دوافع أمريكا من توتير العلاقات مع تركيا

حجم الخط
2

المتابع للسياسة الأمريكية نحو تركيا، بعد الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 يدرك أن هناك أجهزة معينة في أمريكا تتعمد توتير العلاقات مع تركيا، وللأسف فإن هذه الأجهزة هي التي تمسك بالقرار السياسي الأمريكي الذي يختص بتركيا.
وهذا يعني أن فهم السياسة الأمريكية نحو تركيا يحتاج لمراجعة نقاط الاختلاف بينهما، أو نقاط عدم التوافق بين السياستين الأمريكية والتركية خلال هذه السنوات، ومنها قضايا متعلقة بالقضية الفلسطينية والحروب العدوانية الإسرائيلية على غزة، والمواقف التركية منها 2009 و2010 وبعدها، والمواقف التركية من احتجاجات بعض الشعوب العربية فيما عرف بثورات الربيع العربي، وما أبدته تركيا من دعم للمواقف الشعبية في مصر وتونس وسوريا وليبيا واليمن وغيرها، ومنها الاختلاف على طريقة مواجهة تنظيم «داعش» منذ يونيو 2014 ، بعد أن شكلت أمريكا تحالفا دوليا من أكثر من ستين دولة، وكان الموقف التركي عدم المشاركة في العمليات العسكرية، إلا بعد الاتفاق على الخطط العسكرية والأهداف السياسية منها، وعدم التبعية العمياء لمشاريع البنتاغون فقط.
وأخيرا وليس آخرا جاء الاختلاف التركي الأمريكي على ما وصفته مصادر دولية وتركية عديدة تورطا أمريكيا بالعملية الانقلابية الفاشلة لتنظيم فتح الله غولن 2016، وإصرار أمريكا على عدم تسليم المتهم الأول بالانقلاب المقيم في بنسلفانيا الأمريكية، رغم تقديم تركيا لأمريكا عشرات آلاف الأدلة والوثائق على تورط غولن بذلك الانقلاب، وما تبع ذلك من اختلافات على الموقف الأمريكي الخاطئ من دعم الأحزاب والمليشيات السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني لإقامة كيان انفصالي شمال سوريا، مع علم أمريكا بأن الدعم العسكري الهائل للتنظيمات الارهابية الكردية فيه تهديد مباشر للأمن القومي التركي.
كل هذه القضايا كانت قضايا رئيسية في اختلاف المواقف السياسية بين تركيا وأمريكا، وذلك مؤشر على أن أمريكا اليوم تتبع سياسة خشنة مع تركيا لأكثر من سبب، أو لسببين رئيسيين وهما، ثني السياسة التركية عن اتخاذ سياسات مستقلة، تعتبرها أمريكا غير متوافقة مع مشاريعها في المنطقة، وبالأخص في سوريا والعراق مع الأحزاب الكردية الانفصالية، وثانيهما محاسبة تركيا على اتخاذها سياسة مستقلة عن أمريكا وحلف الناتو بتقاربها مع روسيا وتعاونها العسكري معها، وبالأخص شراء تركيا منظومة دفاع جوي روسي متطورة هي س400، إضافة إلى المشاريع الاقتصادية العملاقة التي تتعاون بها تركيا مع روسيا والصين، وعدد من دولة منظومة شنغهاي ومجموعة دول أوراسيا وغيرها.
لذلك فإن إعلان السفارة الأمريكية في تركيا يوم 8 أكتوبر الجاري عن تعليق إصدار التأشيرات على خلفية اعتقال أحد موظفيها، هو نتيجة لهذا التوتير في العلاقات، الذي تسعى أمريكا لاستثماره للضغط على الحكومة التركية لتغيير سياستها في عدد من الملفات الشائكة بينهما، مع التأكيد على أن حزم وعزم الحكومة التركية بمواجهة عناصر الكيان الموازي لفتح الله غولن أمر لا تهاون فيه لدى الحكومة التركية وأجهزتها الأمنية، لأن الشعب التركي ينتظر تقديم هذه العناصر القاتلة لأبنائه للعدالة. فالسلطات التركية ألقت القبض على موظف تركي اسمه «متين طوبوز» يعمل بالقنصلية الأمريكية في إسطنبول بسبب علاقته بتنظيم غولن، وليس لكونه موظفا في السفارة أو القنصلية الأمريكية، وكونه موظفا عاديا في القنصلية، فلا حصانة قانونية له في مواد القانون التركي والقانون الدبلوماسي الدولي، إضافة إلى ان وزير الخارجية التركي جاويش أغلو اوضح لنظيره الأمريكي تيلرسون أن هناك أدلة قوية وخطيرة ضد هذا الموظف، تثبت ارتباطه ومشاركته لتنظيم فتح الله غولن.
لقد أشار وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، قبل يوم واحد من تعليق السفارة الامريكية منح التأشيرات، إلى وجود أدلة خطيرة ضد موظف القنصلية الأمريكية العامة في إسطنبول، الذي أوقف، الأربعاء الماضي، بتهم «التجسس» و»محاولة الإطاحة بالنظام الدستوري»، وقد أعلن جاويش اغلو ذلك في حوار له مع قناة «فرانس- 24» الفرنسي، وقال اغلو:» في حال ثبوت ارتكاب (المتهم) لأية جريمة، من بين التهم التي يدور حولها التحقيق، فإن العمل هنا أو هناك (في إشارة إلى القنصلية) لا يعطي الحصانة لأحد». وأضاف: «أنه لا يتم توقيف أو سجن أحد في بلاده بدون وجود اتهامات كبيرة أو دلائل، وأن القرار في هذا الخصوص لا يعود إليه ولا لوزارة الخارجية الأمريكية، بل للقضاء التركي المستقل». وقال:»هناك اتهامات وأدلة خطيرة، لقد تم إبلاغي بذلك، كونه (المتهم) يتولى وظيفة دبلوماسية، وسألت بدوري مسؤولي القضاء في إسطنبول، فأجابوا بأن هناك اتهامات وأدلة خطيرة».
والقرار الذي تم بموجبه الاعتقال صادر عن محكمة الصلح والجزاء المناوبة في إسطنبول، وقد قضت بحبس «طوبوز» على ذمة التحقيق معه، بتهم بينها «التجسس» و»محاولة الإطاحة بالنظام الدستوري»، و»السعي للإطاحة بالحكومة التركية»، وقد تبين خلال التحقيقات للنيابة العامة ارتباط «طوبوز» بالمدعي العام السابق الفار من وجهة العدالة «زكريا أوز»؛ ومديري شرطة سابقين، يشتبه في انتمائهم لمنظمة «فتح الله غولن»، وبتورطهم بمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
هذه المواقف القضائية توجب على القنصلية الأمريكية التعاون معها، كما توجب على الخارجية الأمريكية التعاون فيها، ولكن العنجهية الأمريكية أو التورط الأمريكي لا يعالج مثل هذه القضايا بحكمة ودبلوماسية، فردود الفعل الأمريكية قد تشير إلى شبهة أخرى وهي تورط القنصلية نفسها بتحركات طوبوز، وإلا فلماذا هذه المواجهة مع السلطات التركية أولاً، ولماذا التصعيد في القضية ثانياً، طالما ان القضية أمنية ولها أسبابها الحقيقية والأمنية في نظر السلطات القضائية التركية.
لذا كان طبيعيا أن ترد السلطات التركية بالمثل بإعلان السفارة التركية بواشنطن، مساء اليوم التالي، تعليق خدمة إصدار التأشيرات للمواطنين الأمريكيين من مقر السفارة بواشطن وكل الممثليات التركية بالولايات المتحدة، فالقرار التركي جاء رداً على قرار السفارة الامريكية بأنقرة بتعليق إصدار تأشيرات الدخول للمواطنين الأتراك، وهذا الموقف السياسي والدبلوماسي التركي حق للدولة التركية أولاً، ويرضي المواطن التركي، لأنه لا يقبل أن تقوم الادارة الأمريكية باجراء استعلائي ضد تركيا، فإذا ما اخطأت وقامت بذلك فإن المواطن التركي ينتظر من حكومته الرد بالمثل.
وشاءت الأقدار أن يتزامن مع هذا التصعيد الأمريكي ضد تركيا تصعيد آخر أمريكي ضد إيران بتهديد ترامب بإلغاء الاتفاق النووي معها الذي وقعته دول خمس زائد واحد مع إيران في منتصف أبريل 2015، فهذا كشف عن طبيعة السياسة الأمريكية العدائية ضد العالم، وليس ضد تركيا وإيران فقط، بدليل ان الشهادة التي نقدمها لتفسير هذا السلوك الأمريكي هي لوزير الخارجية الألماني وليس وزير خارجية تركيا ولا إيران، فقد توقع وزير الخارجية الألماني، سيغمار غابرييل، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، الأسبوع المقبل، جاء تصريحه في فاعلية لحزبه الاشتراكي الديمقراطي بسكسونيا السفلى، حيث قال غابرييل «من المحتمل أن تعلن الولايات المتحدة انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران الأسبوع المقبل، وهذا يمثل لي قلقاً كبيراً». وتابع « إن الحكومة الألمانية ستبذل قصارى جهدها حتى تبقى الولايات المتحدة ملتزمة بالاتفاق المعني بمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية». وقد وصف غابرييل سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ»الخطر الكبير»، موضحا أن: «ترامب والمحيطين به يرون العالم ساحة قتال البقاء فيها للأقوى»، وأضاف «هذا يعني أنهم استبدلوا سيادة القانون، بقانون الأقوى، وهذا يمثل خطرا بالنسبة لألمانيا، لأنه يغير العالم».
هذا الكلام الذي ينتقد السياسة الأمريكية المعاصرة لترامب وإدارته هي لوزير خارجية ألمانيا، الدولة الصديقة لأمريكا، او الابنة المدللة لأمريكا كما يصفها بعض السياسيين الغربيين، ومع ذلك فإنه ينتقد التعدي الأمريكي على القانون الدولي لصالح القوة الأمريكية، فامريكا تريد من تركيا ان تبقى مكتوفة الأيدي اتجاه أية مواقف عدائية من أمريكا نحوها، حتى لو كانت تنتقص من قيمتها وهيبتها وامنها، بينما وضح الرئيس التركي أردوغان مراراً لزعماء الغرب بان الزمن الذي كانت تنصاع فيه تركيا للأوامر الغربية قد ولىّ بلا رجعة، فتركيا اليوم دولة قوية ومن حقها أن تدافع عن مصالحها، وان تقدم مصالح مواطنيها وتحميهم، وان تقدم منهم للعدالة المتورطين بأعمال إجرامية، فكيف إذا كان المتهم متورطا بأعمال خطرة ضد أمن تركيا واستقرارها، بل كيف إذا كان متورطا بعمل انقلابي، أو شريكا لتنظيم ارهابي استهدف الشعب التركي بالقتل وسفك الدماء؟ فلا يمكن لأمريكا محاسبة الدول التي تمارس حقها بالدفاع عن أمنها، وتدافع عن حقوق شعبها.
كاتب تركي

دوافع أمريكا من توتير العلاقات مع تركيا

محمد زاهد غول

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية