بغداد ـ «القدس العربي»: يعد الباحث الدكتور علي عبود المحمداوي من أكثر الشباب المعنيين بالفلسفة والهم الفلسفي في الجامعة العراقية، فعلى الرغم من حداثته في الأكاديمية غير أنه أنجز حتى الآن عشرات الكتب، تأليفاً وتحريراً.
فمن الكتب التي كانت بقلمه: «الإشكالية السياسية للحداثة.. من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل (هابرماس نموذجاً)»، «خطاب الهويات الحضارية من الصدام إلى التسامح.. دراسة مقارنة بين المنجز الغربي والمنجز الإسلامي»، «العنف والشمولية وإمكان استعادة الفعل السياسي.. استحضار حنة آرنت في فهم الوضع السياسي العراقي»، «الفلسفة السياسية.. كشف لما هو كائن، وخوض في ما ينبغي للعيش معاً»… أما الكتب التي حررها بمشاركة باحثين في الفسلفة والتاريخ والسياسة من العراق والجزائر ومصر وتونس وبيروت وغيرها من الدول العربية: «خطابات المابعد.. في استفاد أو تعديل المشروعات الفلسفية»، «الفلسفة النسوية»، «فلسفة التأويل.. المخاض والتأسيس والتحولات»، «فلسفة التاريخ.. جدل البداية والنهاية والعود الدائم»، «مقاربات في الديمقراطية والمجتمع المدني.. دراسة في الأسس والمقومات والسياق التاريخي»، «الإصلاح الديني والسياسي.. إعادة قراءة النص الديني والممارسة السياسية»، وغيرها الكثير. غير أن إقدامه على تأسيس (الرابطة العربيّة الأكاديميّة للفلسفة) كان لها الأثر المباشر في التفكير بمشاريع فلسفية عدَّة أسهمت في إغناء المكتبة العربية، قراءً وباحثين.
■ منذ عقود طويلة لم تنتج العقلية العراقية أو العربية فيلسوفاً يمكن أن ينجز مشروعاً خاصاً به، على غرار ثقافات أخرى كالفرنسية أو الألمانية، غير أننا في الوقت نفسه نسعى لإنجاز مشاريع خاصة نكتشف في النهاية أنها تكرار لتجارب قديمة من دون أن نحصل على مشاريع فلسفية حقيقية.. لمَ لمْ نتمكن من تكوين هذه المشاريع؟ وكيف يمكن العمل على تهيئة عقول جديدة مفكرة ومنتجة في الوقت نفسه؟
□ قد أخالفك الرأي في ذلك؛ لأنَّ هنالك الكثير من المشروعات الفلسفية العربية التي ظهرت وما تزال تظهر، في خضم مواجهاتها الحضارية في الفلسفة، ومنها ما كان ردة فعل واضحة لمشاريع غربية، استجابة أو نقضاً، ومنها ما هو أصيل بقدر كبير منه في ثقافتنا، وبغض النظر عن موافقتنا أو اختلافنا معها، إلا أنه يجب الإشارة إليها، مثل المشاريع الاستجابية للفيلسوف الآلوسي في ماركسيته ومنهجه التكاملي، ومدني صالح في نقديته ووجوديته، وزكي نجيب محمود في وضعيته المنطقية، وحسن حنفي في ظاهريته، وصادق جلال العظم في اللادينية، ومحمد باقر الصدر في إصلاحيته ومنطقيته، وزكي الميلاد في التجديد والنهضة والحداثة، وفي طرف التأصيل نجد الجابري ومشروعه في نقد العقل العربي، وأركون في نقد الفكر الإسلامي، وطه عبد الرحمن في مشروعه الحداثوي الديني، والكثير من المشروعات التي لا يكفي المقام لسردها.
وبالقدر الذي ننفي فيه إنجازات العقل العربي والإسلامي، فإننا نبرره؛ لأن هنالك نوعاً من استقزام الذات أمام العقل الغربي، ولأنَّ الفلسفة منجز، في الأصل، غربي، وهنالك تفوق حاول تركيز مقولة حصر التعقل على الغرب، وجعل الشرق ميداناً للسحر والشعوذة، تلك الحيل انطلت على الكثير منا، فباتت جزءاً من مكوِّن العقل العربي، ومعياريته للحكم على ما هو فيه وما يكون فيه الآخر الغربي.
■ يرى الفيلسوف الألماني أكسل هونث أن للاعتراف ثلاثة مبادئ اجتماعية، الحب في الفضاء الحميمي، المساواة في الفضاء القانوني والإنجاز الفردي على المستوى الإنتاجي… كيف يمكن أن نفهم ثقافة الاعتراف التي ضاعت من حياتنا، ثقافياً وفلسفياً… وما الذي علينا عمله لإعادة هذه الثقافة؟
□ إن ما قدمه هونيث هو محاولة في كشف الازدراءات التي يتعرض لها الإنسان في حياته ومن ثم مطالب الاعتراف التي يبحث عنها وفقاً لمجال ازدرائه والإساءة له، ويعد مشروع هونيث وما يقدمه من نموذج الاعتراف تجديداً للنظرية النقدية، ولاسيما من خلال تطوير التفاعل التذاوتي الهابرماسي، ونظرية الاعتراف الهونيثية هذه تتشكل في نماذج معيارية ثلاثة؛ تمثل شروطاً ومضامين لأخلاقيات الاعتراف وهي: الحب، الحق، والتضامن.
فمن خلال هذه النماذج يمكن تحديد الشروط الصورية للتفاعل الإنساني بدءاً من حب الذات والاحترام والتقدير بآليات نقل العلاقة من فضائها الخاص العائلي والصداقاتي إلى الاجتماعي بمعايير قانونية إلى إعادة تنصيبها عمومياً بمعايير الفحوى الاجتماعية الأعلى وهي التضامن؛ لذلك فإن هونيث يجد في هذه الشروط المتأسسة على النماذج السابقة إمكانية ضمان الكرامة الإنسانية والمشاركة الفعالة في العالم المعاش. وتقابل كل صنف من أصناف الاعتراف، الذي يشكل انعكاساً إيجابياً للفرد على نفسه والآخر في الثقة بالنفس والمنظومة الحقوقية والتضامن الذي يكفل منظومة أخرى من المعيارية الأخلاقية والاجتماعية. ويقابل كل ذلك محركات ازدراء وإساءة تدفع باتجاه تكوين هذه الثلاثية وهي: الإساءات الجسدية، والتهميش السياسي والمدني، وكذلك إشعار الفرد بقلة حظه من الإنوجاد الاجتماعي.
لعل الاعتراف في وضعنا المعاصر عالمياً، وعربياً بحد الخصوص، يعد موضوعاً إشكالياً بسبب هيمنة المقدس على أسلوب الحياة والتعامل مع الآخرين، وإذا كان الدين هو المعاملة، وحسنها، فكيف لا يمكن تضمين الاعتراف بوصفه تحسين للتعامل؟! لذلك فالوضع الإسلامي أكثر مطالبية من غيره في أن يبحث عن آلية لتطبيق مفهوم الاعتراف الذي يشكل فحوى الدين، إذا ما عددنا الحسن متجسداً في الاعتراف وعدم الازدراء، بل إن الازدراء للميت مرفوض في أبجديات الثقافة الإسلامية، فكيف بالحي الذي هو أولى، وأقول هذا الكلام وأنا أعي جيداً أن واقع التعاملات الدينية الإسلامية، ولاسيما المتطرفة منها، قد أقالت هذا الفهم من سلوكياتها ونهجت العنف والإقالة والشيطة للآخر منهجاً لها. لذلك نحن مطالبون بإبعاد كل التصورات التي تعتمد التصنيف الاصطناعي الذي يقيم للازدراء أثراً، وذلك جزء من الثقافة المانوية، التي نظرت للعالم بوصفه خاضعاً لمنطق الـ(إما أو) وهو منطق لم يعد مقبولاً اليوم، فالثالث والمغاير دوماً والمحتمل، كلها إمكانات تتيح مجالاً لعدم الإساءة، بل حتى في بعض ما يحضرني الآن من ثقافات تربوية إسلامية، نجد أنها حثت على حسن التعامل إلى الحد الذي يجعل الفرد منا يحمل أخاه على سبعين محملاً، أي أن يلتمس له العذر أكثر من مرة، وذلك كله يصب في صناعة معنى التضامن الذي أشار له هونيث، ويرسخ مبدأ الحب الذي سيتجلى حين الغفران والتجاوز عن الإساءات من أجل تقدير الآخر والذات.
■ كيف يمكن قراءة ظاهرة العنف التي تجذرت في الشخصية العراقية، وإلى أي مدى تستطيع العلوم الإنسانية تحليلها أولاً، ومن ثمَّ السعي لعلاجها إذا كان هذا ممكناَ؟
□ البحث في البدايات والأصل أصبح من العبث الآن، بقدر ما يفيدنا البحث في أسباب التضخم والتجذر وكيفية الخلاص، قد يفيد البحث في السبب، لكنه ليس ذي جدوى في تحديد الحدث الأول أو الأصل؛ لذلك دعنا نتوقف قليلاً عند أكبر مسببات تزايد العنف في العراق: إنَّه الوضع السّياسيّ الانتقاليّ وغير القار، والذي بدأ منذ جر رجالات النظام الملكي في شوارع بغداد، واغتيال الحاكم الجمهوري الأول عبد الكريم، وإلى يوم استيلاء صدام ونظام البعث على الحكم، كلها محاولات غسيل دماغ استهلكت الملاحظ أو المشاهد للأحداث، بل أصبح جزءاً منها في كثير من الحالات،؛ ولذلك بدا العراقيّ ملازماً للعنف وشاهداً عليه. ودعني أستعير هنا فهماً خاصاً للعنف، وهو ما قدمته حنه آرنت، إذ تتبين أهمية تشخيصاتها، التي سبقت واقع الحكم البعثي، في أنَّ الدولة التوتاليتاريّة الشّموليّة تعتمد العنف معولاً لتهديم صرح العملية السّياسيّة بصورة ترفع شعار السّياسة ثم تصهر الوجود الفعلي للأفراد وتجعله متماهياً مع فكرة الجمهور غير الفاعل سياسيّاً، وتلك مهمة سياسيّة كما يسوّقها هذا النظام. وكما نكشف أن واقع حال النظام البعثيّ (المنتهي صلاحية الحكم اليوم) قد ضمن أُناساً عاديين جداً في التعنيف وتنفيذ الأجندات الخاصة به، وذلك يذكرنا بما ساقته آرنت من تلميحات وتصريحات حول عادية الشر وتفاهته وأنَّه يرتبط بهؤلاء الناس بوصفهم جزءاً من ماكنة كبيرة تعتمد نظام بيروقراطيّ عنكبوتيّ مريع ومشبع بالنفس البوليسيّ والقمعيّ.
■ كثيراً ما أثيرت ثنائية الثقافة والمثقف في العراق، منهم من يرى أن لدينا أفراداً وليس ثقافة عامة، وآخرون يرون أننا نعيش أزمة الاثنين معاً… كيف يمكن أن ندرك؛ فلسفياً، مفهوم الثقافة عراقياً؟ وما الذي يجب على المثقف فعله للخروج بثقافة جمعية مؤسسة من جديد؟
□ أصبح من المربك الوقوف على معنى قار للثقافة والمثقف في العالم، لأسباب عدة منها اختلاف معنى المثقف ومهامه أصلاً، فبين من يرى منه المفكر الحر الناقد الخارج عن التأطير وإلزامات الإطار. ومنهم من رآه العضويّ، الذي يحمل هموم مجتمعه ويشاركه إياها، وآخر تصوره بأنَّه المخلص والمحرر والنخبة المرتقبة في صناعة أي تغيير ممكن، وبين هذا وذلك، وجب أنْ نفهم أنَّ من يريد أنْ يعوّل الكثير على النخبة في مجتمع لا يسمع إلّا إطلاقات الرصاص فهو واهم، ومن يريد أنْ ينتظر المثقف ليؤدي دوراً فاعلاً في مجتمع مستقيل هو الآخر ليس بواعٍ لعظم وخطر الحال؛ لذلك يجب فحص بيئة الإنتاج.
قد يسهم البعض من المهتمين بالشأن الثقافيّ في العراق في الضغط أو المشاركة في محاولات التغيير وصناعة الأفضل، إلّا أنَّ الواقع يبقى عصيّاً ما دام هناك لغة لا كلاميّة تحكم الموقف والفعل والرد عليه. وإذا فهمتُ من فكرة الثقافة العامة، التي تشير لها، معنى الثقافة الواحدة أو الكليّة أو الاختزاليّة فأقول لك: هذا ما يجب الخلاص منه، وليس الدعوة له. إنَّ موضة الثقافة الأوحديّة لم تجلب لنا إلّا مثقفيّ السّلطة ومتملقيّ الكرسي، وصنّاع الطغاة. فيجب الانفتاح على الاختلاف الثقافيّ الذي ينتجه الأفراد تارة، وماتنتجه التجمعات الثقافية الحقيقية، التي حددت نفسها كمدارس تارة اخرى، وذلك مايندر وجوده اليوم في عالمنا العربيّ.
■ درسنا الفلسفي لم يزل يعيش في قبو قاعات المحاضرة، ينظر عما قاله أرسطو وابن سينا وابن رشد من دون أن يخرج للشارع ويسعى لفهم التحولات الفكرية والمعرفية العراقية الجديدة، هل يمكن لهذا الدرس الخروج من هذه العزلة؟ وما الطرائق الممهدة ذلك؟
□ بداية يجب أنْ نشخص الخلل بدقة أكثر مما أثرته، فمشكلة الدرس الفلسفة ليست مشكلة الدرس لأرسطو وابن سينا وابن رشد، بل مختلف الأسماء، وأعتقد أنك أثرت هذه الأسماء للمثل فقط، أي ليست مشكلة موضوع فحسب، وإنما مشكلة آلية ومتلقي ومانح ومدرب، نعم أقول إنَّ الفلسفة بحاجة لآليات وتدريبات. ما هو في واقع الدرس الفلسفيّ العربيّ والعراقيّ بالخصوص هو الملائيّة في التحفيظ والاسترجاع في وقت الامتحان لطلبة لا يرغبون بالدرس إلا ما ندر، وبتعقيد أستاذ يصنع أكنَّة (حجابات) على الفهم فوق النص، وغياب الآليات الجديدة والابتكاريّة.
ولابد أنْ نلتفت إلى مشكلة الدور الذي تلعبه الكثير من الجماعات والمؤسسات السياسيّة وغيرها في كبح جماح الفلسفة ولجم أفواه المتفلسفة، لأنَّهم يمثلون المعول النابش في خطاياهم؛ ولذلك أصبحت الفلسفة تابو، وحال المنع بها أجدى لهم وأنفع. كما أنَّ مشكلة الجدل بين النخبويّة في الدرس الفلسفيّ، والشعبيّة التي هي مضادة لها، ليست بالجديدة فهي ترتد إلى أفلاطون وصناعته لخصوصيّة الفلسفة واقتصارها على الخواص فقط، ولهذه الحادثة أهميتها في أنَّها طردت أُنموذجاً شعبيّاً كان يمكن أنْ يسود، وهو الأُنموذج السقراطيّ السّابق له، وكل محاولات الشعبيّة، الآن، للدرس الفلسفيّ تلاقي صعوبة تحتاج إلى مراجعة الموقف السّياسيّ والديني قبل النظر في إطلاق هذا المشروع، وهنالك بوادر قبول شعبيّ في دول وأماكن أُخرى من العالم (فرنسا مثلاً مع تجربة ميشيل أُونفري) ولم ترَ النور بعد في وضعنا العربيّ، بل إن هنالك أقساماً قد أُغلقتْ في بعض الدول العربيّة بفعل السلطتين: السّياسيّة والدينيّة.
صفاء ذياب