درويش… صانع أحلام الحقائب في القاهرة

حجم الخط
0

القاهرة – احمد شوقي علي : كدت أفقد الأمل في الحصول على حقيبة مناسبة. أردت شراء واحدة جلدية، ليست أي حقيبة والسلام، لدي مواصفاتي، أريدها من الجلد الطبيعي ومصنوعة يدويًا، وهاتان الميزتان سترفعان من سعرها بكل تأكيد.
لجأت إلى «غوغل» فأنهكته بحثًا، ولا إجابة شافية. هناك حقائب بالطبع، ولكنها مرتفعة الثمن تتراوح أسعارها ما بين 100 إلى 300 دولار. لماذا لا أجرب البحث عبر الـ»فيسبوك»، كتبت «شنط جلد»، فظهرت الكثير من الصفحات، واشتركت في العديد منها، حتى أنني أصبحت عضوًا في صفحة لربات البيوت تبيع المنتجات «كاش» وبالتقسيط، بدءًا من الملابس الداخلية النسائية وحتى الحقائب للجنسين، وكدت أدخل في صفقة رابحة مع تلك الصفحة. حتى وجدت ضمن صفحات البحث، في الصفحة السادسة أو ربما السابعة، صفحة بعنوان «El Darwesh Handmade»، فيها الحقائب كما تمنيت، فتركت أسفل إحدى الصور سؤالا حول سعرها، بينما عدت لأتفاوض مع صفحة المنتجات النسائية حول إحدى سلعها.
في المساء وجدت ردًا على سؤالي. كان سعر الحقيبة ممتازًا نحو 30 دولارًا قبل الخصم. هناك خصم يا للجمال. طلب رقم الهاتف من مسؤول الصفحة واتفقنا على موعد في اليوم التالي. أخبرني أن لديه حقيبة جاهزة سيعرضها عليَّ لو أعجبتني اشتريتها أما إذا لم تعجبني فلا بأس.
لم يكن مالك صفحة «الدرويش» يعرف المكان الذي اخترت للقائنا. فربطنا جلستنا بأحد أعلام وسط القاهرة الشهيرة، انتظرت في الموعد ولم يظهر. في الموقع الذي اخترت هناك الكثير من الأشخاص، ولكن لا يبدو على أي منهم أنه بائع أو صانع للحقائب. اتصلت به. فرن هاتف الشخص الواقف قبالتي. شاب مهوش الشعر في العشرين من عمره أو أقل. أشرت إليه مندهشًا: أنت حسن درويش؟ فأومأ بالإيجاب.
جلسنا وأنا متشكك كلية فيما سيبيعني. رأيت بضاعته فازددت اندهاشا لجودتها وجمال صنعتها، فنسيت الحقيبة، وشغفت بشخصه، وإليكم قصته.
هو محمد حسن عبد اللطيف درويش، عمره عشرون عامًا؟ يدرس بالفرقة الثالثة لكلية التربية الفنية في جامعة حلوان المصرية. ولأن دراسته تحتاج إلى مصاريف إضافية لتغطية الجزء العملي منها. قرر حسن البحث عن مصدر للمال لكي يتكفل بنفقاته. كان في الثامنة عشرة وقتها. اشتغل أولا بالنحت ثم بالديكور بصحبة بعض أساتذته من الكلية، لكن ذلك لم يكن مرضيا، فبحث بين مواده الدراسية حتى اهتدى إلى صناعة المشغولات الجلدية.
كانت الحقيبة التي عرضها حسن عليَّ صغيرة. لا تتسع «للابتوب»، حينها سعدتُ. فذلك يعني أننا سنصمم حقيبة أخرى حسب احتياجي. اخترت أن يكون حجمها أكبر وجيوبها أكثر وتصميمها أكثر اختلافًا عما رأيت. واخترت لونًا غير الأسود والجملي الشائعين في أعماله. أجابني أن اللون الذي أريده غير متوفر حاليًا.
لا يشتري «الدرويش» جلوده من المدابغ. يفضل أكثر منطقة باب الشعرية لشراء خاماته. تعرف إلى بائع هناك يهاوده في الأسعار ويحسن معاملته. فحسن لم يدخل إلى الحرفة معتمدًا فقط على كتبه الدراسية «كنت أذهب للحرفيين فأسألهم، كما استعنت بوالدي الذي عمل لفترة في صناعة الفوندي (صناعة أوجه الأحذية)».
خلال تحضيراته الأولية، اضطر حسن للادخار من مصروفه مدة عشرين يومًا، لشراء أول قطعة جلدية للعمل عليها. كلفته 185 جنيهًا (حوالي 20 دولارا)، لكنه أفسدها تمامًا بينما يجرب فيها. صار يتطور مع كل قطعة جديدة يحصل عليها، وعندما حان وقت إنتاج أولى حقائبه، كانت أخته هي زبونه الأول. حصل منها على ثمن الحقيبة مقدمًا لكي يشتري الخامة، لكن صناعتها استغرقت منه وقتًا طويلا لأنه كان يعمل دون أدوات تقريبًا. ثم كانت حقيبته الثانية من نصيب أمه، وأما الثالثة فهي تلك التي يحملها فوق ظهره «أحب حقيبتي تلك أكثر من كل ما صنعت، صار احتياجي إلى حقيبة أكبر ضروري لكن لا أريد تغييرها، بالرغم من أنني لم أكن أتقنت حياكة الجلد وقتها.. لا تخشى شيئًا حياكة حقيبتك ستكون أفضل من تلك بالتأكيد».
صنع حسن حتى الآن حوالى 100 حقيبة بالإضافة إلى محافظ النقود و»الأساور»، ولم يكن نقص الخامات أو الأدوات هي أولى المشاكل التي واجهته أثناء إنجاز عمله، «لم تكن لدي مساحتي الخاصة كي أعمل، وكانت غرفتي المشتركة بيني وأخي الذي يكبرني في العمر، هي ورشتي، لكنه ينام مبكرًا بينما أحتاج للسهر لإنجاز الشغل. حُلت تلك المشكلة الآن، لكنني لازلت أواجه بعض الصعوبات في توفير رأس المال، أدخر الجزء الأكبر من مكسبي لشراء الجلود، كل ما أملكه من جلد حاليا يقدر بحوالي ألف جنيه (100 دولار)».
يعتمد «الدرويش» على معارفه في الترويج لصناعته، ويعترف بتقصيره في الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي رغم إنشائه صفحتين على «انستغرام» و»فيسبوك»: «للأسف يحتاج الترويج إلى تفرغ، وهو ما لا أملكه، فوقتي موزع بين الدراسة والعمل ورياضة البوكس، أسعى لأن تكون حرفتي الحالية هي مشروعي للمستقبل وهو ما يتطلب مني اهتماما أكبر بالترويج لها».
يملك حسن، بالإضافة إلى مشروعه أحلامًا أخرى. يريد أن يصبح تشكيليًا محترفًا. يدرك أنه سيحقق ذلك الحلم يومًا ما. لم يحالفني الحظ لرؤية أعماله التشكيلية. سبق له أن شارك في ثلاثة معارض فنية، لكنني وددت لو رسم شيئًا على حقيبتي، لكنه اعتذر «أحب أن أبدأ الشيء عندما أتقنه تمامًا، بالفعل أجرب الرسم على الجلد ولكني لن أخرجه على حقيبة أو محفظة مادامت في مرحلة التجريب، حاليا أكتفي بصنع تشكيلات فنية بالجلد نفسه على الحقائب»، لكن يبدو أن اقتراحي قد ألقى بعض الإلهام في رأس «الدرويش»، فحين سلمني حقيبتي بعد أن انتهى منها وضع توقيعه، لأول مرة، مرسومًا على جيبها الأمامي.

درويش… صانع أحلام الحقائب في القاهرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية