دفاعا عن النقد التنويري في الفضاء العربي الشقي

«لكم تمنيت أن أرى النور في بلد ديمقراطي وأن أعيش حرا وأموت حرا»
روسو

ينطلق هذا المقال من فرضية متفائلة تكرر شعار النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، الذي يقول بأن المستقبل الذي نسعى إليه يوجد في الحاضر، وما يحتاجه للتحقق سوى النقد التنويري، باعتباره أداة للفلسفة العقلانية. والحال أن توجيه الفلسفة نحو الحاضر، بدلا من استغراقها في تاريخها، كانت بدايته مع فيلسوف التنوير والنقد إمانويل كانط، ذلك أن كانط في مقالة: «ما التنوير؟» أسس فلسفة الحاضر بلغة فوكو، هكذا أصبح السؤال الكانطي، ما هو هذا الحاضر الذي نعيش فيه؟ وبماذا يتميز؟ وما الذي يجعله أكثر تفاؤلا للإنسان؟ هل لأن رياح التنوير بدأت تهب على روح العصر؟ أم لأن عصرنا أصبح عصرا عظيما لأنه منحنا ملكية الفكر والحرية والحق في النقد؟
لا نريد أن نعيد ما قلناه في كتابات سابقة، لذلك سنقتحم البنية السياسية التقليدية بواسطة مقاومة النقد التنويري، الذي يبدع مجتمعا مدنيا حيا، بعدما حولته هذه السياسة إلى جثة ميتة يتم الاسترزاق بها من أجل الحصول على مناصب عليا في السلطة، وبتعدد أشكال المقاومة؛ الممكنة، والعفوية، والعنيفة، والمتفق عليها، والمنعزلة، والمستبعدة، فإننا سنركز تأملات هذا الفصل على مقاومة النقد لأشكال الهيمنة الدينية والاجتماعية والإثنية، باعتبارها اشكالا همجية للاستغلال، تقوم على تخدير إدراك المجتمع بالخطاب الأسطوري، وتفصل الإفراد عن حاضرهم، بل أنها تحارب كل ما يربط الفرد بنفسه ويضمن خضوعه، بيد أن هذه المقاومة لا تتم خارج حركية المجتمع، ومنطق السلطة التي تتحكم فيه، لأنها لا تتميز بالقمع فقط، إنها تنتج المجتمع، وتخلق المعارضة الخاصة بها في الأحزاب والنقابات والصحافة، ولعل هذا ما يسميه فوكو بالتكنولوجيا السياسية التي تصنع الأجساد الطيعة. وكلمة: «سلطة تعني الاستراتيجيات التي بواسطتها تفعل موازين القوى فعلها وتتجسد خطتها العامة أو تبلورها المؤسساتي في أجهزة الدولة، وصياغة القانون، والهيمنة الاجتماعية»، لكن أين توجد السلطة؟ وبعبارة أخرى ما هو الموقع الذي تحتله؟ وكيف يمكن للنقد التنويري أن يغزو بنيتها المغلقة؟ هل ينافسها في الحقل نفسه الذي تنتجه وتستهلكه؟
ما يجعل مهمة النقد التنويري صعبة، إن لم أقل مستحيلة، هو انتشار السلطة في الجسم الاجتماعي، والتحكم في مصيره، إلى درجة أنها أصبحت حكومة ومعارضة، تصادق على قرارات، وتحتج عليها، ولذلك فإن دولوز كان مندهشا في تحديده لمفهوم السلطة، إذ يقول: «هي ذات موقع لأنها ليست على الإطلاق شمولية، لكنها غير ذات موقع لأنها ليست قابلة لأن تحصر في مكان بعينه لكونها منتشرة». تكتسح كل الأماكن، تمارس فعلها بالدعاية، وتتحكم في لاوعي الشعب، وتهيمن على إرادته بواسطة إنتاج الحقيقة، وهي تفترض أن لها أعداء في الخارج، وهذا ما يؤجل ازدهار المجتمع، وتعميم نعمة العيش الكريم، وهذا هو الأسلوب الحضري الذي توجه من خلاله النقد التنويري، ودفعه إلى الهامش، بل وإظهار عدم فعاليته، لتصبح المهيمن الوحيد على المجتمع وعلى مؤسسات الدولة انطلاقا من الموظفين الكبار الخالدين في مناصبهم. ليس من السهل إبعاد السلطة عن إنتاج المجتمع الذي تريده، لأنها بقدر ما تقمع وتراقب وتجرد وتخفي، بقدر ما تنتج الواقع والحقيقة. بغرض المنفعة والطاعة والسيطرة، لأنه في قلب التضاد يتقوى فعلها؛ أوامر وطاعة، فنا للحكم، وحرفة لقيادة سلوك الأفراد والجماعات .
وبما أن الحرية أصبحت عنصرا ضروريا في الحكم، فإن السلطة تتخذ منها مدخلا للفصل بين المجتمع المدني والدولة. هكذا يتم توقيف الضباط ورجال السلطة الذين قاموا بقمع حرية العمال والطلبة وفعاليات المجتمع. لأن اليد التي أحدثت الجرح هي نفسها التي تداويه. فحكم المجتمع بالحرية لا يعني تركه يتحرك خارج استراتيجية السلطة، بل إن الغاية تبرر الوسيلة، كما يقول ميكيافيلي، الذي كان يجعل من أمن الأمير غايته على حساب الشعب كوسيلة لتوفير البذخ. ذلك أن تضحية الشعب ضرورية من أجل الحفاظ على السلطة؛ القهر في مقابل البذخ. والحال أن الفلسفة السياسية لا تستغرب من غموض العلاقة بين السلطة، باعتبارها علاقات القوى، وبين الدولة كمقاولة تحتكر شرعية العنف، من أجل إنتاج المجتمع الانضباطي، ولنا أن نتساءل عما إذا كانت هذه المقاربة الوصفية لغموض السلطة كقوة تصارع القوى الأخرى في المجتمع، تهدف إلى تفكيك السلطة انطلاقا من هفواتها، أم أنها أسئلة شغوفة بمستقبل أفضل، وحياة حرة ومبتهجة، وبعبارة أخرى، ألا يكون هذا التحليل لميكروفيزياء السلطة قد أصبح متجاوزا في المجتمعات التقليدية حيث تمتزج السلطة السياسية بالسلطة الدينية؟ فما هو الوجه الأكثر حضورا في حياة الناس؟

كاتب مغربي

عزيز الحدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية