يفترض في الدساتير أن تسجل عهدا جديدا في تاريخ البلد المعني، ولعل أبلغ مثال على ذلك تونس بعد الاستقلال، التي أوصلت إلى سدة الحكم من تسموا بالدستوريين.
فلا جرم أن يصار لدى حدوث أحداث جسام إلى تحريك الدستور ومبادئه والعودة إليه كمصدر من المصادر التوليدية للخطب التي يوجهها السائس إلى المسوس في اللحظات الطارئة.
لا جرم في ذلك.. لكن لا ضرورة أيضا.
فهل وقع رئيس الجمهورية الفرنسية فرانسوا أولاند بين مطرقة الرأي العام الذي سعى إلى امتصاص ما تملكه من خوف، مستبقا وقت محاسبة أثبتت الأيام التالية أنها لم تقف بالضرورة بالمرصاد، وسندان تحفظات قطاع عريض من أعضاء الحكومة رأى أن الجهاز الأمني والقضائي الفرنسي يقدم أصلا الضمانات التشريعية اللازمة لحماية البلد؟
بروز الكماشة بفكيها ثابت من ثوابت الحكم لا محالة. وهو من الثوابت التي يتلقاها ويعتبر منها أي طالب من طلاب المدرسة الوطنية الفرنسية للإدارة ENA ويتعلّم بها كيف تسير أمور الدولة. فالكماشة بفكيها أول مجال تطبيقي ميداني للتحصيل العلمي التشريعي والسياسي يرتقي به كبار خادمي الدولة درجات الحكم ويتعمقون في أصوله وتتكشف لهم دواليبه.
ومن كبار خادمي الدولة – المتفوقين بهذه المدرسة الذين كتب لهم مستقبل سياسي زاهر، ظهر خادم الدولة الفتي، المفوض لدى ديوان المحاسبة الفرنسية عند بداية مسيرته، ثم الكاتب الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي ومنتخب بلدة «تول» الفرنسية في محافظة «لا كوريز» الشهيرة لسنوات، فرانسوا أولاند. إذن، «أكثر دستوري من أولاند تموت…» وفق المقولة الشعبية الفرنسية الشهيرة.
والمقولة تنطبق أيضا على» أكثر دراية بكفالة الدستور في صيغته الحالية بأداء الغرض»، فواضح أن قرار إدراج في مشروع تعديل دستوري حالة الطوارئ ونزع الجنسية الفرنسية عن الضالعين في أعمال إرهابية أكانوا مزدوجي الجنسية أم فرنسيين أصلا، وبعد فصل مشهود من التردد والتراجع ورجوع القهقرى، قرار حكمته عوامل غير رسوخ أولاند ومستشاريه في علم الدسترة. فهم لا يحتاجون سوى لثوان لإدراك ألا جدوى عمليا لمثل هذه الاجراءات.
تحت الضغط إذن اتخذ القرار
فرض إعلان الطوارئ، الذي لم يكد أفراد قوات الأمن يفرغون من اقتحام قاعة عروض «الباتاكلان»، حكمته ضرورة الرد على كارثة عظمى بأقصى إجراء فوري كان يمكن اتخاذه في مثل هذا الموقف.
ولا اعتقد أن يكون سديدا توجيه الانتقاد لمثل هذا القرار وهو قرار بقي محل إجماع، وأضيف عن جدارة واستحقاق. لكن حالة الطوارئ التي فرضت إذاك – والتي تمديدها قيد النقاش حاليا – كاملة الإجراء في القانون الفرنسي أصلا.. وإلا لما فرضت، لهذا يمكن اعتبار نقل صلاحية متوفرة أصلا إلى مصاف المزايدة التشريعية بابا مفتوحا أمام مساءلة من نوع آخر، تختلف عن مساءلة مدى استعداد فرنسا لمواجهة التهديد، ولم تتعد الأخيرة في الواقع منطقية الرد الفوري وليد الأحداث الجسام. فالمساءلة الحقيقية تتعلق بثقافة الرموز و»عتاد الإجراءات وتجلياتها النصية» وهو أسلوب مقاربة يراكمه نمط عيش فرنسي كامل عبر التاريخ. وحاجة قطاع من الشعب الفرنسي، خاصة من المسنين وجيل ما فوق الخمسين، إلى رموز وواجهات يخال نفسه فيها ظافرا بمزيد من الاطمئنان والحماية والارتياح، سمة مزاجية تحرك أي مسلسل انتخابي، وهو ما يعيه أولاند وفريقه فأخذت الحكومة الفرنسية تدلو بدلوها في ملف نزع الجنسية الفرنسية، الذي حبذا لو أدارت لها ظهرها أصلا ولم تزحزحه عن مطرحه، وهو الفقاعة الآيلة إلى الانتفاخ.
وكان هذا رأي أكثر من وزير..
واضح أن الحكومة الفرنسية راهنت بقيادة رئيسها على مزاولة دور القناص لأصوات الجبهة الوطنية المتطرفة، فما كان منها إلا أن ردت على تطرف معتاد بتطرف مقلق لأنه غير منتظر.
ان فرنسا فرنسية بجميع أبنائها حملة الجنسية الفرنسية، حيثما وقع «التجنس»، أمن الولادة على أرض فرنسا أم خارجها، أكان المعني من أبوين فرنسييين أو من أحدهما.
فرنسا دولة قانون فكنا نتمنى أن تحكم بالقانون، لا برسم ملامح هوية فرنسية هلامية أشبه بسفينة تدفع بها الأمواج إلى حيث تميل الرياح.
«ما هكذا تؤخذ اللقمة يا بني!» قالت الأم لابنها الضرير كما يرويه طه حسين في سيرته الذاتية، كتاب «الأيام».
فما كان منا اليوم إلا أن نضيف: «ما هكذا يعالح الملف، يا سيدي الرئيس!».
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون