لندن – «القدس العربي»: أكدت دراسات حديثة أن الاهتمام بالأطفال هو الأساس لبناء مجتمعات متماسكة وقوية. فالطفل الذي ينمو في بيئة صحية وآمنة وبأجواء من التفهم والتقبل والاستيعاب هو الأكثر توازنا وحصانة وثقة بالنفس وقدرة على مواجهة الحياة.
الا ان الاطفال يتعرضون بشكل متزايد الى العنف الجسدي واللفظي، والابتزاز والاستغلال والإدمان والتحرش الجنسي، وهو ما يؤدي الى مشاكل اجتماعية كثيرة-.
تؤكد الابحاث ان الطفل الذي تعرض لهذا النوع من المشاكل يتحول الى كسول متعب متمرد عنيف يرفض الذهاب الى المدرسة وبالتالي يضطر لكسب المال بأي طريقة كانت، حتى لو دفع حياته ثمنا لذلك.
وما أكثر القصص المأساوية كمحاولة الانتحار أو الشروع فيه بين الأطفال والمراهقين التي تعود أسبابها في المجمل الى العنف الاسري وحالات الطلاق والإنفصال.
تساؤلات كثيرة وصعبة حول البدائل ومتى تحتاج الأسرة الى دعم خارجي؟ وما هو الخيار الأفضل عندما لا يستطيع الأهل رعاية أطفالهم وتوفير الأمان لهم؟ كيف تتدخل قوانين حماية الطفل في ذلك والى أي مدى تستوعب الأسر فكرة تسليمه للجهات المختصة الأكثر أمنا؟ هل هذه الطريقة عقاب للأهل أم تشجيع لهم على تصحيح الأخطاء وحل المشاكل وعلاجها؟ ومتى يعود الأبناء الى أحضان أسرهم؟
الرعاية البديلة
«القدس العربي» التقت السيدة كلثوم أبليل. وهي من أصل مغربي ومختصة في الرعاية البديلة للأبوين Foster Carer ولديها خبرة طويلة في هذا المجال تصل الى أكثر من 20 سنة في بريطانيا.
وهي تقول: «يا حبذا لو يتم الإهتمام بالطفولة كما يحدث في الدول الغربية. اذ يؤلمني جدا ما نتابعه ونراه من خلال الاعلام عن استغلال الأطفال في بلادنا وإهمالهم الذي يسبب الدمار لمستقبلهم. الأطفال عندنا لا توجد لديهم أي حماية تذكر على الرغم من وجود جمعيات غير حكومية تنادي بحمايتهم ورعايتهم. إلا أن الجهد مازال محدودا وضعيفا ولا يرتقي الى مستوى المشكلة وتفاقمها. وأعتقد أنه ليس بالسهولة بمكان أن يطبق هذا النظام في دولنا لأنها تحتاج الى ميزانية ضخمة وإمكانيات بشرية كبيرة جدا لا تقدر عليها الا الدول التي تنعم باستقرار مادي وأمني».
وتضيف: «العنف الأسري موجود في كل مكان. لكنه يؤخذ في الغرب على محمل الجد بينما في بلادنا تقف العادات والتقاليد ووصمة المجتمع عائقا أمام علاج المشكلة أو حماية الأطفال».
وتشرح السيدة كلثوم طبيعة تخصصها وعملها الذي قد لا تستوعبه الأسر العربية والمسلمة المقيمة في الغرب، بسبب اختلافه مع عاداتنا وتقاليدنا. لكن الأمر جد مهم كما تقول، اذ تنصح بالأسر البديلة كحل قد يكون مؤقتا للعوائل التي تعاني من مشاكل الإدمان والعنف.
وتضيف: «حماية الطفل في الدول الغربية لها الأولوية في جدول إهتمامات الحكومات بكل ما يتعلق بقضايا الأسرة والطفل».
وتشير الى أن هناك شروطا يجب أن تتوفر في من يتقدم للعمل في رعاية الطفل المعزول عن أهله. يجب بداية دراسة وتعلم مهارات خاصة من خلال دورات تكوينية تدرب من يرغب بهذه الوظيفة الإنسانية على كيفية التعامل مع الأطفال وتوفير المكان المناسب لهم ليشعروا بالأمان.
ويجب أن تتوفر شروط أخرى كأن تكون العاملة في هذا المجال تحب الأطفال وترعاهم كأولادها. وتضيف: «لا يقتصر الأمر على ذلك فقط. فهناك في بريطانيا على سبيل المثال جنسيات وأقليات مختلفة ومتنوعة. فعندما يكون الطفل مسلما يتحول لمربية اجتماعية وراعية مسلمة حتى لا يشعر بالتغيير أو أنه في بيئة غريبة. فاحترام الأديان أمر في غاية الأهمية بالنسبة للطفل ومراعاة مشاعره وانتمائه أمر ضروري».
دعم الأسر إجتماعيا
تقول السيدة كلثوم أن الأمر لم يعد يقتصر على حماية الأطفال اذ تعمل المؤسسات المختصة على علاج الأهل من الإدمان أو من الأمراض العقلية والنفسية التي أدت بهم الى إستخدام العنف مع انفسهم ومع أطفالهم، لأن الهدف في النهاية هو مصلحة الطفل.
وتشير الى أن هناك أطفال كثر للأسف لا يعودون الى أهلهم لأن الأبوين غير قادرين على رعايتهم. ويكون ذلك برغبة الأهل الذين يشترطون أن يكون هناك زيارات دورية للإطمئنان على فلذات أكبادهم بين الحين والآخر وأحيانا لا يمانعون في أن تتبنى بعض الأسر أبناءهم بشكل دائم.
وتؤكد ان هناك أطفالا يحرمون من الرعاية الاسرية والحضن الدافئ ليس لأنهم لايعيشون مع أسرهم بل لأن الأهل غير مؤهلين لرعايتهم. ويرى الباحثون في هذا الشأن أن حماية الأطفال من العنف المنزلي بعزلهم عن أهلهم هو الطريق الأسلم لعلاج المشاكل الأسرية والزوجية وحلها كشرط أساسي لعودة الأبناء الى أحضان الأهل، وأن الطرق القديمة في تربية الأولاد والتي تعتمد على العقاب والعنف بكل أنواعه لم تعد حلا ناجحا في التعامل مع مشاكل الطفل وإنما العكس.
فهذه الطرق تعمل على تحويل الطفل الى إنسان سلبي ضعيف الشخصية متمرد رافض يضرب ويكسر وربما يتحول الى الادمان والضياع وبالتالي فهو معرض للإصابة بالأمراض النفسية والعقلية.
ولا أحد يستطيع منع السلطات المسؤولة من أخذ الأطفال وعزلهم عن أهلهم خاصة عندما يتم التأكد من وجود خطر حقيقي على حياة الطفل. فالأوامر صادرة عن المحكمة المختصة بشؤون الأسرة ويجب أن تنفذ حتى في حال رفض الأهل.
وقد يبدو الوضع صعبا للغاية بالنسبة للجاليات العربية والمسلمة في الدول الغربية كونهم لا يعرفون قوانين حماية الطفل، ولأنهم يحملون معهم بعض الثقافات التي لم تعد صالحة لكل الأزمنة والأمثلة على ذلك كثيرة.
تجارب واقعية
السيدة غادة من أصل عراقي تقول: «مررت بتجارب صعبة في التعامل مع أطفالي. الصغير كان عمره 5 سنوات عندما ذهب الى المدرسة سألته المعلمة:هل أحد لديه أي مشكلة في البيت فأجابها: «بابا ضرب ماما». وبعدها اتصلت الشرطة للاطمئنان علي فورا لمعرفة حقيقة ما قاله إبني للمعلمة. وبالطبع نفيت ما قاله لأنه غير صحيح.
«لكن منذ ذلك الوقت وأنا قلقة من تدخل الخدمة الاجتماعية أو الشرطة وتتطور الأمر مع ابني الكبير البالغ من العمر14 عاما فعندما امنعه من الخروج مع أصدقاء غير أسوياء يهددني بأني إذا حاولت منعه وضربته سوف يشتكي ويخبر الجهات الاجتماعية لتقوم بحمايته مني. حتى أن والده سحب يده من الموضوع ولم يعد يتدخل حتى لا تتأزم الأمور وتلفق له تهمة العنف ضد أبنه».
أما السيد علاء من أصل جزائري فيقول: «أرسلت لي المدرسة رسالة تطالبني فيها بتحويل ابني الى مختصين ومعالجين بسبب حركته المستمرة وغير الطبيعية بالمدرسة وأنه طفل عنيف. وقالوا لي «هل الوضع في البيت على مايرام؟ أم أن هناك مشاكل وعنف؟» فطبعا أجبتهم بأن كل شيء على ما يرام. لكنهم آلحوا وحولوا ابني الى مختصين. وهم في زيارات دائمة لبيتنا للاطمئنان على ابني. أصبح الامر مزعجا جدا لنا لكن لا نستطيع فعل شيء فهذه هي القوانين ويجب الالتزام بها».
السيدة جنان من أصل مصري مطلقة وأم لثلاثة أطفال ترعاهم تقول: «في الحقيقة أولادي يمرون بمرحلة المراهقة وأحيانا أستخدم القوة واعنفهم عندما يخطئون. لكن ابنتي بدأت تلمح لي بأن عقابي لهم هو جريمة يحاسب عليها القانون وأنها تستطيع أن تبلغ الشرطة ليقوموا بسجني ومحاسبتي.
«وتقول إني لست اماً جيدة وانها تستطيع ان تحصل على رعاية أفضل من الرعاية الاجتماعية». وتضيف جنان أن الأمر خطير جدا وأنها تفكر فعليا بالعودة الى بلدها لتتجنب تهديد أبنائها لها في كل لحظة إذا لم تصغ لمطالبهم وحتى لا تخسرهم.
هي دروس تبقى صعبة على الإستيعاب. لكننا نتعلم منها آباء وأمهات وجهات تعليمية واجتماعية من أجل توفير رعاية أفضل لأبنائنا. ونحلم بأن تأخذ حيز التنفيذ في بلادنا حيث تنصح الهيئات الراعية لشؤون الأسرة وجمعيات حماية الطفل أن يتعلم الآباء من أخطائهم وينخرطوا في دورات وورش عمل تساعدهم على التعامل مع الجيل الجديد الذي تختلف طريقة تفكيره وفهمه بشكل كبير مع التطور الكبير والحداثة عن الطريقة التي تربى عليها الكبار.
فقد كان الحزم والشدة والاحترام و العقاب الطرق المتبعة في التربية عندما كانت السلطة واحدة في البيت. أما اليوم فتعددت السلطات الأبوين، الأصدقاء والمدرسة وشبكات التواصل الإجتماعي والأصدقاء الافتراضيين والكثير غيرهم.
وهنا ينصح المختصون الآباء بالحذر والإنتباه والمتابعة الدائمة لأطفالهم، فهم قنابل موقوتة إذا تم إهمالها ستنفجر ويتضرر الجميع. والطفل أحيانا يستغل الحماية القانونية هذه لمعاقبة والديه وهذا يعني وجود مشكلة حقيقية في علاقة الطفل مع أهله وطبيعة تواصلهم معه. فيبدأ بالبحث عن حماية خارجية عندما يشعر ان العيش مستحيل مع أسرة تكثر فيها الخلافات والعنف.
على الأهل إذن أن يحذروا ويصححوا الأخطاء اذا أرادوا حماية أبنائهم من الضياع والتشرد.
وجدان الربيعي