دعم الكتاب بين الجودة والرداءة

حجم الخط
0

تعرف الساحة الثقافية في الفترة الأخيرة رواجا على مستوى النشر، نظرا للدعم الذي وفرته وزارة الثقافة لدور النشر المغربية، لأجل تشجيعها على ترويج الكتاب، باعتبارها مؤسسات تقوم بطبع عدد من الإنتاجات الفكرية التي تتفاوت من حيث الجودة والأهمية، حسب نوعية الأسئلة والمواضيع المطروحة، سواء ما تعلق منها بما هو راهني في علاقته بما يحدث في الوطن العربي من تقلبات سياسية واجتماعية وثقافية، أو ما يخص الوضع الراهن للثقافة المغربية في علاقته بما هو إبداعي وفكري.. يشمل مجالات متعددة كالشعر والقصة والرواية والمسرح.
لكن المفارقة، هي على أي قاعدة معرفية يمكن تصنيف وتحديد أهمية نشر هذه الإنتاجات (الإبداعية)؟، وما هي معايير اختيار هذه الإنتاجات التي تتطلب مقروئية عالمة باحتياجات الوسط الثقافي المغربي؟ فمن المفروض أن تكون لكل دار نشر لجنة قراءة متخصصة، تحمل بعدا استراتيجيا في أفق توجيه القارئ بآليات علمية لبناء مشروع وتصور ثقافي، يعمل على تحديد الجودة التي يمكن من خلالها ضمان صيرورة ثقافية، تسعى في ظل العولمة والاستلاب إلى الانفتاح والتواصل مع كل الإنتاجات المعرفية لإثبات حضورها، ليس فقط محليا ولكن عالميا كذلك مع الحفاظ على خصوصيتها، في إطار تبادل فكري لا يجعل منها تابعا بقدر ما يجب أن يكون قيمة مضافة للإنتاج الإنساني، لكن ظهور المثقفين الافتراضيين، ضمن حرية تعبيرية فوضوية، خلق ارتباكا توازنيا، اختلط فيه الصالح بالطالح، فأصبحت الثقافة مرتعا ووعاء لنوع من الإنتاجات (الإبداعية) الوهمية، عبر وسائل تكنولوجية تواصلية، فبمجرد ما تنتعش هذه الإنتاجات، من خلال تشجيع مفترض، ينتقل البعض منها إلى مرحلة ورقية في حالة توفر الإمكانيات المادية الشخصية، فيصبح فيها الكتاب هو سيد الموقف، من دون حسيب أو رقيب، بعيدا عن شروط الطبع وأخلاقيات الإبداع، ومن دون دعم من بعض المؤسسات الثقافية التي تملك مصداقية النشر.
طبعا هذا ليس حكما قطعيا عاما، مادامت هناك فئة من المثقفين الذين يحترمون أنفسهم، ويملكون ناصية إبداعية تستحق النشر والمتابعة، وينشرون بدورهم في المواقع الافتراضية، نظرا لعدم توفرهم على إمكانية النشر، لكن هناك في المقابل من يملك الجرأة ويدعي امتلاك المعرفة، من منطلقات براغماتية صرفة، دفعتهم بأن يخوضوا كل المجالات المعرفية بدون خجل، متنقلين بين ضفاف الأجناس التعبيرية المثمرة التي يرون فيها كسبا لرزقهم، فنجدهم منبطحين وتابعين لولاة نعمهم يتنقلون بين حقول الأدب كالشعر والرواية والقصة القصيرة… والفن كالسينما والمسرح والتشكيل، ويجدون بالإضافة إلى كل هذا من يساعدهم على النشر من المؤسسات الرسمية، نظرا لوضعهم المهني فقط، بغض النظر عن البحث بدقة في فحوى كتاباتهم، التي تبحث عن موقع لها في الخريطة الثقافية المغربية، كمطية لوصول مسؤولية معينة ضمن الإطار الذي يشتغلون به.
فإذا كان دعم الكتاب عن طريق دور النشر، هو وسيلة من بين وسائل التشجيع على نشر الثقافة، فالأولى للجهة المدعمة، أن تعطي الصلاحية والأولوية للكاتب بما أنه المنتج للمعرفة، بأن يختار الناشر، حتى لا يبقى تحت رحمته كما يحدث غالبا، خضوعا لشروط تؤمن للكاتب ربحا موفورا لإتمام مهمته وضمان استمراريته وسلامة اختياره للمواضيع الهادفة التي لا تخضع لطلب السوق التجارية، وحتى تقطع الطريق على من تسول له نفسه الربح على حساب الثقافة والمثقفين.
ولهذا وتبعا لما سبق، تفيد كل المعطيات المتعلقة بالنشر، أنه كان من بين العناصر المؤثرة في تردي الجودة على مستوى المضامين الإبداعية والفكرية، لابتعاده عن الأهداف التي تصب في معين القضايا الحقيقية للثقافة المغربية، فإذا كان الدعم إضافة ومكسبا إيجابيا، فعلى الساهرين على منحه أن يراقبوا جودة الإبداع حتى لا نصل إلى ما وصل إليه الإنتاج المعرفي من ميوعة وادعاء، وحتى نتجنب مشكلة العزوف عن القراءة الحاصل الآن، سواء في المغرب أو في العالم العربي، استنادا للإحصائيات الأخيرة التي تتعلق بتراجع القراءة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، أنه حصل ذات مرة في سنة 1984 عندما كنت في زيارة لمدينة صغيرة هولندية تسمى «أوتريخت»، وقعت حادثة على مرمى من أعين المارة، إذ تم اعتقال بائع جوال للوحات تشكيلية، بعدما أصدرت بلدية المدينة أمرا بتوقيف البائع ومصادرة هذه اللوحات، كان ذلك بسبب عدم توفر العناصر المؤثثة للعمل الفني، مخافة من إفساد ذوق المتلقي، باعتبار أن هذا الجنس التعبيري الفني له أمكنة مختصة ومصادق عليها كالأروقة والمتاحف، وكذا المساحات الخارجية، التي لا يمكن وضع نحت أو نصب في فضائها، من دون وجود شرط الموافقة في إطار عقدة تحدد بموجب جودة العمل بين الفنان والجهات المسؤولة، وقوفا ضد أي تسيب قد يفسد الذوق العام.

فنان تشكيلي وناقد من المغرب

شفيق الزكاري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية