لم تعرف اليمن الدولة بالمفهوم الحديث، حتى وان كنا نعيش في عصور بعد ما بعد الحداثة، فاليمن ككيان سياسي يحكمه عدد من دوائر النفوذ، التي قد تتقلص أو تتسع، تتقاطع أو تتحد. وبموجب هذه العلاقات الداخلية يكون حال اليمن سياسيا، وجغرافيا، وهي دوائر ذات امتداد قبلي، وديني ومذهبي، وعسكري.
ان من يسعى لحكم اليمن عبر العصور لابد ان يضع في حسبانه تلك الدوائر، ويضع في ترتيباته احتساب مداخلها ومخارجها، وكيفية اشتغالها، إذ انه قد يسعى بها، أو من خلالها إلى السلطة، وقد يحاول تجاهلها أو مقاومتها فتلتهمه في طريقها بصورة مشابهة لما تصنعه الثقوب السوداء.
لقد فطن الإخوان المسلمون فرع اليمن (التجمع اليمني للإصلاح) إلى فاعلية هذه الدوائر، فعمدوا إلى اتخاذ عبدالله بن حسين الأحمر – زعيم قبيلة حاشد، أكبر دائرة نفوذ قبلي في اليمن- رئيسا لحزبهم. وفي طريق سعيهم الحثيث للسلطة عبر هذه الدائرة كونوا دوائر أخرى رديفة متمثلة بدائرة النفوذ العسكري من خلال الجنرال علي محسن، ودائرة النفوذ الديني المتمثل برجل الدين عبدالمجيد الزنداني. ولكل دائرة مساحة امتدادها الاجتماعي التي تؤثر بصورة كبيرة في القرار السياسي وتبعاته على البلد. ومن المفارقات العجيبة لفاعلية هذه الدوائر انه في عام 2006 وفي آخر انتخابات ينافس فيها الرئيس السابق علي صالح مرشح حزب المؤتمر الحاكم وحلفاؤه، رشح حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون) ومعه أحزاب تحالف المشترك فيصل بن شملان، وفي الوقت نفسه خرج عبدالله بن حسين الأحمر (رئيس حزب الإخوان) ليعلن ان مرشحه هو علي عبدالله صالح، بمخالفة صادمة لقرار الحزب وقواعده، وخطابه الذي يهاجم علي صالح بقوة، وهو ما يظهر ان لدوائر النفوذ حساباتها الخاصة بعيدا عن المؤسسات الحزبية والسياسية التقليدية.
في جنوب اليمن سابقا، وفي سعي النظام السياسي حينها لتأسيس دولة بالمفهوم المعاصر اصطدم النظام الجديد مع دوائر النفوذ، ولكنه قاومها، وطوعها قدر الإمكان لخدمة أهدافه وتوجهاته الجديدة، إذ حول دوائر النفوذ القبلي والعشائري والديني من دوائر منافسة لأدوات النظام السياسي إلى دوائر رديفة، فاستطاعت الدولة حينها ان تكون هي الفاعل الوحيد والقوي على امتداد الرقعة الجغرافية للسلطة السياسية، بالرغم من المؤاخذات الكثيرة على أداء ذلك النظام إلا انه أسس مفهوم الدولة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
وفي الشمال فطن الرئيس إبراهيم الحمدي أواخر السبعينيات لفاعلية هذه الدوائر ولأدائها السلبي أمام بناء الدولة فبدأ بإجراءات بناء المؤسسات الوطنية بعيدا عن دوائر النفوذ فاستطاع خلال سنتين فقط ان يحقق نقلة تنموية وثقافية وفكرية. ولكن تقديراته لأداء تلك الدوائر كانت ناقصة إذ استطاعت من خلال تقاطعاتها الخارجية والداخلية، ان تغتال الحمدي ومعه حلم اليمنيين ببناء بلد تحكمه المؤسسات والنظام والقانون.
وقد تنبه الرئيس السابق علي صالح إلى أسرار تلك الدوائر، وسمى ذلك بالرقص على رؤوس الثعابين، فوظفها لصالحه وحكم بها ومعها اليمن لمدة 33 عاما. وبنى بالتوازي مؤسسات شكلية، وجعلها أداة تنفيذية لدوائر صنع القرار الحقيقي الواقعة في الظل. ففي عام 2011 انفجرت قنبلة في مسجد دار الرئاسة وفيه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشورى وأغلب الوزراء والقادة، فلم يتغير في الأمر شيء، ولم يتأثر أداء المكاتب، ولم يحصل أي انفلات في الأمن وبدا كأن شيئا لم يكن. إذ تكمن الدولة خارج القصر الرئاسي وخارج المؤسسات الشكلية في البرلمان ومجلس الوزراء. إنها في القصور الخاصة، ولديها معسكراتها الأهلية ومواردها المالية المستقلة التي تختلط في مواطن كثيرة مع موارد المال العام.
وقد فطنت لفاعلية تلك الدوائر الحركة الحوثية فاستغلت ضعف منافسيها التقليديين، وزحفت على الامتداد الجغرافي القبلي وطوعته لصالح حركتها سياسيا وعسكريا، وهي إذ تدرك فعالية هذه الدوائر فانها تسعى للسلطة من خلالها إذ ان السلطة الحقيقية ليست في المؤسسات الرسمية بل في المؤسسات التي تقف هناك في الظل، فتصنع الوزراء والقادة ومديري المكاتب الحكومية المختلفة.
ان دوائر النفوذ في اليمن هي الحاكم الفعلي العابر للأنظمة والقوانين واللوائح وحتى الأعراف القبلية، فتهرب من القانون إلى العرف حين تضطر وتهرب من العرف إلى القانون حين تريد، وهي المدير والوزير والقاضي ورئيس الحكومة ومدير الأمن، وقائد القوات. إنها دوائر غير مرصودة تعمل من وراء ستار سميك متمثل في مؤسسات شكلية تعمل كقفازات واقية تلبسها متى ما طاب لها وتخلعها أو تستبدلها عندما تريد.
وخلاصة ما يجري حاليا في اليمن هو ان دوائر النفوذ تعيد ترتيب أوراقها وتعيد حسابات تحالفاتها، وتموضعها من جديد، بعد ان غيرت بعض رموزها، وشعاراتها، ومعها تكتيكاتها. وقد نشهد بروز دوائر جديدة واختفاء أخرى مع كل فجر يوم جديد.
٭ كاتب من اليمن
د. محمد المحفلي