استيقظت مسرورة مبتهجة من حلم منام نالها عند الخيط الأبيض من الفجــر… نظرت فيما حولها فأحسّت بأنّ الشمس ما تزال نائمة، ثمّ عادت إلى وسادتها مرّة أخرى… إنه الحلم اللذيذ الذي طبع مخيلتها بقبلة مارقة (إنها قبلة حلم فكيف بها لو كانت حقـاً قبلــة علم؟). قالتها في خاطرها الناعس بصمت فتاة ملوّن، قد غادرت المدرسة الثانوية إلى الجامعة متخصصة بدراسة (البيولوجي) فمن أين إذن جاءت تلك القبلــة التي لـن تنساها؟ انشغل ذهنها اليافع باحثاً عن جواب. وقررت العودة إلى عالم الأحلام، لكي تحظى شفتاها بقبلة أخرى مجاناً. ابتسمت ورددت في خاطرها اللين النسيج كالأسفنج: «يقولون: الطمع يؤدي إلى الإفلاس، لكن هي قبلة ليست من الطمع». ثمّ أغمضت جفنيها بسكون الغَبش.. بعده تملمت ورفعت رأسها عن وسادتها ذات الغطاء الأبيض «يا ربّ إنها قبلة أخرى تفوق الأولى…هل هذا من الرزق أم من المعاكسة؟». تلفتت وهي تمسّد أطراف شعرها الأحمر كعرف الفرس الديباج، وفجأة طفقت تدندن، لكنها توقفت وهي تتفرس أبهامها المطلي أظفره بالأحمركشعرها البلوطي… لقد شغلتها جداً تلك القبلة: الأولى والثانية بل زاد طمعها بثالثة منتظرة، وابتسمت مرّة أخرى: «يقولون الثالثة هي التامة وتسمّى ثالثة الأثافي». وعادت إلى وسادتها من جديد، فهي لها الآن الملاذ بل فيها كنز القبلات التي سحرتها وهذه المرّة قبّـلت الوســـادة عرفاناً بالجميل.. وتذكّرت مقولة أمها: «كلّ شيء دين حتى دمع العين، فهل ستعيــدي لي يا وسادتي قبلتي إليك، بقلبة هي ثالثة الأثافي؟ أرجو ذلك بشوق وتلهّف جريء»، لكن لا ينفع النوم بعد الآن، لقد أشرقت الشمس منذ برهة، وسمعت صوت أمهـا يناديها: «أحلام لقد حان الوقت إلى الكلية». تمطت قليلاً.. فما تزال لذة القبلة لصيقة بها كعطـر صيني قديم يأبى الاختفاء. وسط الزحام نظرت في جدول محاضراتها، إنها السّاعـة الأولى وستكون محاضرة بشأن غدد الهرمونات في جسم الإنســان، غادرت أحـلام منزلها إلى كلية العلوم، وكانت ساعة المحاضرة الأولى، قال الأستاذ: «محاضرتنا لهذا اليوم بشأن غــدد الهرمونات في جسم الإنسـان.. وهي محاضرة في مادة تخصصية، أريدكم التركيز، وعدم الانشغال بالبسبسة أيها الطلبة والطالبات. وعليه إنّ أهمّ هرمون ضمن الهرمونات البشرية المسمّاة الدوباميـــن. إنّ أهمية هذا الهرمون السحري تنبع من تأثيره على أحاسيس الإنسان، فهو مــادّة كيميائية تتفاعل في الدماغ لتؤثــر في كثيرمن الأحاسيس والسلوكيات الحياتية، بما في ذلك الانتبـــاه والتركيز والسعادة والحبّ، حتى يصل إلى متعة ونشوة الأحلام السعيدة. إنّ الدوبامين أحد المجموعات الكيميائية من خلية النواقل العصبية التي تحمل المعلومات وتنتج شبكة من الخلايا العصبية في الدماغ، وتوجد في الدماغ مجموعتان من الخلايا المنتجة للدوبامين الذي تتلقفه خمسة أنواع من المستقبلات، أهمّ معززات إنتاج الدوبامين أكل الموز قبل النوم». سرحت أحلام وهي تتذكر تلك القبلات الشبقة في المنام. فهل هي من فعل الدوبامين يا ترى؟ أم من فعل الموز المستورد من الصومال كما يقولون للناس؟ وهل الصومال ما تزال تزرع وتنتج المــــوز؟ أم أهلكته الحروب كغيره من بلاد القــردة؟ وإذا كانت هذه القبلات لا تطفئ هذه الحروب فلا نريد بعد الآن قبلات لا في المنام ولا في الصحو، ثمّ ضحكت وقالت: لنتصوّر كيف سنعيش في عالم من دون قبلات؟ لقد شغل أحلام ذلك الهرمون، هرمون السعادة الذي جعلوا له وزارة. فكيف السبيل لصناعة هذا الهرمون لنشر قبلات المحبة بين الناس كالعصير
بالموز أو من دون الموز؟
عادت إلى المنزل وبعد قسط من الراحة وطقوس تقبيل الأم، ولجــت إلى غرفتها واستلقت على سريرها المخملي، ووقع بصرها على غلاف تلك المجموعة القصصية التي قرأت بعضها، تنهدت وهي تفتح أوراقها المسكونة برائحة الانتظار، يقول ارسكين كالدويل الكاتب الأمريكي في قصته «رجل وامرأة» «وكانا يرفعان أعينهما بكلّ خطوة يخطوانها وهما يحدّقان في الأفق.. لرؤية الخطوط الحُمرمن أشعة الشّمس». لقد أحسّت أحلام بأنها الرّوح لا الهرمون وعالم الرّوح لم يصل إليه من قبل لا فرويد ولا كالدويل، لأنه هرمون سحري موجود في سبعة صناديق مقفلة في بطن حوت في قعر محيط ينتظرقشرة موزة لينزلق إلى الأعلى، كما أنزلقت حواء مع آدم عن الجنّة إلى وادي الحياة رغم الخطيئة الكبرى. عنذئذ قررت أنْ تأكل قبل نوم القيلولة موزة لزيادة الدوبامين، لعلّها (تنزلق) إلى ذلك العالم البعيد لتنال قبلة. وزادت الجرعة بأنْ وضعت إلى جانب السرير موزة أخرى للاحتياط.. ضحكت على حالها: «إنه نوع من المراهقة أيتها الفتاة الغرّة». واضطجعت قبل أنْ يزورها سلطان وسن الوسادة البيضاء ليطبق على جفنيها بسحره الآثم الغواية مثل طعم لبّ الموزالأبيض، ثمّ سافرت روحها إلى حيث تحلم بالقبلة الأخيرة بحرية… وهي عندها مضمونة لها بفعل زيادة دوبامين السعادة والرومانسية. وفجأة وجدت شخصها الحالم وسط مجموعة من القردة تتقافز من حولها صارخة لتنال منها سرقة تلك الموزة التي تركتها إلى جانب السريرللبركة قفزت خائفة من قهقهة القردة النابية وأنيابها الشريرة العاوية، كانت خائفة حتى رمت الموزة بعيداً عن سريرها مرددة بنفس مرتجف الشفة: «إنها قبلة ثمنها الحياة أيها القردة، لا أريدها من أفكاك نتنة ولو كانت قبلة حياة». وعادت إلى أحلامها الجديدة من دون سحرالدوبامين الشرير الذي أخذها غفلة إلى بلاد القردة.
كاتـــب من العــراق
جمال البدري