دفاعا عن نخبوية الثقافة

النخبة هم أشخاص شفعتْ لهم أعمالُهم العظيمة، فأصبحوا محلّاً للثقة ومرجِعاً للاستشارة. سمّاهم العرب «الأشراف» وسمّاهم الأوروبيون «النبلاء»، وهم في اليونان القديم «الأوليغارخيا» التي طالبَ أفلاطون وأرسطو بتسليمها حكم البلاد، بدلاً من حكم الشعب.
في الغالب لا يمارسُ أبناء النخبة الأعمال التجارية أو الحرفية، ولا يدخلون في مجال التنافس المادي، لأنّ الدخول في هذا الباب سوف يلوّث صفاءَ عنصرهم الأصيل، ويحرف أقوالهم وأفعالهم عن معيار النزاهة، وبالتالي يخسرون ميزات الشرف والنبالة. العمل الذي كانت تقوم به النخبة هو إدارة شؤون الجماعة، يوازيه عملٌ أكثر أهميةً، وهو إنتاج الأدب والفنّ واللاهوت. فالتنافس في المجال الفكري والأدبي هو مجال النخبة، لكونه يرفع من إنسانيّة الإنسان، وينأى به عن الغرق في التنافس المادي الذي يجلب الحروب والاستغلال والاستعباد.
من هم النخبة اليوم؟
هذه النخبة البائدة لم تعدْ موجودةً اليوم، بحُكْم التغيُّـرات الكبرى في منظومات الإنتاج الاقتصادية- الاجتماعية، وهذا ما أدّى إلى حلول التخصُّص محلّ النخبة. لقد تفرّعت العلوم اليوم إلى عشراتٍ من العلوم الفرعية، وتعدّدت الاختصاصات ضمن الفرع الواحد، ما يعني استحالة تمكّن شخص واحدٍ مهما بلغَ من الرفعة العلمية، أنْ يحيطَ بعلمٍ من العلوم إحاطةً كاملة. إنّ مجالات العلم والعمل اليوم هي مجالات تخصُّصية، يعمل فيها أفراد امتلكوا المعرفة النظرية والخبرة العمَلية اللازمة لها. هؤلاء المتخصّصُون هم النخبة الجديدة. جميعنا نستخدم الحاسوب، لكن مبرمجي الحواسب هم النخبة في هذا المجال، وهم مَنْ ينتجون السلعة الإلكترونية ويطرحونها للاستهلاك العام. جميعنا نسكن في بيوت، لكنّ مهندسي العمارة هم النخبة المتخصّصة في تصميم هذه البيوت، ومعرفة الشروط الهندسية والسكنيّة الأمثل لها. والمثالان نفسهما ينطبقان على الثقافة، باعتبارها من إنتاج القلّة المتخصّصة، ومن استهلاك الجميع.
أثر التحوّلات الكبرى على المنتَج الثقافي:
في الدول التي سلكتْ مسار التحوّل الاشتراكي في القرن العشرين، وضعت الدولةُ يدَها على وسائل الإنتاج ذات الأهمية الكبرى، وعملتْ على توسيع القطاع العام بشكل سريع، وشرعتْ بمغامرة الاعتماد على الإنتاج المحلّي وإيقاف الاستيراد من الخارج. في حالةٍ كهذه، توسّعتْ الوظيفة العامة بشكل كبير، ووجد آلاف المواطنين فرصَ عمل جديدة. لكنّ هذه اليد العاملة الجديدة لم تكن خبيرة، لم تكن متخصّصة، لم تكن من «أهل الكار». ولهذا اتسمتْ منتجات التحوّلات الاشتراكية بالرداءة، بالقياس مع منتجات النخبة الصناعية في الدول الرأسمالية.
أما في التحوّلات الشعبية الكبرى، كالثورات والهجرات والحروب، كانقسام الدولة أو توحُّدها مع دولة أخرى؛ تزداد ضرورةٌ الإنتاج الثقافي عند الفرد والجماعة، كوسيلةٍ لإثبات الحقّ والهوية. وتزداد أهميّة المنتَج في نظر «الآخر» سواءً كان أفراداً أو مؤسساتٍ أو حكومات، لأن هذا «الآخر» بحاجة إلى اكتساب معرفة شاملة عن الشعب- الدولة أثناء مرحلة التحوّل، بهدف تحويل هذه المعرفة إلى سلطة، سلطة تُستخدَم في مصلحة هذا «الآخر» الخارجي، وليس في مصلحة الشعب المنتِج لها.
وفي أغلب الحالات، يتّسم المنتَج الثقافي الذي صنعتْهُ اليدُ العاملة غير المتخصّصة، لمجرّد أنها وجدتْ حافزاً نفسيّاً لصنعه، أو وجدتْ حيّـزاً للقول والفعل كانتْ محرومةً منه، أو وجدتْ فرصةَ عملٍ جديدة؛ بالرداءة بالقياس مع منتجَات النخبة الثقافية في الدول المستقرة.
في بلدي سوريا على سبيل المثال، ازداد الطلب على المنتَج الثقافي السوري في العام الأول من ثورة آذار/مارس 2011، مع محدودية في العرض، ما أدّى إلى زيادة الإنتاج بشكل كبير لسدّ حاجات السوق. لكنّ هذا الزيادة في الإنتاج ثم في العرض، لم تكن مدروسة لا من قبل أفراد ولا مؤسسات، مما أدّى إلى كساد المنتَج الثقافي السوري، وانخفاض الطلب عليه، وبالتالي تدهور قيمته المادية والمعنوية.
ما المقصود بنخبوية الثقافة؟
إن القول بنخبوية العمل الثقافي، لا يعني احتكار المجال العام من قبل مجموعة من الأفراد، فنحن لطالما عانينا من احتكار الأفراد للمجالات العامة، في ظلّ الثورات كما في ظلّ الأنظمة، ولذلك لا بُـدّ أن يكون المجال مفتوحاً لكل من يرغب بالقول أو الفعل. القول بنخبوية العمل الثقافي يعني احترام الأسُس والمناهج والتقاليد التي أنتجت الثقافة البشرية، والأخذ بها ومحاولة تطويرها. ويعني عدم التساهل مع من يخوض في مجالات ثقافية وهو لا يملك الأساس المعرفي اللازم، وبالتالي يُنتج مفاهيم وتصوّرات خاطئة ومضلِّلة. والقول بنخبوية الثقافة يعني عدم الارتكاس إلى إرادة الجماهير، والنظر من منظورها، وتحليل الظواهر والمشكلات عبر آليّات تفكيرها المتّسمة بالفهم الشائع. ويعني عدم القبول بالواقع لكونه واقعاً، ومحاولة تبريره والتكيُّف البيئي معه. نخبوية الثقافة تعني اتخاذ الموقف على أساس معرفي، ولو خالفَ مواقفَ كلّ سكّان المعمورة. وتعني الثورة على الواقع من أجل تغييره، لا الثورة على الثقافة حتى ترضخ لأمر الواقع.
القول بنخبوية العمل الثقافي، يستبعد التصوُّر «النبوئي» السائد في «الشرق» حتى اليوم. فلا يوجد في الحقيقة شيطان شعر يأتي من وادي عبقر لكي يهمس في أذُن الشاعر أبياتاً من السحر المبين. ولا يوجد حكيم أعطاه الله قبَسَاً من حكمته، أو ضربتهُ صاعقةٌ فصار حكيماً، أو جلس على رأس الجبل عشر سنوات ثم نزل حكيماً. النخبة الثقافية مثل النخبة الاقتصادية والطبيّة والمعلوماتية والهندسية، تتألف من أفراد أفنوا أعمارهم في الدراسة النظرية والتجربة العملية، حتى أصبحوا من «أهل الكار»، ويعود لهم فصلُ المقال في مجال الاختصاص. وهم ليسوا معصومين عن الخطأ، ولا ينطقون عن هوىً. ولهذا حين أنظر إلى بلدي سوريا، لا أرى نخبة ثقافية ولا مثقفين نخبويين. لأنّ من يتصدّرون الواجهة اليوم هم أشخاص وضعتْـهُم عوامل «غير ثقافية» في الواجهة. أشخاص لا يحترمون التخصّص العلمي، ولا مناهج البحث العلمي، ولا يكلّفون أنفسَهم مشاقّ البحث عن المعلومات التي صارتْ متوفّرة بسهولة في زمن الإنترنت، بل إنّ أكثرهم شهرةً وحكمةً لا يُكلّفُ نفسه عناءَ البحث في القاموس لمدة خمس دقائق، من أجل ضبط مصطلحاته السياسية.
نردُّ قبل ردّهم:
ما إنْ تتحدّث عن نخبوية الثقافة حتى تنهال عليك اتهامات الشعبَويّيـن الجاهزة، وأوّلها «التعالي على الجماهير وعلى مستوى وعيها وفهمها»، وكأنّ هذه الجماهير كتلة واحدة متجانسة ومتمايزة بصفات جوهرية ثابتة، أو كأننا لسنا من هذه الجماهير. وفي الحقيقة إنّ الموقف الشعبويّ الذي يطالب بتبسيط المنتَج الفكري والأدبي والفني حتى يصل إلى مستوى وعي الجماهير وفهمها، هو أكثر المواقف ازدراءً للجماهير. وعلى العكس منه، فإن المنتَج الثقافي الذي يأخذ بأرفع ما بلَغَهُ مجالُهُ الفكري أو الأدبي أو الفني من نظريةٍ ومنهجٍ وأسلوب، هو المنتَج الذي يحترم الجماهير، وهو ما سوف تحترمه الجماهير في نهاية الأمر.
معيار النخبوية:
كيف نقول عن منتَج ثقافي بأنه نخبوي، وعن آخر بآنه ليس كذلك؟ أعتقد أن معيار النخبوية هو المثال الأعلى. فبقدْر ما يحمل المنتَجُ الجديد من صفاتٍ مشتركة مع المثال الأعلى، وبقدْر ما يقتربُ منه ويلامسه ويمتلك بعضاً من العناصر التي جعلتْهذا المثالَ مثالاً، يكون منتجاً نخبوياً. أنت تكتب قصة؟ إذن فلنقارنْ منتَجك الجديد مع قصص تشيخوف وإدغار ألان بو وفوكنر… أنت تكتب رواية؟ إذنْ فلْنقارنْ مع دوستويفسكي وكازنتزاكيس وماركيز ونجيب محفوظ… أنت تكتب قصيدة؟ لدينا محمود درويش والسيّاب ونيرودا وإليوت.. أما إذا كنت مفكّراً سياسياً، فنقارن مع تشومسكي وإدوارد سعيد وفانون وأردندت.
لكن هذا لا يعني أن المثال الأعلى مفهوم ثابت، ولا يعني أنه موجود في الماضي وينبغي العودة إليه ومحاكاته. المثال الأعلى يتغيّـر مع تغيُّـر الزمان، فقد كانت قصيدة أحمد شوقي هي المثال الأعلى للشعر العربي في مطلع القرن العشرين، لكنها لم تعد كذلك بعد نصف قرن. المثال/المعيار يتغيّـر باستمرار، وفي الوقت نفسه ثابت في صفاته الجوهرية: الأصالة والجدّية والشغل الدؤوب، المغامرة والتجاوز والتفرّد.

٭ كاتب سوري

دفاعا عن نخبوية الثقافة

عبد الكريم بدرخان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية