دساتير لإبقاء الحكم السلطوي

حجم الخط
0

■ في مقال سابق («القدس العربي» 9/1/2015)، شرحنا أن محاولة تعديل الدستور الجزائري هي محاولة خائبة، لأنها جاءت من رئيس عاجز في كل حالاته البدنية والفكرية والسياسية، أي بكل معاني الخيبة، بداية من إخفاق نظام حكمه إلى لحظة اقتراح تعديل الدستور.
فقد جاء في مشروع تعديل الدستور ما يفيد بأن لا شيء قد تم في السابق وأن الأوضاع مرشحة دائما إلى مزيد من المتاعب، وتوكيد الحقيقة التي مفادها أن مشكلة الجزائر الرئيسية أنها صارت عصية على الإصلاح، بسبب وجود رئيس عاجز، بلغ رصيده من الإخفاق والخيبة حدّا استعصى على إمكانية «تحرير الدولة» من سلطة النظام أو من النظام السلطوي. فقد كان دوره فقط تسخير كافة الإمكانيات والقوى والوسائل للحيلولة دون وصول المعارضة إلى الحكم، وهذه هي خاصية النظام الجزائري الحالي، أي أنه يعترض على المعارضة ويثنيها دائما عن الوصول إلى الحكم.
واقتراح تعديل الدستور يندرج رأسا في هذه اللعبة التآمرية على المعارضة، بحيث تفصَّل مواد الدستور بالقدر الذي تطمئن السلطة الفعلية والحاكمة على وجود مسافة حقيقية بين السلطة وإمكانية وصول المعارضة إليها. وغني عن البيان الامتناع عن إجراء إصلاحات حقيقية على مؤسسات الدولة وصلاحياتها وسلطاتها، عبر التماس تكتيك نسف المعارضة من الداخل والتواطؤ ضدها، فمثل هذا التصرف يزيد من وهن وضعف مؤسسات الدولة المتبقية، علاوة على استمرار فقدان الرأسمال المادي والمعنوي والرمزي للدولة ذاتها ككيان مستقل عن الأشخاص.
إن الوضع الكارثي الخطير الذي وصل إليه المجتمع في صلته بنظام الحكم لا يمكن أن نفيق منه ونعيه إلا بعد إزالة غشاوة النظام عنه، وهذا ما سوف يكتشفه الجميع حال نهاية حكم الرئيس الحالي.
جاء في مقدمة العرض العام حول الاقتراحات التي تتعلق بتعديل الدستور ما يلي: «ستتوخى مراجعة القانون الأساسي، من بين ما ستتوخاه تعزيز الفصل بين السلطات، وتدعيم استقلالية القضاء ودور البرلمان، وتأكيد مكانة المعارضة وحقوقها، وضمان المزيد من الحقوق والحريات للمواطن». وواضح من هذه الفقرة، أن الموضوعات المقدمة في شكل اقتراح هي من الموضوعات التقليدية جدّا، التي في العادة تبدأ مع بداية تكوين الدولة التي خرجت لتوها من الاستعمار، وتروم إصلاح وضع سياسي ناجم عن حالة من التسلط المطلق الذي طال أجله إلى حد الانقلاب أو الثورة عليه. فالمقترحات التي يتوخاها مشروع الدستور هي، مقترحات بداية العمل بالدستور كمقدمة لبداية تأسيس الدولة ذاتها، أو في أقل تقدير، كأننا شرعنا في مرحلة التعددية نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ومن ثم فإن ما جاء بعد ذلك هو إبعاد الدستور من المجال الرسمي والقانوني والعام، وكل ما عرفته الجزائر بعد ذلك هو إحلال الشخصية الطبيعية للرئيس محل الشخصية الاعتبارية للدولة، ولعلّ أهم مظهر يفيد ذلك تعديل الدستور عام 2008 الذي يمَكِّن الرئيس من عهدة ثالثة ويواصل الحكم مدى الحياة.
ونشرح ما ورد في الفقرة السابقة على النحو التالي، ففي الوقت الذي أقر فيه القانون الأساسي صلاحيات المؤسسات وسلطات الدولة باعتبارها شخصية اعتبارية تتنزه عن الأغراض والأمزجة الخاصة، نجد الرئيس الراهن، وطوال عهداته السابقة، لم يحفل إطلاقا بقيمة ومكانة المؤسسة العمومية، خاصة تلك التي تنجم عن إرادة الشعب. فالسلطة التنفيذية تعيّن برغبة الرئيس ولا يدخل أي اعتبار سياسي في ذلك، لأن الرئيس مترفع عن الحزب، لا بل خارجه في المطلق ويتصَّرف كـ»باتريارش»، يرجع إليه الجميع في وقار وترقب وحيرة، لكي يأخذوا منه كلمة أو يفسروا كلامه، وفي الغالب أنه يتعامل مع مجموعة صغيرة من رجال السلطة ولا يعنيه الباقي إلا في المراسيم العامة التي تقيمها الدولة في مناسباتها الوطنية والدينية. أما السلطة التشريعية، فطريقة تعامل الرئيس معها هي عدم الاعتراف أصلا بوجودها، فلم يسبق له أن قدّم أي خطاب أمام أعضاء البرلمان حتى بعد الانتخابات التشريعية، التي تتم كل خمس سنوات، وهذا الموقف يدل على عدم جدية الانتخابات وغياب تام لمصداقيتها، وأن كل شيء يحضَّر مسبقا حسبما يرغب النظام. أما السلطة القضائية فهي لا تقضي إلا في القضايا والأمور التي تتعلق بالمواطنين العاديين، ولا تطال سلطاتها المسؤولين أو القضايا التي تفجرها الصحافة الأجنبية والتي قد يخشى النظام من امتدادها إلى داخله، فيلجأ الرئيس إلى إيقاف تداعياتها، مثلما تعامل القضاء مع فضيحة «سونا تراك» والوزير السابق للبترول الجزائري- الأمريكي شكيب خليل.
ودائما مع الجانب المتعلق بموضوع فصل السلطات، فإن ما تقترحه السلطة في مشروع تعديل الدستور متأخر جدّا عما يجري في العالم من تحولات عميقة. فمسألة فصل السلطات لم تعد تطرح باللغة السياسية والقانونية التقليدية، التي مهدت لتأسيس الدول وفقها، فمؤسسات الدولة لم تزل بزوال الرجال والحكام، فيما الوضع في الجزائر ومجموع البلدان العربية اختلف بشكل جذري بحيث بدأت تنهار الحكومات ثم الدول بسبب التلازم والتماهي بين شخص الرئيس مع الدولة، الأمر الذي عطّل إمكانية استقلال الدولة وتحرُّرها من سلطة وسطوة الحاكم أو الحزب أوالقبيلة. المطروح في الجزائر، ليس قضية فصل السلطات فحسب، بل إدراك أهمية المجالات التي تتشكل في حياة الناس والبحث عن المؤثرات الفاسدة التي تعيق وتعطّل الديمقراطية ونزاهة العدالة واستقلالها وقيمة الحرية في حياة المواطن، والتطوّر السلس المساوق لتطلعات الشعب. فقد آل الوضع في البلد إلى أن المال صار سلطة من خلال المتنفّذين وأقاربهم، بالقدر الذي انفصل تماما عن برامج التنمية الحقيقة ذات النفع العام، كما تقتضي بذلك الدولة ومؤسساتها العمومية، فقد صارت برامج الدولة التنموية أو المفترضة كذلك هي ما يسطره أصحاب المال الفاسد قبل أن يخرج إلى التنفيذ والإنجاز.
صفوة ما يمكن أن يقال في مسألة تعديل الدستور، إنها دعوة غير جادة وليست في نهاية المطاف إلا محاولة جديدة لاستدراج معارضة جديدة يشكلها النظام في سياق حملة تعديل الدستور، ومن ثم حرمان مرّة أخرى وصول المعارضة الحقيقة، التي صارت تشكل الوجه الناقد الضروري للسلطة الحاكمة، في البلدان التي أضحت دولا راسخة لا تخشى على مصيرها مهما تقلب الحكم من اليمين إلى اليسار. بينما لا نزال في الجزائر نراوح عند نقطة عدم تمكين المعارضة من الوصول إلى الحكم كأصل من أصول الحكم وطريقة من طرق إدارته، لعّل أحد إفرازات هذا الوضع أن الشعب لم يعد هو تلك المجموعة البشرية التي يطلق عليها اسم المواطنين، بل أقرب إلى رعايا النظام أو السلطة الفعلية وليس القانونية، لأن رعايا النظام لا يقيمون أي وزن أو اعتــــبار للنظام العام ولا يحفلون به أصلا، بداية من السكينة العامة وليس انتهاءً بالصحة العمومية والآداب العامة، فقد طلقوا الدولة، وأن اقتراح مزيد من الحريات والحقوق يقصد به زيادة نصوص حول الحريات والحقوق بدون وجود معادل حقيقي لها على حياة الشعب.
عدم احترام النظام العام وابتزاز تراث الدولة وذمتها المالية والمعنوية والرمزية، تعبير عن حالة عدم خضوع رموز السلطة وأعوانها للقانون والقضاء وبقائهم خارج دائرة الحساب والعقاب. ومثل هذا الوضع لا يستقيم معه أي تعديل أو إصلاح أو ترميم، بل أن البناية بالكامل يجب أن يعاد تشييدها.

٭ كاتب جزائري

د. نورالدين ثنيو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية