الوحيد».
الرئيسة بينيش تعتبر أن هذا وقت صعب للجهاز القضائي، قلت لها. فهي تهاجم انتقادك لقرار محكمة العدل العليا في قضية الغاز. وبراك ايضا يهاجم موقفك بهذا الشأن.
«يجب على المحكمة التدخل فقط عندما تتجاوز الحكومة القانون»، قالت شكيد، «في قضية صيغة الغاز لم تتجاوز الحكومة القانون. وكان هذا موقف المستشار القانوني للحكومة. لم يكن من المفروض أن تتدخل المحكمة. تأثير القرار الاقتصادي والسياسي على المنطقة، كبير. وكان يفترض أن تراعي المحكمة ذلك».
يديعوت 13/5/2016