«دم على المئذنة» للسوري جان دوست: دم على مقام كرد

حجم الخط
0

أتى‭ ‬جان‭ ‬دوست‭ ‬إلى‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الشعر‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يمارسه‭ ‬عبر‭ ‬اللغة‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬رواياته‭. ‬فالشعر،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬لم‭ ‬ينشر‭ ‬بعد،‭ ‬‮«‬تمرين‭ ‬أساسي‭ ‬لكتابة‭ ‬رواية‭ ‬جيدة‭. ‬وحين‭ ‬يتحول‭ ‬الشاعر‭ ‬إلى‭ ‬روائي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الفضيلتين،‭ ‬اللغة‭ ‬والإحساس‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الحكمة‮»‬‭. ‬وجان‭ ‬دوست‭ ‬مولود‭ ‬في‭ ‬كوباني‭ ‬محافظة‭ ‬حلب‭ ‬وهو‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭. ‬وهو‭ ‬أيضاً‭ ‬مترجم‭ ‬وقاص،‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬القصة‭ ‬الكردية‭ ‬القصيرة‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬1993،وترجم‭ ‬معظم‭ ‬أعماله‭ ‬من‭ ‬الكردية‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬وله‭ ‬ترجمة‭ ‬شهيرة‭ ‬لرائعة‭ ‬أحمد‭ ‬خاني‭ ‬‮«‬مم‭ ‬وزين‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬قصص‭ ‬الحبّ‭ ‬الأسطورية‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الكردي‭. ‬في‭ ‬رصيده‭ ‬الروائي‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬ست‭ ‬روايات‭ ‬من‭ ‬بينها»دم‭ ‬على‭ ‬المئذنة»التيعمدها‭ ‬بالدم‭.‬

صدرت‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬دم‭ ‬على‭ ‬المئذنة‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬مقام‭ ‬للنشر‭ ‬والتوزيع‭ (‬2014‭). ‬وتدور‭ ‬أحداثها‭ ‬حول‭ ‬مجزرة‭ ‬عامودا،‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬2013،‭ ‬وقُتل‭ ‬فيها‭ ‬ستة‭ ‬أكراد‭ ‬علي‭ ‬أيدي‭ ‬الميليشيات‭ ‬الكردية‭ ‬الموالية‭ ‬لنظام‭ ‬دمشق‭. ‬ويتخذ‭ ‬المؤلف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المجزرة‭ ‬دافعاً‭ ‬لكتابة‭ ‬سيرتين‭: ‬سيرة‭ ‬مكان‭ ‬تَعاقَبَ‭ ‬عليه‭ ‬القتلة‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬تتداخل‭ ‬معها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬المؤلف‭ ‬باسمه‭ ‬المستعار‭ ‬صالح‭.‬

في‭ ‬روايات‭ ‬جان‭ ‬دوست،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬‮«‬وطن‭ ‬من‭ ‬ضباب‭ ‬2008‮»‬‭ ‬وحتى‭ ‬‮«‬دم‭ ‬على‭ ‬المئذنة‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬للفرق‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والواقع‭. ‬وهو‭ ‬فرق‭ ‬أكد‭ ‬عليه‭ ‬د‭. ‬هـ‭. ‬لورنس‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬عن‭ (‬الرواية‭ ‬والخلق‭). ‬فالخلق‭ ‬الروائي‭ ‬ينعدم‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬واقع‭ ‬الرواية‭ ‬مطابقاً‭ ‬للوقائع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬لكنه‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭. ‬فمهمة‭ ‬الروائي،‭ ‬خلافاً‭ ‬لمهمة‭ ‬المؤرخ،‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬روح‭ ‬الحياة‭ ‬قبل‭ ‬وقائعها‭. ‬والصدق‭ ‬شرط‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬وبه‭ ‬يتحدد‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬بالحبر‭ ‬ومن‭ ‬يكتب‭ ‬بالدم‭ ‬والدمع‭. ‬وجان‭ ‬يقتنص‭ ‬الحكايات‭ ‬وينفخ‭ ‬فيها‭ ‬الروح،‭ ‬فهو‭ ‬القائل‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬عشيق‭ ‬المترجم‮»‬‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الحكايات‭ ‬طرائد‭ ‬فخاخها‭ ‬القراطيس‮»‬‭.‬

تخوض‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬دم‭ ‬على‭ ‬المئذنة‮»‬‭ ‬مغامرة‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬والأدبمازجة‭ ‬الحقيقة‭ ‬بالخيال،وفق‭ ‬ما‭ ‬تقتضيه‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬حقيقة‭ ‬والكتابة‭ ‬السردية‭ ‬من‭ ‬خيال‭. ‬وقد‭ ‬وظف‭ ‬السارد‭ ‬تقنية‭ ‬المونتاج‭ ‬فعمل‭ ‬على‭ ‬تقطيع‭ ‬الزمن‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬عامودا‭ ‬2013‭ ‬إلى‭ ‬ثور‭ ‬الخلافة‭ ‬التركي‭ ‬المريض‭ ‬في‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬عامودا‭ ‬2013‭ ‬وانتقالاً‭ ‬إلى‭ ‬عامودا‭ ‬1937‭. ‬من‭ ‬الجد‭ ‬الملا‭ ‬عبداللطيف‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭ ‬والأحفاد،‭ ‬من‭ ‬المستعمر‭ ‬الفرنسي‭ ‬إلى‭ ‬المستعمر‭ ‬السوري‭ ‬والكردي‭ ‬والقاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬هؤلاءهوالقتل‭. ‬

من‭ ‬الملامح‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬اتسم‭ ‬بها‭ ‬السرد‭ (‬أنسنة‭ ‬الجمادPersonification‭).‬ففي‭ ‬فصل‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ (‬سيرة‭ ‬حياة‭ ‬طلقة‭) ‬مُنحت‭ ‬الطلقة‭ ‬صوتاً‭ ‬لتحكي‭ ‬ومشاعر‭ ‬لتشعر‭ ‬بالسأم‭ ‬والوحدة‭ ‬والملل،‭ ‬وأذناً‭ ‬لتسمع‭ ‬فواجع‭ ‬الإنسان،‭ ‬وعيناً‭ ‬لتراقب‭ ‬و«تخترق‭ ‬حجب‭ ‬الظلام‮»‬‭. ‬أنسنة‭ ‬الطلقة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬أظهرالفرق‭ ‬بين‭ ‬الطلقةوالقاتل‭ ‬الذي‭ ‬أطلقها‭ ‬بدم‭ ‬بارد،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬وحَّدهابالضحية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حلمهما‭ ‬المشترك‭:‬الحرية‭.‬

سيرة‭ ‬حياة‭ ‬طلقة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬فانتازي،‭ ‬وتحكي‭ ‬عن‭ ‬طلقة‭ ‬الدوشكا‭: ‬أوصافها‭ ‬الخارجية،‭ ‬عمرها،‭ ‬مكان‭ ‬ولادتها‭ (‬1984‭)‬،‭ ‬وحتى‭ ‬وفاتها‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬الفتى‭ ‬سعد‭ (‬2013‭). ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬يعرض‭ ‬ومضات‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬سوريا‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬الفرنسي،‭ ‬ثم‭ ‬الاستقلال،‭ ‬والوحدة‭ ‬السورية‭ ‬المصرية،‭ ‬والصراع‭ ‬العربي‭ (‬السوري‭) ‬الإسرائيلي‭ ‬والصراع‭ ‬الكردي‭ ‬الكردي‭ (‬1991‭ ‬ـ‭ ‬1992‭) ‬وتاريخ‭ ‬الأكراد‭ ‬الموزع‭ ‬بين‭ ‬سوريا‭ ‬وتركيا‭ ‬وإيران‭. ‬طلقة‭ ‬صُنعت‭ ‬لتموت‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬دبابة‭ ‬أو‭ ‬مجنزرة‭ ‬أو‭ ‬طيارة‭ ‬عدو‭ ‬مغتصب‭ ‬لكنها‭ ‬تلقى‭ ‬نفسها،‭ ‬بعد‭ ‬صبر‭ ‬طويل‭ ‬وممل،‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬شاب‭ ‬صغير‭ ‬جريمته‭ ‬الحرية‭.‬

ويتميز‭ ‬السرد‭ ‬بخطاب‭ ‬تأملي‭ ‬ويمكن‭ ‬الاستشهاد‭ ‬بهذه‭ ‬الفقرة‭:‬

‮«‬يمكن‭ ‬للمادة‭ ‬أن‭ ‬تتناقص‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬صفرا،‭ ‬أي‭ ‬تفنى‭ ‬وتدخل‭ ‬دائرة‭ ‬العدم‭ ‬تماما‭ ‬كالأرقام‭: ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬اللانهاية‭ ‬وتتناقص‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الصفر‭. ‬أما‭ ‬الزمن‭ ‬فلا‭ ‬يتناهى‭ ‬إلى‭ ‬العدم‭ ‬مهما‭ ‬تجزأ‭ ‬إلى‭ ‬وحدات‭ ‬زمنية‭ ‬أصغر‭ ‬لأنه‭ ‬لو‭ ‬تناهى‭ ‬إلى‭ ‬العدم‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬وقت‭ ‬أصلا‭. ‬فحاصل‭ ‬جمع‭ ‬عدم‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬إلا‭ ‬عدم،‭ ‬لكن‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬ضغط‭ ‬رامي‭ ‬الدوشكا‭ ‬ذي‭ ‬العينين‭ ‬الذاهلتين‭ ‬على‭ ‬الزناد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬ثم‭ ‬تحرر‭ ‬الطلقة‭ ‬من‭ ‬سجنها‭ ‬المعدني‭ ‬وبين‭ ‬محاولة‭ ‬سعد‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭ ‬الجانبي‭ ‬الضيق‭ ‬ليغيب‭ ‬عن‭ ‬مرمى‭ ‬الطلقات‭ ‬كان‭ ‬فاصلا‭ ‬زمنيا‭ ‬قريبا‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬العدم‭ ‬لم‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬رامي‭ ‬الدوشكا‭ ‬ولا‭ ‬سعد‭ ‬الذي‭ ‬سمع‭ ‬صوت‭ ‬خروج‭ ‬الطلقة‭ ‬من‭ ‬السبطانة‭ ‬العمياء‭ ‬مترافقا‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اللحظة‭ ‬بوخزة‭ ‬مؤلمة‭ ‬في‭ ‬مؤخرة‭ ‬قحفه‮»‬‭ (‬الرواية‭).‬

وكمثال‭ ‬على‭ ‬التلميح‭ ‬أتوقف‭ ‬عند‭ ‬دلالة‭ ‬الوحدة‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬إعلان‭ ‬الوحدة‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬1958‭ ‬ومشهد‭ ‬استعانة‭ ‬الملا‭ ‬عبداللطيف‭ ‬بثلاثة‭ ‬من‭ ‬الأرمن‭ ‬لبناء‭ ‬منبره‭. ‬وحدة‭ ‬سياسية‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬ووحدة‭ ‬اجتماعية‭ ‬بين‭ ‬الكرد‭ ‬والأرمن‭ ‬بعد‭ ‬المجزرة‭ ‬التي‭ ‬تعرضوا‭ ‬لها‭. ‬وحدتان‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬لهما‭ ‬النجاح‭ ‬لأنهما‭ ‬حصيلة‭ ‬إرادة‭ ‬فردية‭ ‬لم‭ ‬تتآلف‭ ‬معهما‭ ‬القلوب‭ ‬ولم‭ ‬تستوعبهما‭ ‬العقول‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتقبل‭ ‬الآخر‭. ‬وتعليق‭ ‬الملا،‭ ‬مخاطباً‭ ‬الحِرَفِيين،‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬وعيه‭ ‬باستحالة‭ ‬صمود‭ ‬الوحدة‭ ‬السياسيةوإمكانية‭ ‬صمود‭ ‬الوحدة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬تأسست‭ ‬على‭ ‬البناء‭ ‬والتعاون‭. ‬يقول‭ ‬الملا‭: ‬

‮«‬أقسم‭ ‬بالله‭ ‬إن‭ ‬منبركم‭ ‬الجميل‭ ‬هذا‭ ‬سيصمد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬وحدة‭ ‬هذا‭ ‬الرئيس‭ ‬الأسمر‭ ‬التي‭ ‬أعلنوها‭ ‬قبل‭ ‬أيام‮»‬‭ (‬الرواية‭).‬

واتسمت‭ ‬شخصيات‭ ‬الرواية‭ ‬بفرادتها‭ ‬وتنوعها‭ ‬وأبرز‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعلق‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ (‬مسينو‭ ‬الأهبل،‭ ‬أوسي‭ ‬شارو،‭ ‬الشاعر‭). ‬الشخصيات‭ ‬وجماليات‭ ‬لغة‭ ‬الوصف‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقفة‭ ‬مطولة،‭ ‬لكني‭ ‬سأكتفي‭ ‬بمثال‭ ‬عن‭ ‬الوصف‭ ‬والحوار‭ ‬في‭ ‬المقطع‭ ‬التالي‭:‬

وصل‭ (‬الدم‭) ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬وأخذ‭ ‬يسيل‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬خطوط‭ ‬رفيعة‭ ‬كأوتار‭ ‬كمان‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬بيت‭ ‬اللهو‭ ‬بيت‭ ‬عبده‭ ‬التسعيني‭ ‬إمام‭ ‬الجامع‭ ‬الكبير‭. ‬اقترب‭ ‬الثلاثة‭ ‬من‭ ‬الحشد‭ ‬الحائر‭ ‬وتقدموا‭ ‬حتى‭ ‬بلغوا‭ ‬باب‭ ‬المسجد‭ ‬وهم‭ ‬يطأون‭ ‬أوتار‭ ‬الدم‭ ‬لا‭ ‬مبالين‭ ‬بتحذيرات‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬تحاشى‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬موطء‭ ‬الدم‭ ‬المنساب‭ ‬على‭ ‬الشارع‭.‬

■‭ ‬الأوغاد‭. ‬إنهم‭ ‬يعزفون‭ ‬على‭ ‬الدم‭ .‬

قال‭ ‬مسينو‭ ‬الأهبل،‭ ‬الذي‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬اقتباس‭ ‬كلامه‭ ‬من‭ ‬عبارات‭ ‬الشاعر‭ ‬النحيل‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يفرقون‭ ‬بين‭ ‬كلامه‭ ‬وكلام‭ ‬الشاعر‭. ‬ثم‭ ‬مد‭ ‬رقبته‭ ‬الطويلة‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬فوق‭ ‬رأس‭ ‬الروائي‭ ‬الحائر‭ ‬وأردف‭ ‬مستفهما‭ ‬منه‭:‬

■‭ ‬أستاذ‭ ‬صالح‭ ‬أتعرف‭ ‬أي‭ ‬مقام‭ ‬هذا؟

■‭ ‬إنه‭ ‬مقام‭ ‬الحيرة‭ ‬يا‭ ‬رئيس‭ .‬

■‭ ‬لست‭ ‬أسألك‭ ‬عن‭ ‬التصوف‭ ‬يا‭ ‬فيلسوف‭ ‬عصره‭. ‬أي‭ ‬مقام‭ ‬موسيقي‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يعزفه‭ ‬الثلاثة‭ ‬المدججون؟

■‭ ‬لا‭ ‬يهم‭. ‬إنه‭ ‬نشاز‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ .‬

■‭ ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فأعتقد‭ ‬أنه‭ ‬مقام‭ ‬كُرد‭. (‬الرواية‭)‬

يقول‭ ‬جان‭ ‬دوست‭: ‬‮«‬الكتابةُ،‭ ‬جريمة‭ ‬تقتل‭ ‬مرتكبها‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬الجريمة‭ ‬هنا‭ ‬تحيي‭ ‬وتيقظ‭ ‬الضمائر‭. ‬فقد‭ ‬وضع‭ ‬الكاتب‭ ‬فيها‭ ‬روحه‭ ‬ودمه،‭ ‬مقتفياً‭ ‬بذلك‭ ‬مقولة‭ ‬المسيح‭ ‬التي‭ ‬وظفها‭ ‬السياب‭ ‬شعراً‭: ‬‮«‬دمي‭ ‬ذلك‭ ‬الماء‭ ‬لو‭ ‬تشربونه‭ ‬ولحمي‭ ‬هو‭ ‬الخبز‭ ‬لو‭ ‬تأكلونه‮»‬‭.‬الماء‭ ‬والخمر‭ ‬هنا‭ ‬يتحولان‭ ‬إلى‭ ‬حبر‭ ‬من‭ ‬دم‭ ‬ودمع‭ ‬والخبز‭ ‬إلى‭ ‬ورق‭. ‬والنتيجة‭ ‬رواية‭ ‬واقعية‭ ‬بأسمائها‭ ‬ومجريات‭ ‬أحداثها‭ ‬لكن‭ ‬كاتبها‭ ‬ينظر‭ ‬كعادته‭ ‬من‭ ‬ثقب‭ ‬جحيم‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬جنة‭ ‬الخيال،ليمنح‭ ‬واقع‭ ‬الرواية‭ ‬روحاً،‭ ‬خلافاً‭ ‬لمن‭ ‬ينظر‭ ‬من‭ ‬ثقب‭ ‬الخيال‭ ‬إلى‭ ‬جحيم‭ ‬الواقع‭ ‬فيظفر‭ ‬بالواقع‭ ‬ويفقد‭ ‬الحياة‭. ‬وكما‭ ‬بدأت‭ ‬الرواية‭ ‬بمزج‭ ‬الحقيقة‭ ‬والخيال‭ ‬فإنها‭ ‬تنتهي‭ ‬بخاتمتين‭: ‬خاتمة‭ ‬تستجيب‭ ‬لإغراء‭ ‬الخيال‭ ‬فينهيها‭ ‬المؤلف‭ ‬الضمني‭ (‬صالح‭) ‬بأمل‭ ‬يطارد‭ ‬فيه‭ ‬الدم‭ ‬قتلته‭ ‬وينتقم‭ ‬منهم‭. ‬وخاتمة‭ ‬يُبقيها‭ (‬المؤلف‭ ‬الحقيقي‭) ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬الثورة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬وقائعها‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬واقعثورة‭ ‬حقيقية‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭.‬

ناقد‭ ‬يمني

رياض‭ ‬حمَّادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية