دفاعا عن الدستور

الدستور ليس نصا ربانيا مقدسا، لكنه ـ أيضا ـ ليس منديل كلينكس، يرمى في سلة المهملات بعد الاستعمال الشخصى العابر، ونصوص الدستور ليست موضوعا لعبث مجاني، يجهل قواعد نظم الحكم، ويفتئت على حقوق الناس، فالدستور عقد اجتماعي ملزم لمدى طويل، والدستور جوهر نظام الحكم، وكل انتهاك للدستور هو انقلاب على نظام الحكم، وانقلاب على الشعب، ونزع لشرعية السلطة، وجعلها محض حالة تسلط.
ولمصر الآن دستورها الدائم بعد الثورة، جرى التوصل إليه بعد عدة إعلانات دستورية، أعقبت ثورة 25 يناير 2011، وصدرت أخرى بعد ثورة 30 يونيو 2013، وإلى أن جرى الاستقرار على ما يعرف بدستور 2014. وقد جرى الاستفتاء عليه شعبيا، وحصل على موافقة شبه إجماعية من المشاركين في الاستفتاء، ولم يشارك في الاستفتاء أحد من الذين يرفضون بالجملة نظام الحكم الجديد، أو الذين لهم ثارات سياسية مع ما جرى في 30 يونيو، وما بعدها، وهؤلاء لا يعترفون أصلا بالدستور الجديد، ولا بما ترتب عليه من انتخابات رئاسية وبرلمانية، ولا يخفون نيتهم ومساعيهم لقلب نظام الحكم، وموقف هؤلاء مفهوم الدواعي، وإن خاب سعيهم حتى مع اللجوء للعنف والإرهاب المهزوم حتما، لكن ما يبدو غريبا وشاذا بحق، هو بعض الدببة الذين يدعون ولاء لنظام الحكم الجديد، ولا يكفون عن إعلان الرغبة في تعديل الدستور، وإلى حد الانقلاب عليه، ومنذ وقت مبكر جدا، وحتى قبل أن يجف حبر نصوص الدستور، وقبل أن تطبق أحكامه، أو أن يجري إصدار القوانين المكملة للدستور، وهو ما لم يتم حتى تاريخه.
وقد لا تبدو من حاجة لتنبيه إلى خطورة المسعى المعني، ولكم في التاريخ عبرة وعظة، فقد انقلب الملك فؤاد على دستور ثورة 1919، واصطنعوا له دستورا عرف باسم «دستور 1930»، وأرادوا إحلاله محل الدستور الأصلي الذى صدر بمرسوم ملكي في 1923، وكان ذلك سببا في غضب عارم، وصل إلى ذروته في صيحة عباس العقاد تحت قبة مجلس النواب، وصرخته الشهيرة عن تحطيم «أكبر رأس في البلد» إذا مس الدستور. ثم تكررت صنوف العبث نفسه، وزادت في العقد الأول من القرن الجاري، وجرت تعديلات مزاجية في 2004 و2007، وجاءت كلها على المقاس العائلي، وجرى التظاهر باستفتاءات أدار الناس لها ظهورهم، وبدون أن تؤدي التعديلات إلى إعاقة الأقدار المحتومة، فقد جرت الثورة التي أغلقت الملف، وإن جرى فتح ملفات أخرى، تظل مصر تعيش فيها، وإلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، وينجح المصريون في بناء نظام سياسي ديمقراطي كامل، لا يدعي أحد أننا وصلنا إليه بعد، وإن كان احترام الدستور هو حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي، وليس استسهال العبث بنصوصه، أو اعتباط الكلام عن تعديلات الدستور، وكأنها تعديلات تجرى على قانون المرور.
فتعديل الدستور حدث جلل في حياة أي بلد يحترم ناسه، ولا بد أن تتوافر له ضرورات ملحة، يسلم بها أغلب الناس في حوار وطني جامع، وفي توقيتات بعيدة عن إثارة الريب، وتدرأ الشبهات عن التصرفات. وقد لا يكون دستور 2014 هو غاية المراد، وفيه عيوب ونواقص بالطبع، لكنه ينطوي على ميزات غير مسبوقة، لا تظهر في الواقع بغير تطبيقها الأمين، فالفصوص أهم من النصوص، والدستور ليس حلية للزينة ولا قطعة ديكور، وإن لم تمش نصوصه حية بين الناس، فقد لا تكون له من قيمة كبيرة ولا صغيرة، وقد جربت مصر كثيرا نظرية تهميش الدستور، والانقلاب على نصوصه في الواقع، والعيش طويلا في الحرام الدستوري، وكانت النتائج على ما نعرف، وعلى نحو ما جرى لدستور 1971، الذي كان وثيقة دستورية متقدمة، حددت قواعد النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبخلاصات تجربة ثورة 1952، التى جرى الانقلاب الفعلي عليها بعد حرب 1973، وإهدار الثورة والدستور معا، وإلى أن جرى العبث بنص الدستور المعلق عمليا، الذي كان ينص على تحديد مدد الرئاسة بفترتين لا غير للشخص الواحد، وجرت إزالة النص الحاكم، وفتح مدد الرئاسة ،إلى ما شاء الله، وقصدوا بالتعديل خدمة الرئيس السادات، الذي لم يستفد من التعديل بسبب اغتياله الدامي على منصة 6 أكتوبر 1981، ولم يكن قد أكمل بعد فترة رئاسته الثانية، وكان ذلك نوعا من سخرية الأقدار، فلم يكسب الرئيس السادات بما جرى من تعديل التمديد، بل كان الكسب الشخصي لخلفه مبارك المخلوع في ما بعد، الذي ظل في بيت الرئاسة لثلاثين سنة، وكاد التمديد يتحول إلى توريث، وإلى أن قامت ثورة شعبية عارمة، أيدها الجيش المصري، وخلعت من كانوا يظنونه لا ينخلع. وربما كان هذا الميراث بالذات، هو الذي جعل المشرع الدستوري يحتاط، ويتشدد في تحديد مدد الرئاسة على وجه الخصوص، ففي كل الإعلانات الدستورية التى صدرت بعد الثورة الشعبية، وفي الدستور الجديد طبعا، نلمس زيادة في التأكيد على تقييد مدد الرئاسة، وحصرها بفترتين لاغير، قوام كل منها أربع سنوات لا تزيد، ثم أضاف الدستور الجديد أمرا غير مسبوق عندنا في باب المبادئ العامة، حين وضع شروطا مشددة لأي تعديل لاحق في نصوص الدستور، وحظر تماما إجراء أي تعديل في مواد الحريات والحقوق ومدد الرئاسة، أي أنه جعل مواد الرئاسة مغلقة حديدية، تستعصي على أي تعديل، حتى لو جرى الشروع فيها بموافقة كل أعضاء مجلس النواب، وهو ما يبرز فداحة ومخاطر دعوات البعض المعادة والمزادة لتعديلات في مواد الرئاسة بالذات، وقد حذرنا منها مبكرا، وتوقعنا مع أول سنة حكم للرئيس السيسي، أن يلجأوا إليها في العام الأخير لفترته الرئاسية الأولى، وها هم يفعلون، وبدون وعي ولا تحسب لخطورة الدعوات ومضاعفاتها، فالدستور يحظر تعديل مواد الرئاسة بصورة تامة، وكل اقتراب بالتعديل من هذه المواد، لا يعد في مقام التعديل المشروع دستوريا، بل هو إطاحة للدستور، وانقلاب كامل عليه، والانقلاب على الدستور انقلاب على نظام الحكم نفسه، ولا يصح تحصينه حتى باستفتاء شعبي، فما يبنى على باطل هو البطلان نفسه، وبوسع من يعاند، أن يطلب تفسيرا من المحكمة الدستورية العليا، وإن كانت النصوص المعنية صريحة قاطعة، وبما يغني عن الحاجة إلى تفسيرات وفتاوى.
والغريب المريب اللافت، أن الذين يدعون لتعديلات في مواد الرئاسة، لا يبالون حتى برأي الرئيس السيسي نفسه، وقد عبر عنه مرارا وتكرارا، في أحاديث صحافية لمنابر إعلام دولية، وفي خطابات عديدة موجهة للرأي العام المصري، وقالها بوضوح، وأعلن أنه لا يقبل الاستمرار في كرسي الرئاسة ليوم واحد زائد على ما نص عليه الدستور، وكرر النص المؤكد لفترة رئاسة الأربع سنوات لا تزيد، وعلى عدم جواز الترشح للرئاسة بعدها إلا لمرة واحدة لا غير، ولم يترك الرجل ثغرة في جدار تأكيد التزامه المعلن بالدستور، ورفضه بالتبعية لدعاوى من نوع عدم كفاية فترة السنوات الأربع، أو الرغبة في مدها إلى ست سنوات، وبدعوى إتاحة زمن أوسع لتبيان الإنجازات، فقد فات هؤلاء أن الرئيس الناجح قد يبقى لفترتين متواليتين، ولمدة ثماني سنوات تكفي جدا، ولم يعلن الرئيس السيسي صراحة إلى الآن عن رغبته في الترشح مجددا، وإن كان مفهوما عزمه على إعادة الترشح، وهو لا يخشى سوى انخفاض نسبة التصويت، وعلى نحو ما جرى في انتخابات البرلمان الحالي، وهو ما نبهنا إليه مبكرا، مع تراكم دواعي الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وبدا الرئيس ملتفتا إليه بشدة في كلامه الأخير أمام مؤتمر الشباب في الاسكندرية، وناشد المصريين النزول بكثافة في انتخابات الرئاسة المقبلة، وهو ما يلفت النظر إلى عقبة أخرى تنتظر المروجين للتعديلات اياها، فلم يبق على موعد انتخابات الرئاسة سوى شهور معدودة، لا يصح معها توقع استجابة محسوسة للناس في الذهاب لاستفتاء على تعديلات في الدستور، ثم دعوتهم مرة ثانية للنزول لانتخابات الرئاسة، وكأنهم يدعون ـ ضمنا ـ لتنفير الناس من الذهاب للمشاركة في تصويت الرئاسة، خصوصا مع توقع عدم نزول مرشحين يعتد بهم في منافسة الرئيس السيسي.
وليست القصة ـ طبعا ـ في تزكية الرئيس السيسي، فالقرار قراره، وهو يرضى بحكم الشعب كما يقول، ولم يعد بوسع أحد تزوير انتخابات مصر بعد الثورة، ولا تزوير الدستور بدعوى تعديله، فللدستور شعب يحميه.
كاتب مصري

دفاعا عن الدستور

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية