دعت إلى رفض تجنيد «المسيحيين» في الجيش الإسرائيلي لكنها احتفظت بخطاب الأقليات… «خطبة الأحد» للبنانية أميمة الخليل: لا الشعر شعر… ولا الغناء غناء

حجم الخط
5

 

باريس ـ «القدس العربي»: قد يبدو الكليب الغنائي الذي يحمل عنوان «خطبة الأحد»، للمغنية اللبنانية أميمة الخليل والشاعر الفلسطيني مروان مخول، عملاً بطولياً مقاوماً للاحتلال الإسرائيلي، لكونه في الأساس جاء ليناهض مساعي السلطات الإسرائيلية في تجنيد المسيحيين من فلسطينيي عام 1948، سوى أنه، وبالقدر نفسه من الجرأة، يرتكب عملية تزوير كبيرة؛ ففي وقت يحاول دفع الظلم في مكان، يرتكب ظلماً أكبر حين يتجاهل ما يتعرض له الملايين من غير المسيحيين في الشرق العربي.

عمل غنائي يرتكب عملية تزوير كبيرة؛ ففي وقت يحاول دفع الظلم في مكان، يرتكب ظلماً أكبر حين يتجاهل ما يتعرض له الملايين من غير المسيحيين في الشرق العربي.

منذ البدء يكتب الشريط في مقدمته عبارة يبدو أنها الخلاصة «في الشرق، تنهش الوحوش الإرهابية لحم الأقليات، فينتهز الصهيوني الفرصة، ويحاول تحميل تلك الأقليات البنادق، كي تصوبها نحو نفسها في الأساس». فإذا صحّ أن الإسرائيليين بذلوا ما بوسعهم على الدوام في العزف على وتر الأقليات، وتبديد الهوية العربية في فلسطين، كما فعلوا منذ الخمسينيات حين فرضوا على العرب الدروز والشركس، التجنيد في الجيش الإسرائيلي، فكيف يصحّ تصوير المظالم التي يتعرض لها «الشرق» على أنها موجهة ضد الأقليات وحدها، في وقت هُجّر، على سبيل المثال، نصف الشعب السوري، ونُكل به أفظع تنكيل، فيما لم يتزحزح معظم الأقليات من أماكن عيشهم. ثم ماذا عن نغمة «الشرق»؟ كأن المراد منها استنهاض الغرب تجاه «رعاياه»؟ كذلك، لعلها واحدة من مرات نادرة يجري فيها رفض التجنيد الإجباري، والتأكيد على أن هوية هذه الأقلية جزء لا يتجزأ من كلًّ فلسطيني، ولكن عبر التأكيد على عناصر ورموز مسيحية خالصة، وهي رسالة مضادة لما يزعمه العمل الغنائي الشعري من تعزيز الانتماء العربي لمسيحيي 1948 الفلسطينيين! لا شك أن الشاعر جريء، ويحسب له عناده في رفض مشروع تجنيد المسيحيين، في وقت بارك رجال دين مسيحيون الانخراط في جيش الاحتلال، فيما حققت المخابرات الإسرائيلية مع الشاعر مخول، بُعيد إطلاق المغناة، حول ما كتب، ولكن ذلك لا يعفيه من هذا التقديم المزوّر الذي يجعل من كل ما يجري في بلادنا على أنه حرب وحشية ضد الأقليات يستغلها الاحتلال، والأخير، بالمناسبة، لم يحتج في خمسينيات القرن الفائت إلى حرب كالحرب الراهنة كي يدفع دروز فلسطين وشراكستها إلى التجنيد في الجيش الإسرائيلي.
عدا عن ذلك، كنا نتساءل عن الأغنية في طيات العمل، وعن الشعر، ولشدّما أشفقنا على المغنية أميمة الخليل، صاحبة «عصفور طل من الشباك»، و»قلت بكتب لك»، وهي تغني هذه الكلمات العسيرة. إذ كانت تطلّ في غناء بعض المقاطع، فيما يطل الشاعر مخول في إلقاء مقاطع أخرى من قصيدته. العمل الغنائي متعثر للغاية، والموسيقى بالكاد تبدو مجرد موسيقى تصويرية جيدة لعمل شعري، مرفق بصور سياحية، دينية أحياناً. حتى إطلالة أميمة الخليل الصوتية تبدو مجرد دعم لحضور الشاعر، فلا شيء يعلق في البال من أدائها.

قصيدة مروان مخول مزيج من السخرية والخطابة، يتميز فيه أداؤه في الإلقاء، وهو أقرب إلى أداء مسرحي يستعير من صوت محمود درويش مرة، ومن صوت سميح القاسم مرة أخرى، من دون أن يفلح في الاقتراب من مكانة أي من الشاعرين

أما عن قصيدة الشاعر الشاب مخول (1979) فهي مزيج من السخرية والخطابة، يتميز فيه أداؤه في الإلقاء، وهو أقرب إلى أداء مسرحي يستعير من صوت محمود درويش مرة، ومن صوت سميح القاسم مرة أخرى، من دون أن يفلح في الاقتراب من مكانة أي من الشاعرين على مستوى القصيدة.
بالنسبة لي، كانت هذه المغناة فرصة للتعرف على شاعر يعيش في فلسطين التاريخية، فقد أخذتني القصيدة إلى قصائد أخرى، ومقابلات تلفزيونية قدمت الشاعر ودواوينه ومسرحياته وقصائدة المترجمة إلى لغات العالم، غير أنني لمست غروراً لا يليق، وادّعاء مشفوعاً بالجهل. سرعان ما يكتشف المرء أنه ليس هناك شعر في القصيدة، ولا شاعر، وهنا عملية تزوير كبيرة أخرى.

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية