دعوة إلى «المزاوجة السعيدة» بين الإسلام والحداثة

حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي» من الطاهر الطويل: يرى الباحث المغربي سعيد بنسعيد العلوي أن الحوار بين المسلمين وغيرهم من شعوب العالم مسألة ضرورية لا اختيارية. كما يشدد على وجوب ممارسة نوع من النقد الذاتي والتجديد الديني من خلال «المزاوجة السعيدة» بين الإسلام والحداثة، على حد تعبيره.
في كتابه «قول في الحوار والتجديد: المسلمون والمستقبل» الصادر ضمن منشورات «رؤية» (266 صفحة من القطع المتوسط)، يرى بنسعيد العلوي أن «النقد الذاتي المطلوب، ليس البكاء على الأطلال بالارتكان إلى الماضي الذهبي الزاهر، وليس المراد منه الاستسلام وجلد الذات، ولا يكون له معنى متى كان تنكرا للمقومات الروحية من جانب أول، ورفضا للحداثة وأسبابها من جانب ثان». ويوضح أن النقد الذاتي المطلوب هو إرادة التغيير والفعل، والسعي إلى المزاوجة بين الإسلام في قيمه وثوابته وبين الحداثة ومستلزماتها. إنه استلهام للعصر الذي نقول عنه إنه عصر النهضة ولمفكريها واقتداء به، ومن ثم فهو استحضار للمكونات الأساس في الدعوة الإسلامية.
وباعتقاد مؤلف الكتاب، أنه رغم ما يوجد في العالم من صراع وتنافر وكراهية وتصادم، فإن البشرية تتجه مع ذلك ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ إلى ما من شأنه أن يجنبها الحروب العظمى التي تؤدي إلى الخراب والدمار الشاملين. ومن ثم، فهي تسعى ـ ضرورة لا اختيارا ـ إلى مد قنوات الحوار والتفاهم. والمسلمون، في مختلف البقاع التي يوجدون فيها، معنيون بالحوار ومطالبون به، أو هم بالأحرى يضطرون إليه اضطرارا، من أجل الدفاع عن النفس ضد الاتهام والهجوم المستمرين اللذين ينالانهم، ومن أجل البحث عن الهوية القلقة والخروج من حال الوجود المأزوم. وبهذا الصدد، يشير المؤلف إلى وجود صورة نمطية عن الإسلام، يصبح فيها الدين الإسلامي نظاما جديدا يختلط فيه الدين بالغلو في الدين، لكي يغدو الإرهاب ـ في عملية سيكولوجية/ ثقافية شديدة التعقيد والتشويه ـ عنوانا للإسلام ودالا عليه.
ومن ثم، فإن الحوار الذي يلحّ عليه العلوي يستدعي أطرافا عديدة، يحددها على النحو التالي: إن هذا الحوار هو ـ أولا وقبل كل شيء ـ حوار داخل الإسلام وبين أهله في بلدان العالم الإسلامي العربية وغير العربية؛ وهو ـ ثانيا ـ حوار مع أهل الديانتين السماويتين. وهو ـ أيضا ـ حوار مع الغرب الأوروبي والأمريكي، ومع الصين وقوتها الصاعدة وساكنتها الذين يعادلون مجموع أهل الإسلام في الأرض جميعا. علاوة على حوار مع أطراف أخرى كالهند واليابان وأستراليا ودول أمريكا اللاتينية.
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن الكثير من أهل ملة الإسلام يشتكون من سوء الصورة التي ترتسم للإسلام والمسلمين في الوعي الثقافي الغربي عامة، ويرون في مقدمة المهام التي يلزم المثقفين والمنظمات الثقافية الكبرى الاضطلاع بها هي العمل على تصحيح تلك الصورة بكل الوسائل المتاحة. ويوضح بنسعيد أن تلك الصورة ليست في حاجة إلى تصحيح فحسب، بل إنها تستوجب إعادة التكوين والاستئناف الجديد بتوسط الوسائل السمعية البصرية، وبمراجعة منهجية شاملة لما يكتب عن الإسلام في الكتب المدرسية والمؤلفات الجامعية، فضلا عن القواميس والمجامع الكبرى والمجامع الفكرية.
ويفسر تجديد أمر الدين بكونه إحياءً للسّنّة، من حيث إن الاتّباعَ الصحيح إحياء لها، مثلما يعني محاربة البدعة. والتجديد مناف للغلو، باعتبار أن الغلاة هم أول من يكون فاقدا للأهلية في القول في التجديد الديني، ذلك أن التجديد ـ في حقيقته ـ انفعال مع العصر واستجابة لمقتضياته وإرادة لجعل المسلمين في حال من القدرة على الانخراط فيه، والحال أن الغلاة أشد ما يكونون انصرافا عن العصر وأهله، وأبعد ما هم عن معنى التجديد ودواعيه. ثم يضيف المؤلف قوله إن التجديد الديني الحق يستدعي التوفر على مشروع مجتمعي متكامل مثلما يستدعي التوفر على مشروع سياسي يكون بموجبه التوافق بين إمكان الدين الإسلامي في حياتنا المعاصرة مع السعي لإقرار مبادئ الحداثة الحق والانخراط في سيرورة التحديث الشامل.
من القضايا التي تستدعي النظر في التجديد الديني، يشير مؤلف الكتاب إلى تلك القضايا التي تتّصل بالبدع المتفشية، وأشدها خطرا بدعة الغلو، ومصدرها الجهل والقول في الدين عن جهل، وبدعة المسارعة إلى تكفير المخالفين في الرأي وإخراجهم من الملة، وبدعة الانشغال بالهامش وما كان دون ذلك من أمور تتصل بالعبادات أساسا، وتلك الأخرى التي تقوم في «تأثيم» المجتمع برمته حينا، وفي تكفيره وإعلان «جاهليته» حينا آخر.
أما بخصوص السؤال عمّن يمتلك شرعية الحديث عن التجديد، فيحددهم في فئتين: الفئة الأولى، الأساس والمرجع في الشأن الديني، هي فئة علماء الدين القادرين على القول في الدين علماً واجتهاداً وفهما عميقا لمقاصد الشريعة الإسلامية. والفئة الثانية: النخب المتشبعة بقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحوار بين الثقافات والحضارات.
ويستخلص سعيد بنسعيد العلوي أن دائرة شرعية التشوّف إلى التجديد الديني تتسع لتقبل في صفوفها كل من كان مؤمنا بالدين الإسلامي (ثوابته وأركانه)، متشرباً للقاعدة الأصولية الجامعة التي تقتضي بأن شرع الله يتحقق، حيث تكون مصلحة العباد، شريطة أن يمتلك الأداة المعرفية الضرورية لفهم هذه القاعدة والوقوف على دلالتها الحقيقية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية