دسّ السم لرائد فضاء سوري… وسلوم حداد يرى النصر في عيون جنود الحواجز

حجم الخط
1

لولا بكاؤه المرّ والحارق، لحسبنا أن مقابلة الفنان السوري سلوم حدّاد على قناة «سما» اعترافات أخذت تحت التهديد، وهو بكى حين تذكّر كيف نظر إلى جندي على الحاجز ورأى في عينيه النصر، ذلك أن كم الموالاة الصريح في حديثه لا يضاهى، ولا يصدق، خصوصاً بعد أن كنا سمعنا أوائل الثورة السورية موقفاً متضامناً له معها، وجرى الحديث حينها عن مضايقات له.
يكرّر سلوم ما قال بعض زملائه الموالين عن راهن سوريا، حول المؤامرة الصهيونية، وعن سوريا القلعة، الشوكة في حلق إسرائيل. وقد دعا مراراً فناني المعارضة إلى العودة إلى جادة الصواب. اللافت أنه يذهب إلى جانب النظام حتى النهاية من دون أي مسافة نقدية، حتى ولو مزعومة، إلى حد قوله «إن شاشة التلفزيون السوري تمثلني»، هذه التي كان الجميع يجد فيها من الثغرات والمشاكل ما لا يمكن احتماله.
لم أسمع من قبل أحاديث متلفزة للفنان السوري القدير، لعله يدرك أن السرّ في مقدراته المحدودة على الحوار. ضحالته، رغم موهبته ورغم تفرده بين الممثلين بدراسة «الفنون الجميلة»، لا تصدّق أيضاً. بالنسبة لي كانت مقابلة سلوم على «سما» من أكثر الأحاديث إحباطاً، ذلك أننا نتحدث عن فنان قدير فعلاً، يصعب أن تقبل وصوله إلى هذا الحدّ.

إنها لقمة العيش يا عزيزي

أيمن زيدان لم يبتعد في مقابلته في برنامج «اكسترا- تلاقي» على قناة «تلاقي» عن جوهر كلام زميله حداد، بخصوص المؤامرة، وإن كان حاول التنصل من أحاديث السياسة. انتقد زيدان ما أسماه الاصطفاف المحموم للذين مع النظام أو ضده، ولكن لم يتردد في وضع نفسه في بوتقة الدفاع عن النظام.
لا شك أن زيدان بدا مؤثراً وهو يتحدث عن حكايات مأساوية شخصية؛ أولاده الموزعين في أرجاء الأرض، ولده المتوفى إثر مرض عضال، الأب الذي لم يستطع أن يؤمن له مدفناً كما يحلم في قريته في ريف دمشق، محاولة مسلحين تهديده مباشرة بالسلاح، الخ.
لكن تلك الحكايات بالذات كان عليها أن تجعلك رحيماً في النظر إلى حكايات السوريين، أولئك الذين فقدوا عائلات بأسرها، أو الذين جاؤوا ليدفنوا شهداءهم فقصفت الجنازة، بل المقبرة برمتها، إلى سواهم ممن فقدوا أبناء في معتقلات النظام تحت التعذيب.
يريد زيدان أن يتصدى للمؤامرة من باب الفن والدراما، ولذلك راح يدعو بقوة إلى قوانين جديدة لـ «نقابة الفنانين» أو للمؤسسات الراعية والمنتجة للفن.
راح يرثي لحال الفن في بلده، فشنّ هجوماً لاذعاً على الدراما التلفزيونية السورية، ومخرجيها، وطالب بأن تعود دفّة القيادة للفنانين النجوم لا إلى هؤلاء المخرجين الذين لا يحمل بعضهم شهادة بكالوريا. ما لك إذاً تغصّ بنقاد الفن في سوريا ما دمت أنت نفسك ترى الحال على هذا السوء؟!
يسأل زيدان لماذا مشاركته في الجزء الأخير في «باب الحارة»، العمل الذي بات الجميع يقرّون برداءته، خصوصاً الأجزاء الأخيرة منه، فيجيب ما معناه بأنه فنان محترف وعليه أن يعمل، أي أنه يتعامل مع الأمر كباب رزق، وكأن البحث عن لقمة العيش لا تتطلب التدقيق. لكن أليس هذا بالذات هو أساس الفساد الذي تزعم الحرب عليه؟ لا شك أن مخرجي ما دون البكالوريا لهم الحجة نفسها. لقمة العيش يا عزيزي.

على حطّة إيدك

في حلقتها عن رائد الفضاء السوري محمد فارس تكشف قناة «الأورينت»، ضمن برنامج «تغيرنا»، جانباً من الصراع على الاستئثار بكرسي رائد الفضاء الصاعد إلى السماء من قبل ضباط النظام السوري، إلى حدّ دس السم له في الطعام، أو تحضير فخّ كهربائي لصعقه. يكشف البرنامج تفاصيل مثيرة، ويضيء جوانب إنسانية من شخصية فارس، غير أن البرنامج ينسى نفسه، فيقدم حلقة أقــــرب إلى برنامـــج قناة «الجـــزيرة» المعروف «موعد في المهجر». عموماً البرنامج، في ما شاهدنا من حلقات، يحاول أن يكون نسخة طبق الأصل عن «موعد في المهجر»: المقدمة الأدبية، إيقاع صوت المذيع وتدخلاته، متابعة الكاميرا لحركة الضيف في الشارع وفي منزله وأمكنته المعتادة، بل وحتى استعمال الموسيقى.
الأهم أن البرنامج يتخلى عن فكرته، فلا يبدو أن محمد فارس تغيّر كثيراً أو قليلاً، لا إشارة إلى أنه كان متورطاً بفساد ما، أو مستفيداً من النظام، وبالتالي لا يصلح فارس لهذا البرنامج بل لـ «موعد في المهجر».
سيكون من الصعوبة للبرنامج أن يعثر على ذلك الضيف الذي يقبل أن يتحدث عن كيفية تغيّره، فظهوره وقبوله بالفكرة يعني أنه تحوّل من حال إلى حال، ولا نحسب أن أحداً بوارد الاعتراف، رغم أن البرنامج يمكن له أن يكون حافلاً بشخصيات عسكرية ومخابراتية، وزراء سابقين، صحافيي المسدسات، المراسلين الإعلاميين المقربين من أجهزة المخابرات… إذا لم تدفعنا الثورة إلى اعترافات من هذا النوع، فلا بد من اقتراح برنامج آخر يحمل عنوان «لا تغيرنا، ولا من يحزنون»، أو «على حطّة إيدك»، حسب اقتراح لمخرج سينمائي سوري.
فكرة برنامج «تغيّرنا» مهمة للغاية، وهو بقدر ما استطاع أن يقدم شهادة نادرة ووثيقة هامة في حلقته مع المخرج والممثل الكوميدي همام حوت بقدر ما أخفق في حلقة محمد فارس. لكنه برنامج مغامر، وليس من السهل أن يعثر على الضيوف.

فلسطين في قلب السينما

لم يتح لنا بعد مشاهدة الفيلم الفلسطيني «المطلوبون الـ 18»، لكن المقابلة الترويجية مع عامر الشوملي، أحد مخرجي الفيلم، وقد بثها «مهرجان أبو ظبي السينمائي» الأخير، كانت رائعة. ورشيقة وخاطفة، يتحدث المخرج كيف تحولت «بيت ساحور» كلها إلى استديو كبير لتصوير الفيلم، وكيف تحوّل أناسها إلى مخرجين وممثلين وكومبارس. فلسطين أصبحت في قلب السينما، تعي جيداً مكانتها ودورها في قول الحكاية. فلسطين تدرك أكثر فأكثر كيف يمكن لسينما ناهضة وجميلة أن تناضل بشكل أفضل.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية