دروس في الحماقة

حجم الخط
4

جزءٌ من صنعة الكتابة للصحافة وحرفيتها المواربة في الكلام وتجنب التعبيرات الصادمة مفرطة القسوة ما تيسر ذلك، إلا أن ذلك يغدو صعباً بل يرقى إلى مستوى التقصير والتفريط وانعدام الصدق والمشاركة في جريمة أحياناً، حين يكون المشهد عبثياً إلى درجةٍ غير معتادة تنذر بالكوارث. لقد فاجأتنا التطورات في مصر في الأسابيع الأخيرة بحزمة من القرارات والتحركات، أقل ما توصف به هو الحماقة والرعونة وتستدعي التعبير الإنكليزي الشهير، «أن يطلق المرء الرصاص على قدمه»؛ ناهيك عن تواترها السريع الذي يجعل من الصعوبة أحياناً ملاحقتها وإحصاءها على الرغم من فداحتها.
ففي مجال السياسة وأفعال النظام، هناك أحكام الإعدام بالجملة على د. مرسي ورفاقه من قيادات الإخوان، من قبل قضاءٍ يزعمون أنه غير مسيس. لا بد هنا من وقفةٍ طويلـــة متأنية في ما يتعلق بالقضية برمتها، بشكلها وموضوعها، إذ في حين يتصور معسكر أعداء الحراك الثــوري أن ذلك بمثابة حكمٍ نهائيٍ قاطع يدين 25 يناير، فإن أحداً منهم لا يلتفت إلى أن ذلك الحكم يطرح من الأسئلة المقلقة أكثر مما يجيب (إذا افترضنا جدلاً أنه يجيب على أي شيء) ويفتح الباب واسعاً لفرضياتٍ واستنتاجاتٍ مدمرة عن طبيعة التركيبة الحاكمة الآن.
حين نكتشف أن أحكام الإعدام تشمل فلسطينياً يقبع في سجون الاحتلال منذ عام 1996 وشهداء، فإن ذلك يشكك في إجراءات تحقيقات القضية برمتها… وذلك أهون ما في الأمر، كون الأسئلة أكثر إزعاجاً: أين كانت قوات حرس الحدود والمخابرات العسكرية (ورئيسها حينذاك…) حين تسلل أو اجتاحت عناصر حماس المزعومة الحدود حتى وصلت إلى سجن وادي النطرون حيث كان قادة الإخوان محتجزين؟ وكيف سمح قادة أجهزة الأمن والاستخبار (بمن فيهم قائد المخابرات العسكرية ) بترشح جاسوسٍ (على حسب زعمهم) لمنصب الرئاسة حتى فاز؟ حتى قبيل 30 يونيو، كان هناك استعداد للتفاهم مع حكومة الإخوان المسلمين لو وافقوا على تنازلات، فهل نفهم من ذلك أن قادة الأجهزة الأمنية كانوا سيستمرون تحت إمرة جاسوس؟ ثم هناك سؤالٌ مبدئي: لم كل تلك الضجة على دك سجنٍ لتحرير معتقلين سياسيين في سياق ثورةٍ، بغض النظر عما قد يكون من اختلافنا معهم في وجهة النظر؟
ألا نحتفل ونطبل ونطنطن مع الأوروبيين على اقتحام الباستيل؟ من يدري، ربما لو فشلت الثورة الفرنسية مبكراً لحوكم أيضاً من عصفوا بالباستيل من حرافيش باريس ودهمائها والسبعة سجناء، الذين وجدوهم بداخله بتهمة التخابر! ليس من إجاباتٍ مقنعة، ومستثمراً في سأم الناس واحتياجهم للاستقرار، وخوفهم بالأخص من مصيرٍ مشابه لدول الجوار، يرفع النظام سقف العنف بعقوباتٍ يحسبها رادعة ترهب خصومه وكل من تسول له نفسه أن يحذو حذوهم؛ غير أنهم لا يدركون أن ذلك في حقيقة الأمر لا يجعل الدم رخيصاً فحسب، وإنما سوف يؤدي إلى نتيجةٍ عكسية، حيث تفقد العقوبات صفة الردع ويضحى العنف مبتذلاً، مجانياً وهزلياً… سيصبح الكر والفر لعبةً يجر لها النظام حتى الأحداث والصبية… ناهيك بالطبع عن كون كل تلك الأحكام وما تستند إليه من سردية المؤامرة التي تم تعميمها تدين الحكومة الحالية والنظام وتقوض مشروعيتهما لما تحيل إليه ضمناً من التقصير في أداء الواجب الرسمي والتواطؤ.
من جهةٍ أخرى، وفي سياقٍ متصل هناك ذلك الوقف المريب لبرنامج «جمع مؤنث سالم» الذي تقدمه الإعلامية النابهة ريم ماجد بعد حلقاته الأولى بحجة واهية ألا وهي أن البرنامج لم يجذب إعلانات، أي أنه غير مربح. لا يخفى كم هو متهافت ذلك التبرير، خاصةً بعدما تردد وتواتر من كون ذلك تم بإيعازٍ من جهاتٍ سيادية، أي بأوامر، الأمر الذي يذكرنا بوقف برنامج باسم يوسف (بغض النظر عما قد يكون من رأينا فيه) على الرغم من نجاحه الساحق، أو ربما لهذا السبب تحديداً، وأيضاً نتيجة الضغوط إياها. ليس هناك أي سببٍ معقول لوقف برنامج اجتماعي جاد يعرض لنماذج نسائية متحققة من طبقاتٍ مختلفة يملك كل مقومات الجودة والنجاح والجماهيرية، سوى انحياز الإعلامية الصريح ضد «حكم العسكر» وتطور مسار الأحداث في مصر عقب 30 يونيو. هو وقفٌ عقابي يرسل رسالةً صريحةً واضحة لا لبس فيها: رفاهية «خليهم يتسلوا» التي منحها مبارك لم يعد النظام في طوره الحالي ليلتزم بها، فهو لن يتحمل أي معارضةٍ جادة أو معارضين جادين ملتزمين، خاصةً على شاشات التلفاز الأكثر نفاذاً وتأثيراً على الناس، مقارنةً بالصحف التي لا يقرأها سوى قلة نسبية. كان بمقدور النظام وذوي المصالح تجاهل برامج كتلك حرصاً منهم على أن يبدوا ويتظاهروا بكونهم متعالين عن أي لغط، متسامحين وواسعي الصدر يتقبلون النقد والمعارضين، إلا أنهم اختاروا الانتقام والتنكيل، الأمر الذي لا يكشف ضيق أفقهم ويفضح ما يتملكهم من غيظ من الثورة والثائرين وحسب، وإنما يبرهن على حماقة، إذ يصنعون من أعدائهم أبطالاً وفرسان كلمة ويصبح لكل كلمة يتفوهون بها، مهما كانت تافهة أو هزيلة، وقع وتأثير لدى معارضيهم. كتبتها من قبل: النظام عدو نفسه وكفيلٌ بنفسه.
والشاهد أن كل تلك التحركات التنكيلية تتم في غيبة أي رؤية للإصلاح الاقتصادي والتنمية، أو أي مشروعٍ اجتماعي، بل على النقيض هناك تطابق في الانحيازات مع مبارك يضاف إليها انسحاب الدولة من البقية الباقية من أي ضمانات اجتماعية استجابةً لإملاءات صندوق النقد، التي لم يجرؤ مبارك على الإقدام عليها صراحةً ودفعةً واحدة، طول سني حكمه التعس.
إن ذلك الانحياز يفصح عن نفسه يوماً بعد يوم، وآخر دلالاته إلغاء الضريبة على أرباح البورصة. أخطر النتائج المترتبة على ذلك هو استمرار الأوضاع نفسها التي أنتجت الإرهاب، وشكلت حاضنةً مضمونة له من الإفقار والتهميش وتدني مستويات التعليم والبطالة، في الوقت نفسه الذي لا يمل النظام من تثبيت مشروعيته على مكافحة الإرهاب وحماية كيان الدولة من التفتت والانهيار، أي أنه يغذي النار من ناحية ويزعم محاولة إطفائها من ناحيةٍ أخرى.
لطالما أعيت الحماقة من يداويها، إلا أن الحكم الحالي في مصر يعطي فيها دروساً سريعة ووصفاتٍ سحرية. يصطنع أعداءه ويستمر في نهجٍ صدامي انتقامي معتمداً العنف وسيلةً وحيدة في غيبة أي مكتسبات حقيقية ذات معنى توحي بفهم أسباب الحراك الثوري ومحاولة الاستجابة لها؛ وإن لنا أن نسأل هنا: لقد انتجت تلك التناقضات الاجتماعية والاقتصادية حراكاً ثورياً هادراً… تم إجهاضه.. ترى ما هي نتيجة الاستمرار بصورةٍ مضاعفة في النهج نفسه والانحيازات نفسها مضافا إليه المزيد من القمع والتنكيل؟

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية