واشنطن ـ «القدس العربي»: حرصت الولايات المتحدة، لأسباب عسكرية وسياسية، على ان تكون جزءا لا يتجزأ من نصر متوقع في معركة الموصل حيث تدرك واشنطن ان مساهمتها الحربية في الحملة الهادفة لاستعادة المدينة ستكون حاسمة كما انها تحاول منع تنظيم «الدولة» من تحويل هزيمته المقبلة إلى سيناريو دموي في العراق أو استخدام الهزيمة كتكتيك يخـدم المصالح والطموحات الاستراتيجية للجماعة المتطرفة.
وتدرك القيادات السياسية والعسكرية في البيت الأبيض ووزارة الدفاع ان استعادة السيطرة على الموصل وطرد عناصر التنظيم من المدينة لن تكون مهمة سهلة نظرا لضخامة عدد سكان المدينة وأهميتها الاستراتيجية للجماعة، ووفقا للعديد من المحللين الأمريكيين الذين يرددون ذكريات مقتل 100 من القوات الأمريكية في الفلوجة عام 2004 فان الجماعة استعدت جيدا للهجوم عبر المتفجرات والأنفاق ومستودعات الأسلحة والمواقع المحصنة، وعلى حد تعبير القائد السابق لقوة دلتا جيم ريس لي: «عناصر داعش يعرفون انهم ذاهبون إلى الموت، وسيعيثون فسادا في الأرض في طريقهم إلى الجحيم».
والخطة الحالية لاستعادة المدينة واضحة للغاية، فهي تتضمن تقدم القوات العراقية والميليشيات الكردية وقوات التحالف والقوات الخاصة الأمريكية على طول الجبهة الشرقية الواسعة والقضاء على تواجد الجماعة في القرى المحيطة بالمدينة ومن ثم الضغط بشكل عسكري على المداخل الجنوبية والشرقية للمدينة استعدادا للهجوم النهائي.
ووفقا لتقديرات الخبراء بمن فيهم المحلل توم روغان في «ناشونال ريفيو» والباحث كايل اورتون، فان مشاركة الولايات المتحدة في الهجوم النهائي ستكون كبيرة، ناهيك عن دورهام للأجهزة الاستخبارية الأمريكية التي استهدفت الضباط الكبار في التنظيم الذين لديهم قدرات تشغيلية محددة في الموصل، إضافة إلى تقديم دعم استخباري للقوات العراقية أثناء دخولها المدينة وسط الكمائن والقناصة. ولكن الدور الأهم للولايات المتحدة في معركة الموصل سيكون، بطبيعة الحال، عبر الضربات الجوية التي ستضطر إلى مراعاة ظروف القتال البري والقصف من نطاقات قريبة جدا ومناطق مفتوحة.
ومن المتوقع، ان تحتك القوات العراقية مع قوات «الدولة الإسلامية» أو ستكون على مقربة منها، لذا تظهر الحاجة إلى دعم جوي مفيد بما في ذلك الضربات الجوية السريعة الدقيقة، وهذه الغارات تتطلب مهارة عالية جدا وسط محاولات لاستخدام المدنيين للتغطية أو دروع بشرية، ووفقا لآراء الكثير من العسكريين، فان المراقبة الجوية الأمريكية هي الأقدر على تقديم هذه المهارة.
والفهم الأمريكي لتداعيات معركة الموصل بما في ذلك الأبعاد السياسية يتصف بالكثير من الفطنة والملاحظة العميقة، حيث تدرك الإدارة الأمريكية ان طموحات التنظيم تصل إلى حد تحويل معركة الموصل إلى حمام دم سياسي للحكومة العراقية حيث تتوقع وتأمل الجماعة ان تقوم الميليشيات الشيعية في ذبح المدنيين السنة في الموصل وان تقوم الميليشيات الكردية بالتعرض للسنة، أيضا، في المدينة والتحريض على علاقات متوترة أكثر بين انقرة وبغداد، وهكذا تصل الاستنتاجات الأمريكية، في حال عدم تدخل واشنطن في المعركة، إلى حد توقع تطورات من شأنها اجبار السنة على مواصلة الدفاع عن النفس والاستغاثة بتنظيم «الدولة» لذا ظهر اجماع في واشنطن على ضرورة ان تكسب الحكومة العراقية نوعا من المصداقية الشعبية أثناء تحرير المدينة.
من الناحية العسكرية، ووفقا لما كشفه المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية بيتر كوك فان حوالي 5 آلاف من القوات الأمريكية في العراق سيجدون أنفسهم في بيئة قتالية في معركة استعادة الموصل التي بدأت «قبل الموعد المحدد» وذلك من أصل 4880 جنديا أمريكيا يخدمون حاليا في جميع أنحاء البلاد ويشاركون في تقديم الدعم اللوجستي للعمليات العسكرية. وقال ان الولايات المتحدة على استعداد لتقديم الدعم للعراقيين وان القوات الأمريكية ستفعل ما بوسعها لمساعدة القوات المحلية.
وشدد كوك في تصريحات منفصلة على ان القوات الأمريكية اتخذت الاحتياطات العادية التي من المتوقع ان تأخذها في «البيئة القتالية» مشيرا إلى الدور الاستشاري للقوات الأمريكية في حملة استعادة المدينة كما أكد على ان القوات الأمريكية ليست في صدارة المعركة.
ولتوضيح الدور العسكري للقوات الأمريكية، يمكن مراجعة بيانات البنتاغون في اليوم الأول لحملة استعادة المدينة حيث شنت الولايات المتحدة وطائرات التحالف أربع غارات جوية قرب الموصل ودمرت العديد من الموارد التكتيكية للتنظيم مثل مداخل الانفاق والمخابئ وأنظمة الهاون والمركبات ما ساعد القوات العراقية والكردية على بدء الهجوم من الشرق وتطويق المدينة وقطع خطوط اتصال الجماعة المتطرفة.
وقال اللفتنانت جنرال ستيفن تاونسند من قيادة فرقة العمل المشتركة لعملية الحل المتأاصل بانه لا يمكن التنبؤ بوقت العملية ولكنه متأكد من نجاحها، تماما، كما حدث في بيجي والرمادي والفلوجة إضافة للقيارة والشرقاط في الآونة الأخيرة. واضاف تاونسند في بيان ان التحالف سيدعم القوات العراقية بمجموعة واسعة من القدرات بما في ذلك الدعم الجوي والمدفعية وتقديم الاستشارات.
من الإنصاف القول، ان حملة استعادة مدينة الموصل من سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» هي أكبر مثال على سياسة مكافحة الإرهاب التي انتهجتها إدارة أوباما في العالم بما في ذلك افغانستان وليبيا وسوريا والعراق، وإذا نجحت هذه الحملة، فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة بما في ذلك المحتملة للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ستواصل النهج نفسه، وإذا لم تنجح هذه الحملة فهذا يعني انهيارا تاما لاستراتيجية أوباما التي لم تنجح بشكل واضح رغم انفاق أكثرمن 25 مليار دولار على تدريب القوات العراقية و10 سنوات من التدريب. وبلغة أخرى، نجاح حملة استعادة الموصل هو نجاح لأوباما واستراتيجته وفشلها هو تأكيد على عدم قدرته على القيادة.
رائد صالحة