القبيلة بناء اجتماعي قبل حداثي، هكذا يعرفه المختصون في العلوم الاجتماعية، قد يمتد ويتداخل مع بنى حديثة مثل الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، وقد ينكفئ على نفسه ويتراجع تأثيره تبعا لمختلف العوامل المؤثرة في الحراك الاجتماعي.
والعراق من الدول التي تعايشت مع دورات تاريخية للظاهرة القبلية فيها، حراكا اتسم بالنمو تارة والتراجع تارة اخرى، بناء على ظروف البلد الاقتصادية – الاجتماعية، وما تعكسه من معطيات على الواقع السياسي.
ففي تاريخ العراق الحديث، عندما كان جزءا من الامبراطورية العثمانية وتحديدا في القرن التاسع عشر، كان حراك الظاهرة القبلية جليا واضحا، تناوب بين الهبوط الحاد في منتصف القرن والتنامي المفرط في بدايات القرن العشرين مع بداية الحكم الوطني. فقد كان سكان العراق موزعين إلى اغلبية ريفية تفوق الـ50%، يعيشون في الارياف الممتدة على اغلب مساحة العراق، ويحيون تحت ظل نظام قبلي يوفر لهم بنية اجتماعية اساسية للحياة، وحوالي 30% من البدو الذين يعيشون وفق نمط القبائل المرتحلة ومناطق سكناهم هي الصحراء الغربية المرتبطة بشبه جزيرة العرب من الجنوب وبادية الشام من الغرب، وكانت هذه الصحارى المنبع الأساس لكثير من الهجرات القبلية عبر التاريخ إلى منطقة حوضي دجلة والفرات.
أما النسبة المتبقية من السكان فكانوا يمثلون الأقلية الحضرية التي تتكدس في مراكز المدن القليلة المتناثرة في العراق مثل البصرة وبغداد والموصل وبعض المدن الكبيرة الاخرى، وكانت القبلية هي النظام الاجتماعي المسير للحياة في الصحراء والريف في العراق، بينما كان هنالك نوع من عصبية المحلة أو الأحياء المدينية والمهن والطرق الصوفية في مدن العراق، ضمن مجتمع قبل حداثي يوجب على الفرد الانتماء لبنية اجتماعية توفر له الأمن والاحتياجات الحياتية الأخرى.
الهزة الكبرى للنظام القبلي ابتدأت منتصف القرن التاسع عشر، حيث أن البنية التقليدية للقبيلة تتمثل بقرابة الدم، التي تجمع الافراد مع بعض، وتفرز مشايخ القبيلة من بينهم، على أسس مواصفات قيمية يتبناها المجتمع مثل الكرم والشجاعة والنخوة والحصافة وقوة الرأي، وإن الحياة الاقتصادية للقبيلة قائمة على الملكية العامة للارض التي تمثل (ديرة) القبيلة التي يجب الدفاع عنها سواء كانت مراعي للقبيلة البدوية أو أراض زراعية للقبيلة الريفية، لكن دخول الشركات الاوروبية وبشكل خاص شركة الهند الشرقية البريطانية على خط الاقتصاد المحلي العراقي احدثت فيه انقلابا بنيويا، فتحول من اقتصاد كفاف يسعى لكفاية أفراد القبيلة إلى اقتصاد ريعي ذي مقابل مادي يقوم على شراء السلع الزراعية وتصديرها إلى العالم وبذلك ارتبط الاقتصاد المحلي بالاقتصاد العالمي. مع محاولة الدولة العثمانية اللحاق بركب الحداثة وتنظيم أمور الإدارة الحكومية على أسس حديثة، تم إصدار قانون الأراضي سنة 1858، واتبعته بقانون تنظيم ملكية الارض الذي عرف بـ (قانون الطابو) سنة 1859 الذي وضع أسسا ثابتة لعمليات التصرف بالارض، إلا أن هذا القانون لم يدخل حيز التطبيق الفعلي والواسع في العراق إلا بعد مرور عشر سنوات، فعندما أصبح مدحت باشا والياً على بغداد سنة 1869 سعى بقوة لتطبيق قانون تمليك الاراضي الزراعية، رغبة منه لتثبيت القبائل في أراض محددة وترغيب القبائل المترحلة بالاستقرار، وبالتالي يستطيع فرض الضرائب وجباية الاموال لاستخدامها في مشاريعه العمرانية التي يسعى لإنشائها، كما أن القبائل المستقرة ستكون مصدرا جيدا للمجندين عبر قانون التجنيد الالزامي للجيش الذي طبقه في العراق.
وقد غير نظام ملكية الأرض بنية القبيلة التقليدية، إذ سجلت الأراضي الأميرية التي كانت تمثل ملكية مشاعية بين أفراد القبيلة باسم شيوخ القبائل مما حولهم في مناطق واسعة من جنوب العراق إلى اقطاعييين يستغلون ابناء قبائلهم الذين تحولوا إلى اقنان زراعيين في الارض، كذلك ارتبطت مصالح الشيوخ القبليين مع الاقتصاد العالمي الذي يستورد منتجاتهم، فأصبحوا كمبرادور محليا في نظام الاقتصاد العالمي، بينما بقيت القبائل البدوية في غرب وشمال غرب العراق على قوتها وتماسكها نتيجة غياب التأثيرات الانفة الذكر.
لقد كانت علاقة القبائل على امتداد العهد العثماني في العراق مشوبة بالتوتر وعدم الثقة، فالقبائل تنظر إلى الدولة العثمانية ورجالها في العراق على أنهم يريدون الاستحواذ على الضرائب وسوق الرجال إلى التجنيد الاجباري، وبذلك ومع أي فرصة متاحة نجد القبيلة تقف متنمرة بوجه الحكومة عبر شن الغارات ونهب الممتلكات التي تستطيع أن تنهبها من الاموال العامة، أو من أموال سكان المدن، وبذلك تكون العلاقة بين الدولة والقبيلة متأرجحة بشكل بندولي تحكمه موازين القوة بين الطرفين، فمتى ما ضعفت قوة الدولة استقوت عليها القبائل وهاجمت المدن وتمدد نفوذها، والعكس عندما تقوى الدولة فإنها تجرد الحملات على القبائل وتخضعها بعنف وقسوة مفرطة مصحوبة بالتنكيل الأعمى بكل أفراد القبيلة المتمردة وليس مقاتليها فقط، كما أن الولاة العثمانيين كثيرا ما لعبوا على موضوع التنافس والاقتتال بين القبائل لإضعافها وإبعاد أذاها عن المدن ومراكز الحكم العثماني، عبر التحالف مع بعض الشيوخ ضد خصومهم، أو الاستعانة ببعض القبائل في الحملات العسكرية كقوى مساندة للجيش مقابل ما تحصل عليه من غنائم من القبائل التي ستغزوها، لكن تشكل تحالفات قبلية كبيرة مثل تحالف المنتفك في الناصرية وتحالف البومحمد وبني لام في جنوب العراق، او تحالف القبائل الذي يقوده آل بابان في كردستان أو آل الجليلي في الموصل، أو تحالف قبائل شمر في الجزيرة في شمال العراق، حول هذه التحالفات القبلية إلى شبه إمارات مستقلة ذاتيا، ترعاها الدولة العثمانية أو تتعايش مع نفوذها لأنها أقل ضررا من انفلات القبائل المتحركة التي يصعب السيطرة عليها.
كما أصبح التنافس في نهاية القرن التاسع عشر على الملكية سببا في تفتيت الكثير من القبائل الكبيرة، حيث انشطرت القبيلة إلى قبائل عبر تسنم الشيوخ الصغار من رؤوساء الافخاذ والبطون القبيلة، وانشاء قبائل جديدة متنافسة ومتصارعة مع بعضها، ويشير تقرير الاستخبارات البريطانية في نهاية الحرب العالمية الاولى إلى وجود (118) قبيلة محيطة بمدينة بغداد فقط، ورأى عدد من الدارسين أن القبيلة والسلوك القبلي كانت متجها نحو الضمور والاضمحلال نهاية العهد العثماني، نتيجة التغيرات الاقتصادية، لكن وبحسب حنا بطاطو الذي يشير في كتابه عن الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق، إلى أن الانكليز سعوا لتعزيز وبعث القبلية لاستخدامها في السيطرة على بلد كبير بحجم العراق وبقوات قليلة ومنهكة بعد الحرب العالمية، وتم ذلك عبر تقوية ودعم نفوذ الشيوخ القبليين بالمال والسلاح والدعم المعنوي، ما أعاد سطوة القبلية مرة اخرى وارتباطها هذه المرة بقوى الاحتلال البريطاني.
لقد شهدت قوات الاحتلال البريطاني تمردا قبليا عنيفا في العراق هو ما عرف بـ(ثورة العشرين) حيث تمردت قبائل حوض الفرات نتيجة الاضرار الاقتصادية التي لحقت بشيوخ القبائل المزارعة او البدوية بعد محاولة الانكليز فرض القانون ومنع إغارة القبائل على بعضها بعضا، وتحديد نفوذ القبائل، بينما لم تشارك قبائل حوض دجلة او القبائل الكردية بهذا التمرد نتيجة ارتباط مصالح الشيوخ القبليين مع معطيات الشركات البريطانية وناقلاتها النهرية التي تجوب نهر دجلة وانعكاس ذلك على ازدهار ونمو ثروة شيوخ هذه القبائل في جنوب ووسط العراق، بينما كانت القبائل الكردية منضوية تحت قيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في كردستان العراق، حيث كان يعد العدة للاستقلال وبناء مملكته كدولة قومية في كردستان العراق، وكان عام 1920 فترة تفاوض بين الحفيد والانكليز الذين سمحوا له ببناء ادارة ذات حكم ذاتي في كردستان عام 1921.
ومع إقامة الحكم الملكي في العراق ومجيء فيصل بن الحسين ملكا على العراق، اصبح السعي لبناء هوية وطنية عابرة للهويات الفرعية الشغل الشاغل لمؤسس الدولة الحديثة، وكانت احدى العقبات الرئيسة التي اصطدم بها هي المشكلة القبلية وما افرزته من صراعات… لتستمر دوائر التاريخ واطوار التغيير التي مرت ومازالت تمر بها ظاهرة القبلية في العراق.
كاتب عراقي
صادق الطائي