دلالات كارثة «تيران» و«صنافير»

حجم الخط
30

ليست المشكلة في أن السيادة على جزيرتين قد انتقلت من مصر إلى السعودية، فنحن تربينا على أن «بــــلاد العـــرب أوطـــاني»، وتربينا على أن «هذه أمتكم أمة واحدة»، وأن خطوط الاستعمار أو ما قبله لا معنى لها.
ولذلك فلا مشكلة مطلقاً في انتقال جزيرتي «تيران» و»صنافير» الى السعودية، ويجب أن لا تكون ثمة مشكلة على الأرض والحدود بين أي من الدول العربية، التي نحلم ونحن في المهد ونظل نحلم حتى نصل اللحد بأن نراها واحة موحدة لا تفرقها الحدود ولا الخطوط ولا الأسماء ولا الأعلام. لا مشكلة كبيرة في ترسيم الحدود ولا في تنازل مصر للسعودية عن جزيرتين أو أي مساحة أخرى من الأرض أو البحر، فنحن نفترض أن السعودية ومصر بلد واحد وليس اثنين، ولا فرق بين مصري وسعودي إلا بالتقوى، وبمقدار ولائه للعروبة ولوطنه، لكنَّ المشكلة، بل أم المشكلات، هو في دلالة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، وما ينطوي عليها من نتائج سياسية واقتصادية على مصر والمصريين بما قد يجعل منها كارثة حقيقية.
وبعيداً عما اذا كانت الجزيرتان للسعودية أو لمصر، فهذا جدل يعود إلى عدة عقود ماضية، ولا يعلم أحد كيف تم حسمه مؤخراً، فإن أهم الملاحظات التي يمكن تسجيلها على اتفاقية ترسيم الحدود، أو اتفاقية تسليم «تيران» و»صنافير» للسعودية هو أن الذي وقع على الاتفاقية هو الرئيس عبد الفتاح السيسي القادم من ثكنته العسكرية، ما يعني أن الجيش في مصر، الذي توكل له مهمة حماية الأرض والإنسان هو الذي وقع على وثيقة التنازل عن جزيرتين، وهو ما يدعو إلى التوقف عند «العقيدة القتالية» لجيش يتنازل عن أراضيه، ويدفع أيضاً إلى مخاوف كبيرة من أن يتم التنازل لاحقاً عن أراض مصرية في إطار عمليات تسوية لمنازعات قديمة مع دول أخرى، أو في إطار طلب مساعدات مالية من الدول الأخرى.
إن أهم الدلالات التي يمكن رصدها بخصوص اتفاقية تسليم جزيرتي «تيران» و»صنافير»، هو ما يلي:
أولاً: تنازل الجيش عن جزيرتين، أو أي قطعة أرض في مصر لدولة أخرى، يعني أن لديه القابلية للتنازل عن أماكن أخرى، مثل «حلايب» على الحدود مع السودان، وسيناء على الحدود مع فلسطين، وربما تنازل أو سيتنازل عن مياه إقليمية في المساحة الضيقة من البحر الأحمر التي تتقاسم السيادة عليها حالياً كل من الأردن ومصر والسعودية، إضافة إلى الاحتلال الاسرائيلي.
ثانياً: تنازل مصر عن الجزيرتين مقابل أموال مدفوعة نقداً، أو مقابل مشاريع واستثمارات مستقبلية، يدل على أن الأزمة الاقتصادية في مصر تفاقمت إلى درجة دفعت النظام في مصر للموافقة على ما لم يوافق عليه منذ أكثر من 100 سنة (الجزيرتان تابعتان لمصر منذ 1901)، وهو ما يعني أن الاقتصاد المصري على حافة الانهيار، لكن الأخطر من ذلك هو أن نظام السيسي يمكن أن يوافق على أي شيء يحميه من الانهيار.
ثالثاً: الطريقة التي تم فيها تمرير وتسويق اتفاقية تسليم «تيران» و»صنافير» تمثل ما يشبه الإعلان عن «اكتتاب عام»، أي أن نظام السيسي يبعث برسائل للآخرين مفادها أنه يمكن حسم الخلافات مقابل دفع أموال، وهو ما يعني أن السودان وإسرائيل وإثيوبيا قد تدفع المال المباشر أو الاستثمارات مقابل حل خلافاتها مع مصر، وهذه كارثة.. أي أن التفاوض اليوم مع مصر يتم على قاعدة أنها تعيش أزمة، وأن هذه الأزمة مالية ومشكلة عملة صعبة.. ليس أكثر.
خلاصة القول هو أنه لا مشكلة في انتقال السيادة على جزيرتين من مصر إلى السعودية، لكن المشكلة الحقيقية في نظام مستعد وموافق على أن يبيع الأرض مقابل البقاء على قيد الحياة، والمشكلة في قائد عسكري مستعد أن يبيع ما تيسر من بلاده من أجل التمسك بالحكم والبقاء على الكرسي.
أما الأمر الآخر الذي يستوجب الالتفات له فهو أن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر لا يمكن حلها لا بالتنازل عن جزيرتين، ولا ببيعهما، ولا باستقطاب استثمارات خليجية وأجنبية بالمليارات.. الحل الوحيد هو في بناء دولة مدنية حديثة ذات اقتصاد حر ومفتوح يعمل فيه المدنيون ولا يهيمن عليه العسكر. مصر دولة غنية بأبنائها وثرواتها تحتاج تحولاً ديمقراطياً ومدنياً سلمياً وليس أي شيء آخر.

٭ كاتب فلسطيني

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية