في تصريحات غير مسبوقة ومثيرة للتساؤلات من حيث اهدافها وتوقيتها، قال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، في الجلسة الأخيرة لحكومته «يجب على إسرائيل أن تمنع انهيار السلطة قدر الإمكان، ولكن في نفس الوقت يجب الاستعداد لإمكانية حدوث ذلك».
وكشفت صحيفة «هآرتس» أن المجلس الوزاري المصغر كرس خلال الأيام العشرة الأخيرة جلستين لبحث احتمال انهيار السلطة الفلسطينية بسبب الجمود السياسي والتصعيد في الاوضاع الأمنية والأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية والأزمة السياسية في القيادة الفلسطينية.
من جهته رد الرئيس الفلسطيني محمود عباس عليه بالقول» إن السلطة الفلسطينية لن تنهار، وأنه إذا تمّ حلّ القضية الفلسطينية فلن يكون هناك «داعش» أو ارهاب أو تطرّف» واضاف في خطابه امس: «لا يحلموا بانهيار السلطة الفلسطينية».
وكانت وزارة الخارجية الفلسطينية اصدرت بيانا مؤكدة ان كلام نتنياهو يمثل «شكلا من أشكال استغفال المجتمع الدولي ضمن حملات الكذب والتحريض والتضليل التي يمارسها نتنياهو بشكل ممنهج ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه وإنجازاته».
اسرائيليا، ربطت تقارير صحافية كلام نتنياهو بالانباء عن مشاكل صحية مزعومة يعاني منها الرئيس عباس، وامكانية «تفجر الصراعات الداخلية على خلافته» في ظل حالة الانقسام التي يعرفها الوضع الفلسطيني المعقد. وحرصت على ابراز اهمية تصريحاته، وهو ما دعا تسيبي ليفني الى مطالبة الكنيست بمناقشتها.
وبالنظر الى ان مثل تلك الانباء ليست جديدة، يبقى السؤال الأهم حول ماهية الاسباب الحقيقية التي دفعت نتنياهو للادلاء بهذه التصريحات في هذا التوقيت.
ويمكن هنا التوقف عند نقاط ومعطيات محددة لا يمكن التغاضي عنها في قراءة هذا التطور المهم.
أولا: ان التحذيرات من انهيار السلطة ليست جديدة، بل انها تكررت خلال العام الماضي في تصريحات عدد من المسؤولين بينهم وزير الخارجية الامريكي جون كيري. الا ان الانضمام الاسرائيلي المتأخر لجوقة المحذرين جاء دون شك في توقيت محسوب بدقة ليخدم اجندة نتنياهو في استغلال الاوضاع الداخلية والاقليمية الموائمة لدفن حل الدولتين، وهو الذي كان قتله بنفسه منذ سنوات، واستبداله بسيناريو يكتفي باقامة «حكم ذاتي فلسطيني» يسمح لاسرائيل باعادة احتلال مناطق واسعة وفرض الامر الواقع على العرب المنشغلين بصراعات طائفية مريرة وقضايا صعبة عديدة.
ثانيا: ادرك نتنياهو ان القضاء على «انتفاضة السكاكين» لا بد ان يمر بالتخلص من السلطة الفلسطينية التي ثبت انها لا تستطيع ولا تريد اصلا ان تواجهها خاصة بعد ان اصبحت تدريجيا «اسلوب حياة» لكثير من الفلسطينيين. ولا يمكن المبالغة في قراءة اهمية زيارة صائب عريقات لبيت احد منفذي الهجمات ضد المستوطنين، من حيث انه يشير الى ان السلطة لا تستطيع ان تبقى بمعزل عن توجه وطني متنام يجمع على ان المقاومة اصبحت «الامل الوحيد» في ظل هيمنة مشاعر اليأس والاحباط على الجميع، وفي مقدمتهم الرئيس عباس نفسه.
ثالثا: من وجهة النظر الاسرائيلية، ان سلطة فلسطينية غير قادرة او غير عازمة على انهاء الانتفاضة، انما هي سلطة فقدت المبرر الرئيسي لوجودها، وهو حماية الامن الاسرائيلي، وبالتالي فان نتنياهو لن يدخر جهدا في المرحلة المقبلة في سبيل القضاء على السلطة عبر حملة امنية ودعائية وسياسية واقتصادية تعتبرها «شريكة في الارهاب». ويتوقع البعض ان يتدهور التنسيق الامني تدريجيا بين الجانبين، ولايستبعد ان تتهم اسرائيل عناصر امنية فلسطينية بالمشاركة في المقاومة، ثم لا تتورع عن استهدافهم.
رابعا: ان ماكينة الكذب التي يديرها نتنياهو دون توقف نشطت مؤخرا في ربط عمليات المقاومة الفلسطينية بتنظيمات متطرفة وخاصة «داعش» تمهيدا لتصعيد الحرب الاجرامية التي يشنها جيش الاحتلال ضد المدنيين بحجة «انهم يخططون للقيام بعمليات طعن». ومع تغييب السلطة الفلسطينية عن المشهد، سيكون من السهل على اسرائيل ان تمعن في استغفال العالم بتخييره بين «اقامة دولة فلسطينية يسيطر عليها ارهابيون» او حكم ذاتي محدود(..).
واخيرا، فان «دموع» نتنياهو الكاذبة والخسيسة على احتمال انهيار السلطة لا يمكن ان تنطلي على احد، لكنها على العكس يجب ان تكون نقطة تحول تجاه توحيد الصف الفلسطيني، واستنفار انصاره اقليميا ودوليا، لمواجهة هذه المؤامرة الجديدة، والالتفاف حول المقاومة، باعتبارها الحق الانساني الطبيعي، والخيار الشرعي في مواجهة الاحتلال في نهاية هذا الطريق الطويل من الآلام.
رأي القدس