انتهى الاحتفال، الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، الفيلا في الغابة، قالت كلمتها ولم تنجح في أن تقرر. الدولة انهارت إلى هذه الانتخابات وهي تحمل على ظهرها شحنة مستحيلة من المشاكل. حطامها وشظاياها متناثرة في كل صوب بعد ست سنوات من النظام التهكمي، المتملص، المفزوع والمنفلت الذي قضم كل قطعة طيبة وكأنه جيش من الجراد الجائع.
لقد كان هذا نظام انخرط جيدا في المنطقة التي يعد فيها الرعب والتهديد هما الوسيلتان الوحيدتان اللتان توفران طاعة المواطنين وتفرضان الصمت الجماهيري.
ذات مرة كانت الدول العربية هي التي اشارت إلى اسرائيل كمصدر لكل مشاكلها. وقد استوردت اسرائيل هذا الابتكار وطبقته بنجاح هائل. ميزانية دفاع عديمة اللجام؟ لا مفر، نستعد لإيران. تقليصات في جهاز التعليم؟ أولا الحرب وبعد ذلك التعليم.
«إيران اولا» اصبحت سبب وجود الدولة اليهودية. اولا يهودية وبعد ذلك ديمقراطية، لان الديمقراطية، حقوق الاقليات وحرية التعبير هي ترف لا يطاق في دولة تقاتل في سبيل روحها.
لقد كان هذا هو النجاح الاكبر لنتنياهو الذي بترهاته اقام نظام رعب تقاس فيه المواطنة فقط حسب الولاء المتزمت لخريطة التهديدات التي يرسمها الحاكم. واستوجب ايديولوجية الخوف هذه غلافا سميكا من الاكاذيب. من الكذبة الفظة التي يعرض فيها على يهود العالم اسرائيل بصفتها الدولة الآمنة الوحيدة التي يمكنهم فيها ان يخافوا بشكل حر، عبر كذبة «اللاشريك» التي شطبت كل فرصة للحوار مع الفلسطينيين، وانتهاء بالوعد المفزع في أن اسرائيل يمكنها أن تعمل وحدها حيال إيران حتى بدون الولايات المتحدة.
لقد نجح نتنياهو في أن يستبدل المبدأ الذي يقول ان الدولة توجد من أجل مواطنيها بالاساس الفاشي الذي يقول ان المواطنين يوجدون من اجل الدولة.
وهذه حملة بقاء مناسبة ربما لدولة في بداية طريقها ولكن ليس لثمانية ملايين مواطن ممن ليسوا مستعدين بعد نحو سبعة عقود لان يسيروا مع السكين بين الاسنان.
ثمة من يقول انه لو كانت الدولة شركة لكان يمكن التخمين في أن مجلس الادارة كان سينظر في حلها واعادة بدء كل شيء من جديد أو ربما عرضها على البيع بالمزاد. خطأ. هذه دولة توجد لها ذخائر كثيرة، ولا سيما مواطنون تعلموا كيف ينجون رغم الحكومة. فهي لم تتنازل عن رؤياها رغم أن هذه الرؤيا بهتت وتبدو كنسخة مشوشة عن الاصل. ولكن على كل هذا تضلل سحابة ثقيلة من الخوف الذي جعلها دولة تنكمش في الزاوية، دولة حتى جيشها الهائل لا يمكنه أن يهدىء من روعها.
ان الانتصار الانتخابي لنتنياهو، اذا كانت العينة تعكسه بالفعل، يوضح كم هو متماسك الخوف الذي انغرس في الدولة، وكم تحولت إيران، حزب الله، داعش وحماس لتصبح الشريك الاستراتيجي لنتنياهو. والافظع من ذلك هو أن نصف مواطني الدولة تصرفوا امس وكأنهم مصابون بمتلازمة ستوكهولم ممن وقعوا في عشق خاطفيهم.
أما النصف الثاني فسيتغذى لزمن آخر ما على الاحتمال في أن يقف اسحق هرتسوغ على رأس الحكومة. احتمال طفيف، غير واقعي في ساعة الليل التي تكتب فيها هذه الكلمات. ولكن هذا هو المسار الوحيد الكفيل بان يضمن الانقاذ من غياهب البكاء.
صحيح، ليس لهرتسوغ ميزانيات عجيبة تهبط عليه من السماء، والفلسطينيون لن يقفوا في الطابور كي يقدموا له الخبز والملح والاقزام لن ينبتوا بين ليلة وضحاها عشرات الاف الشقق على شرفه. ولكن هرتسوغ هو الوحيد القادر على أن يروي للمواطنين قصة جديدة. قصة عن دولة توجد لها حدود، تعترف بحيوية اصدقائها في العالم، ترى في الفلسطينيين شريكا، والحلم الصهيوني لا يستوجب الجلوس على جبال جرداء في بلاد المستوطنات.
لقد انتقل اختيار هذا المسار امس من المواطنين إلى زعماء الاحزاب، من البواطن إلى الاعتبارات العقلانية والى مساومات الاخذ والعطاء. فهذه هي التي يمكنها ويجب عليها أن تعطي الاحتمال لرئيس وزراء آخر. ان تعطي الدولة الفرصة للانتصار.
هآرتس 18/3/2015
تسفي برئيل