■ في حوالي الساعة العاشرة من صباح الحادي عشر من ديسمبر، تفجرت تلك القنبلة التي تزن قرب الاثني عشر كيلوغراماً، بحسب الرواية الرسمية في الكنيسة البطرسية العريقة.تفجرت لتحصد أرواح أبرياء ذهبوا فرحين ليحضروا القداس، بحثاً عن الخلاص والسكينة، في عالمٍ قاسٍ نكتشف يوماً بعد الآخر كم هو متوحش يزداد بربريةً وهمجية.
ويا لها من مفارقة بائسة وحزينة وشديدة الكآبة أن تتفجر لتتطاير أجساد هؤلاء المصلين المسالمين أشلاءً ونثاراً، وقد ذهبوا متضرعين ليعم السلام والمحبة، ليباركوا لاعنيهم ويحبوا أعداءهم. تفجرات لتهشم الجدران العريقة والأيقونات والفسيفساء الرائعة التي تحمل عبق التاريخ والذكريات، لمكانٍ صمد كل تلك السنوات فوق القرن.
توقفت إحدى ساعاتها في صورةٍ تناقلتها وسائل الإعلام، لكن الزمن لم يتوقف، وقد فتح باباً للجحيم دلفنا منه، ويبدو وفق كل المعطيات أننا نتساقط في أتونه بسرعة مذهلة.
مخطئٌ من يظن أن الأمر مجرد جريمة وحشية ودموية، أو أن الأمر سيقف عند التنديد والإعلان عن ضرورة التمسك بثوابت الوحدة الوطنية، وترديد كلامٍ ممجوج من عينة أن الإرهاب لا دين له، وعناق اللحى وتبادل القبل بين شيوخٍ وقساوسة، الأمر الذي صار منفراً، فتلك القنبلة فجرت معها كثيراً من الأكاذيب والأوهام التي نسجها ومايزال النظام المصري طيلة سنين واختار الكثيرون تصديقها في إطار حالة النفي التي يعيشونها ويسيرون فيها كنفقٍ طويلٍ مظلم.
على رأسها و(أهمها في اللحظة الراهنة) تلك الإشاعة بأن النظام جادٌ في محاربة الإرهاب، في الوادي أو في سيناء، إذ تأكد كم هم مهرجون، يستعيضون عن التحريات والتأمين والتفتيش اليقظ بالأناشيد والتصريحات المكررة حد الملل والعروض عن الاستعداد والجهوزية الفعليين، وبالعنف المفرط مع من تطالهم أيديهم والمحتجزين قصرياً واحتياطياً، دون تمحيص عن البحث الجنائي الدقيق والإجراءت الاستباقية؛ والأمر نفسه ينسحب على الوضع في سيناء، حيث شهدت تصاعداً كمياً في الهجمات المسلحة.
لقد أحرج هذا التفجير النظام بشدة، فقد حدث في قلب القاهرة وفي كنيسةٍ ملاصقة للكاتدرائية المرقصية، أي مكانٍ كان يجب تأمينه بصورةٍ مكثفة واستثنائية ومحكمة، وليس في سيناء، حيث يستطيع فرض حظر الاقتراب وإغلاقها دون الإعلاميين، معتّماً على ما يحدث فيها، وقد فضح بذا للعيان مدى تراخي الأمن الفعلي وتقاعسهم الذي سمح لشخصٍ بتمرير هذه الشحنة الثقيلة المميتة. وقد جاء رد فعل النظام كما تتوقعه تماماً، دون أي ابتكار أو تطوير، فالنظام الذي فشل في التأمين يكتشف الفاعل في زمنٍ قياسي، ومن بين الأشلاء يخرج لنا وجهاً (أي والله وجهاً تبقى بعد أن انفجر فيه اثنا عشر كيلوغراماً من المتفجرات أحدثت كل هذا التدمير حسب الرواية الرسمية) والسؤال هو: ألم يكن من الأجدر بهم أن يتريثوا؟ كيف ستكون العواقب لو ثبت في مقبل الأيام أنهم تسرعوا وأنهم مخطئون مثلاً، وأن إرهابياً آخر من قام بالعملية؟ وما شاء الله عليهم طالما في مقدرتهم أن يكتشفوا الجناة بهذه السرعة، لماذا لا يمنعون الحدث؟
بطءٌ حيث تجب السرعة وعجلة حيث ينبغي التريث وتوخي الدقة. المهم هو الخروج من مأزق الإحراج والقول للعالم أجمع: أنا قوي، أنا قادر، أنا مطلع، أنا مسيطر، أنا غضنفر. ثم أنذرنا الرئيس السيسي بألا نقول بأن هناك تقصيرا أمنيا، مَنْ المسؤول عن التأمين إذن؟ وهل علينا أن نتعامل مع الموضوع ببساطة من منطلق أن هذه «أشياء تحدث»؟ هو المريب يكاد أن يقول خذوني.
بيد أن الحدث يزيل الغطاء عن هوة جحيمٍ مستعرٍ بلا قرار حول دور النظام من حيث علاقته المعقدة المتراوحة بين قطبي التعاون والقمع والقتل، مع الجماعات الأصولية والدينية، وبالتالي عن دوره المباشر، أكتبها بلا مواربة، المباشر في توليد الإرهاب وضمان استمراره؛ فالفتى أو الشاب الذي يزعمون أنه قام بالتفجير محمود شفيق، ووفق الرواية التي لم تكذبها الدولة، كان في السادسة عشرة من عمره حين قبض عليه بتهمة حيازة سلاح والانضمام لتنظيمٍ محظور والتظاهر، وقد برأه القضاء من التهمتين الأوليين بعد أن أمضى عاماً في السجن، وحسب رواية محاميته ( التي أميل إلى تصديقها) فقد كان ذلك الشاب في طريقه لدرسٍ حين قُبض عليه فوجدته في قسم الشرطة دامي الوجه من الضرب مكسور الأنف. وقد قال لها، تصادف أن كنت ماراً بجانب المظاهرة حين دوهمت. فتى لم يفعل شيئاً، بحسب الوقائع التي لم تكذبها الحكومة، يقضي في سجونهم سنة ثم يخرج بعدها ليفجر نفسه وآخرين. ألا تؤدي أبسط قواعد الربط والاستنتاج ومد الخط على استقامته إلى كون النظام هو من أسهم ومهد لجعله إرهابياً؟ ألا نستطيع أن نقرر بثقة أن ذلك السعار المتوسع في الاعتقالات والحبس الاحتياطي للآلاف مجاورين من لهم أفكار إرهابية، ثم تعذيبهم وإهانتهم، هو مفرخة حقيقية للإرهاب؟ ألا يعد ذلك القمع للحريات والاعتقالات إرهاباً منظماً بدوره من قبل النظام؟
أجل هناك إرهاب.
أجل هناك فكر إرهابي متطرف.
أجل هناك من يعتنقون هذه الأفكار ومن ينفذون عملياتٍ بناءً عليها.
أجل هناك متعاطفون معهم.
أجل هناك اضطهاد للمسيحيين وكراهية لهم في قطاعاتٍ وشرائح لم يكن المرء ليتصور أن يتسرب إليها، ناهيك أن يسيطر على عقولها، أفكارٌ عنصرية ظلامية تحبب الكراهية وتستبيح الدم البريء.
لكن هذ النظام ليس من يملك الحل، إذ هو جزءٌ أصيلٌ متسببٌ في المشكلة الكارثية التي توشك أن تحرقنا جميعاً، فعلاقته مع الإسلام السياسي منذ عهد السادات وتسهيله وتشجيعه على الذهاب لأفغانستان بات أمراً موثقاً ومعروفاً. الأمر ببساطة أنه لا يستطيع العيش بدون فصيلٍ إسلاميٍ ما يدعم وجوده، فهو من ناحية يحتاجه لضبط الشارع ومحاصرة ومطاردة محاولات تشكل ونمو أي فصيل مدني ديمقراطي أو، لا سمح الله، يساري حقيقي، وبالتالي لن يجرؤ على مقاربة منظومة النصوص والمقدس بل يحاول أن يطوعها لصالحه، ومن ناحيةٍ أخرى يجد نفسه مجبراً على التعامل مع براعم الإرهاب الشيطانية التي ما تني تنمو بسرعة مرعبة، وتتحور، وإذ يستخدم معها الأسلوب الوحيد الذي يعرفه: العنف الغشوم الإرهابي، فإن ذلك أثبت أنه لا يزيد الأفكار إلا جموحاً وشططاً وردود فعل دمويةً. إرهابٌ يواجه إرهاباً ونحن الواقعون في الوسط الضحايا.
ولأن النظام المصري هو النظام المصري الذي نعرف، فقد صادر حق الناس في الحزن، فعسكر جنازاتهم ووحدها (كما فعل بسائر البلد)، فقتل الناس مرةً ثانية بفيض كرمه واحتفائه الزائف، وعوضاً عن ترك ذوى الضحايا يلملون ذواتهم الممزقة ويلعقون جراحهم في صمتٍ وكرامة، حشدهم ومنعهم دون الوصول للجثامين وانتقى لكل أسرةٍ ممثلاً وبعد أن أخرج لمصر والعالم تلك الصورة التي يريد ألقى بتلك الأشلاء، فنحن وهو نعلم أنه لا يكترث وإنما هو يغطي على فشله وتقصيره. لقد قتلوا وصلبوا مرتين، مرةً حين مُزقت أجسادهم ومرةً حين توجر بأشلائهم..
ولأن النظام المصري مازال النظام المصري الذي نعرف، فقد أسرع بإعدام عادل حبارة. يا لها من عدالةٍ سريعةٍ ناجزة، وكأنه يقول: دمٌ في مقابل دم وقتيل في مقابل قتيل، فلا بد من كبش فداء.
ليظل السؤال الدائم يطرح نفسه: هل هذا النظام مؤهل للتعامل مع الإرهاب ومشاكل مصر؟ هل مازال هناك عاقل (أو ملتاث في حقيقة الأمر ) يصدق أن بالإمكان إصلاحه؟ أعتقد أن الإجابة الوحيدة الصريحة التي لا تحمل خداعاً للنفس: لا.
لك الله يا مصر ويا منطقتنا المنكوبة بأنظمة كهذه، وفي انتظار تفجيرٍ آخر ما استمرت هذه السياسات وبديلٍ حقيقي نصنعه يتخطى الديكتاتوية والقمع والتهميش والإرهاب والطائفية فليلهمنا وذوي الشهداء، السابقين والآتين، الصبر والسلوان.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل