درس محمد بخاري

من تقاليد الممارسة السياسية في الديمقراطيات الغربية أن المعارضة ما إن تشتبه مجرد الاشتباه في أن وزيرا أو مسؤولا ارتكب خطأ حتى تسارع إلى مطالبته بتقديم استقالته أو مطالبة رئيس الحكومة بإقالته. تلك هي قواعد اللعبة. أما عندما يتعلق الأمر بأخطاء المؤسسات والإدارات، فإن الإجماع سرعان ما ينعقد بين النخبة السياسية والإعلام والرأي العام على وجوب فتح تحقيق. وبعد أن يتم تشكيل لجنة التحقيق، تبقى اللجنة تعمل أشهرا فتنسى معظم قطاعات الرأي العام أصل القضية، وقد لا تتذكرها إلا عند إعلان النتائج. وكثيرا ما تأتي النتائج دون المتوقع، بل ومخيبة للآمال. وفي بعض الحالات يستغرق عمل اللجنة سنوات طوالا، مثلما هو الأمر مع لجنة تشيلكوت للتحقيق في ملابسات مشاركة بريطانيا في شن الحرب على العراق.
إذ إن اللجنة ما زالت لم تنشر نتائجها إلى يوم الناس هذا. وأصبح هنالك اقتناع عند المتابعين بأن هذه النتائج سوف تكون عديمة القيمة والجدوى، خصوصا أنه قد تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن اللجنة لن تنشر نص المراسلات التي تبادلها توني بلير مع جورج بوش في هذا الشأن! أي أن تقرير اللجنة سوف يتحدث عن كل شىء إلا عن المهم: كيف قرر بلير الزج ببريطانيا في شن العدوان على العراق. تحقيق يستغرق سنوات طوالا ويكلف مبالغ ضخمة، ولكنه يحوم حول الحقيقة دون أن ينفذ إليها، وحتى إن نفذ إليها فإنه يتفق مع «الدولة العميقة» على التكتم عليها! تلك هي قواعد اللعبة. المهم هو فتح تحقيق حتى لا يظن ظان أن الديمقراطية غافلة عما يفعله الحكام باسمها. وهل كان في وسع زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربن أن يفعل شيئا آخر، في أعقاب تعرض حزبه لحملة اتهامات بمعاداة السامية أخيرا، سوى التعهد بفتح تحقيق؟
ومن قواعد اللعبة أيضا أنه كلما أدلى وزير أو مسؤول أو عضو في البرلمان بتصريحات (أو سجلت له أحاديث أو مكالمات خاصة) محرجة أو مسيئة لفئة اجتماعية معينة أو لشخص محدد، فإنه سرعان ما يعلن اعتذاره. ولكن الاعتذار غالبا ما يأتي في صيغة «أعتذر عن تصريحاتي أو عباراتي إن كانت قد سببت أي شعور بالإهانة للجماعة الفلانية. لم أكن أقصد إهانة أحد. وما كان ينبغي أن أقول ما قلت». هذه هي في العادة محفوظة الاعتذار المكرسة. اعتذار شكلي لا تراجع فيه عن فحوى ما قيل. أي أن المعتذر لا يعلن أن ما قاله سابقا ليس صحيحا. بل قصاراه أن يقول إني أعتذر عن كلامي إن كان أثار السخط، أو سبب الشعور بالإهانة، لدى أيّ كان. تلك هي قواعد اللعبة.
وما كان لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون أن يعتذر بغير ذلك لو أن رئيس نيجيريا محمد بخاري طالبه بالاعتذار عما قاله للملكة الثلاثاء على مقربة من كاميرا التسجيل. فقد قال كامرون للملكة: «لقد عقدنا في مجلس الوزراء اجتماعا ناجحا للغاية هذا الصباح لبحث قمة مكافحة الفساد، حيث سيشارك النيجيريون… والواقع أنه سوف يأتي إلى بريطانيا زعماء بعض من الدول الفاسدة فسادا خارقا للعادة. (ومنها) نجيريا وأفغانستان اللتان قد تكونان أكثر البلدان فسادا في العالم».
لم تسنح لكامرون فرصة الاعتذار. ذلك أن محمد بخاري قد لقنه درسا بليغا عندما قال بفطنة مبهجة – وبواقعية قاطعة مع ما تعودناه من حكومات العالم الثالث من حساسية مفرطة ومن تقديس للشكليات ـ «ماذا يجديني الاعتذار؟ أريد شيئا ملموسا: أي إعادة الأرصدة» (النيجرية التي تم تهريبها إلى بنوك بريطانيا). والملاحظ أن كبير أساقفة كانتربري جاستن ولبي قاطع كامرون ليقول للملكة إن محمد بخاري بالذات ليس فاسدا. ولما سألت الملكة إن كان هذا صحيحا، رد كامرون بالإيجاب قائلا إن بخاري يبذل جهدا بالغا (في محاربة الفساد). وبما أن روح النكتة البريطانية غلاّبة، فإن رئيس مجلس العموم جون بركو لم يتمالك نفسه من السؤال بمكر: «أفترض أن هؤلاء الزعماء قادمون على حسابهم الخاص»! فانفجر الجمع ضاحكا. إذ إن بريطانيا المسكينة لا تقوى على تحمل نفقات سفر الحكام الأجانب، لا فرق في ذلك بين صالح وفاسد.

٭ كاتب تونسي

درس محمد بخاري

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية