دعوة عاشق

حجم الخط
1

لم يكن مثل باقي السجناء ولا يشبههم في شيء، كان كتوماً وقليل الكلام، مغرماً بالقراءة وكتب الفلسفة، حيث قرأ لسارتر، ديكارت، ابن رشد وآخرين ممن تركوا أثرهم القوي على أفكار الرجل وتصرفاته مع الأحياء والموتى، بل كثيراً ما وجد نفسه يتحدث مع عنكبوتٍ ينسج خيوطه بهدوء في ركن مظلم يعلو سريره، ممددا على هذا الأخير يخاطب العنكبوت قائلا: تبا لك من عنكبوت يعشق العيش داخل أقفاص لم تبن لك، بينما لا أقبل الحياة داخلها وإن هيئت لي..
مكورا يلتف حول جسده الهزيل وكأنه يحرص على الحفاظ أو ادخار ما تبقى بحوزته من دفء.. يأتيه صوت يكسر هيبة الهدوء ويبدّد صمت المكان، صاخباً يستمر طائر الدوري في الصدح بأغان طنانة كل صباح باكر، عبر منور التهوية للجناح في السجن السداسي الشكل.. الأمر الذي لم يتحمله السجين الغاضب، فبدأ ينقر الحائط الذي تعلوه النافذة، تارة بقلم، وتارة أخرى بكأس يستعمله للشرب، حتى يخيف الطائر ويبتعد عن المكان، شيء من ذلك لم يتحقق. يعود إلى مكانه ورغبته في النوم تلازمه لكن صوت الدوري لا يزال يمنعه من إغماض عينيه، والاستسلام لنوم هادئ، يأخذ رأسه بين يديه، يحكم إلصاق الوسادة حول أذنيه، فينجح في مواصلة نومه.. يتكرر المشهد نفسه كل صباح، مضطرا يتعود السجين على ذلك الصوت رغم أنه يجد صعوبة في تحمله.
ذات صباح أتاه صوت عذب بألحانٍ جميلة، لم يتردد في النهوض ورفع رأسه إلى الكوة المغمورة بضوء الصباح للنظر عبرها..عقدت الدهشة لسانه، وتوقف عن كل حركة ليتأمل طائر الدوري المعهود وقد أضفت أشعة الشمس على ريشه الرمادي لونا فضيا جذابا، الجاذبية لم تتوقف عند شكله، بل تعدتها إلى تغريدات ساحرة ظن قبل أن يعرف مصدرها أنها لحسون أو كناري..
كان مصدر ذلك الجمال الآسر، منبعثا من الدوري وأنثاه المرافقة له، ينظر بين يديه يجد نفسه ممسكاً بقلم كان ينوي النقر به على الحائط لإخافة الطائر، ينتفض مبتسما، ويضع القلم فوق أحد كتبه، ثم يتابع الإصغاء مستمتعا بحوار العصفورين..
الرؤية تتضح ومصابيح الطريق تستعيد وهجها، أسوار الزنزانة تختفي، سياط التعذيب تُنسى، فوهة الخوف، التهديد، حتّى حذاء الجلاد المطلي بلون الحقد يتلاشى، الظلام المنتشر في أركان المكان ينقشع ويكشف عن أسنان السجين الناصعة التي يتدفق بياضها بقلب ذلك القلم الجاثم على الكتاب..
«أطلبني، أستجب لك»
نبرة، على أوتارها يخاطب القلم صاحبه الذي تنط حوله فراشات منتشياً بتغريدات الدوري.. قريبا ستطل عليّ فراخه منهمكة بتلقيها الدروس الأولى في كيفية التحليق في سماء الحرية، مستعدة للهجرة نحو الوطن الدافئ.. تمتم السجين في داخله قائلاً أنا أيضا سأهاجر إلى نفسي، وسأعود إلى أحضان كتبي وأتغنى بجنوني، سأزاول رياضتي المفضلة، سأمسح عما حولي من جدران نعيق الغربان حتى لا أتعب، سأبني محطة بيضاء تستقبلني خارج الانتظار، من نور خفيٍّ سأكتب لها رسالة حب لم يسبق لأي عاشق قبلي أن خط مثلها، غدا سآمر الكارديان، ماذا؟ أقصد سأستجديه تزويدي بنبتة الصبار المزهرة وسأقوم بتسجيل شريط فيديو لطائر الدوري وهو يغازل أنثاه، ثم أبعث به لها مع رائحة جلدي ودخان سيجارتي..

قاصة من المغرب

دعوة عاشق

سعيدة لقراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية