دور التكنولوجيا في تجديد الخطاب الثقافي في المجتمع المصري

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من رانيا يوسف: ضمن فعاليات الملتقى الدولى لتجديد الخطاب الثقافي، عقدت الجلسة الثالثة للملتقى تحت عنوان «دور التكنولوجيا في تجديد الخطاب الثقافي»، أدارها أحمد السيد النجار، وقدم فيها الدكتور زين عبد الهادي ورقة بحثية بعنوان، «ما بعد الحداثة والمعلوماتية الموجة الثانية للتنوير في المجتمع المصري»، تناول في هذه الدراسة إشكالية مفهوم ما بعد الحداثة في عصر المعلومات والمعرفة، وتستعرض بشكل موجز تاريخ عالم الحداثة وما بعد الحداثة لتصل إلى أن المعلوماتية فتحت طريقًا جديدًا لمفهوم ما بعد الحداثة، لإعادة تشكيل العقل الإنساني العالمي، وعلى الرغم من أن المعلوماتية لم يكن مخططًا لها أن تلعب كل هذا الدور لأنها بنيت لأسباب جلها عسكرية، إلا أنها استطاعت أخيرا أن تخرج من هذا الدور إلى دور تنموي وتلعب دورا في غاية الأهمية في التغيير المجتمعي والثقافي، وعلى الجهات الثقافية اعتماد المعلوماتية جزءا لا يتجزأ من أدوات التجديد والتنوير في موجته الثانية في المجتمع المصري.
كما أكدت حنان الشعار في بحثها «دور التكنولوجيا في تجديد الخطاب الثقافي»، على تنوع طرق الخطاب الثقافي قديما، التي ما زالت مستمرة في تطوير أشكالها، ومع انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة وتطوير هذه الوسائل يوما بعد يوم، أصبح من الضروري مواكبة التطوير التكنولوجي الهائل ووسائله وأساليب الخطاب التي يمكننا التوجه بها إلى المتلقي. ويتقبل المتلقي المعلومات بواسطة التكنولوجيا بنسب أعلى من تقبلها ورقيا، فتأثير التكنولوجيا المتطورة يظهر جليا في ردة فعله الإيجابية لأنها تحدد المفاهيم وتجعل لها أطرا.
وأكدت أنها ليست متعلقة في مجال واحد، بل تترابط مع جميع الأعمال والعلوم، فنجد أهمية وسائل التكنولوجيا في الإعلام، على سبيل المثال، لتطوير خطابها للمتلقين متعمدة كل الوسائل المتاحة، فالتكنولوجيا تعمل على تحسين العملية التربوية، فقد تبدلت الأزمنة وتطورت، والتكنولوجيا غزت الأماكن فتقبلتها الشعوب.
وعلى صعيد التربية والتعليم تساهم هذه الوسائل في خطابها التفاعلي السريع إذ تساهم في ترسيخ المادة العلمية في أذهان المتعلمين، ما يدعم المواد ويغذيها، كما تؤثر في تطوير العملية الإبداعية عند المتعلمين إذ أن سرعة توجيهها اليوم وتمكنهم من المعلومات تساعدهم على ربطها ودمجها والابتكار في ما بعد.
وعلى صعيد التسويق الخطاب الثقافي لا بد أن يكون عالي الجودة لتكون المنتجات محببة إلى النفوس، فتسويق الكتب مثلا يحتاج إلى مهارة كلامية عالية وتأتي التكنولوجيا لتكمل هذه المهارة من حيث التبويب والتصميم والنشر، ولكن تبقى طريقة التوجه ملقاة على عاتق الموزع لوسائل التكنولوجيا، المساهمة الكبيرة في تحسين نوعية الخطاب الثقافي وتجديده.
واستطرد أحمد جميل عزم في بحثه بعنوان» الفضائيات العربية من المجتمع المتخيل العربي إلى العومحلية»، إن الفضائيات العربية في بداياتها في التسعينيات، شكلت عاملاً توحيديًا، يصنع عقلاً جمعيًا، ومجالاً عامًا، عربيين موحدين، في حين باتت الآن عامل تشظٍّ وتقسيم.
وأشار إلى أن نظرية «الطباعة الرأسمالية»، و»المجتمعات المتخيلة»، لبندكت أندرسون، واكتشاف الطباعة الصناعية في أوروبا، وانتشار الصحافة اليومية، وما تبعها من تغيرات في الهوية، واللغة، والسياسة، أدت لإيجاد الدول الأوروبية الحديثة، أما على الواقع العربي فكان هناك نوع من تقريب اللهجات المحلية لإيجاد ما سمي اللهجة البيضاء، وكان هناك نوع من توحيد المشاهد العربي، كما سيتم توظيف نظرية المجال العام، ليوغين هبرماس، لتوضيح كيف كانت الفضائيات مساحة للنقاش وتكوين رأي عام موحد، إلى حد ما، ولكن هذا تراجع كثيرا مع ازدياد عدد الفضائيات العربية، واضطرارها للسعي لشرائح جزئية صغيرة من سوق المشاهدين، مثل الشباب، والمرأة، ثم القبائل والأندية الرياضية، فضلاً عن تنافس الفضائيات على الجمهور المحلي في بلدانها، فتراجع دور الفضائيات العابرة للدول، لصالح الفضائيات المحلية، والمنشغل أيضا في التعبير عن مصالح مجموعات متضاربة داخل الدولة الواحدة أحيانًا، وبالتالي حدث تراجع إلى ما يسمى الآن «العومحلية»، أي استخدام تقنيات العولمة ولكن مع التركيز على الشأن المحلي.
وختم انه لا يمكن فهم تحولات الفضائيات العربية من دون أيضا متغيرين آخرين مهمين، أولهما، عملية توظيف الفضائيات العربية لأغراض سياسة لصالح الحكومات التي ترعى وتمول القنوات، وهو ما اتضح في السنوات الأخيرة أكثر من أي وقت سبق، وبالتالي لم تختلف فقط الرسائل المتضمنة في برامج القنوات فقط، بل وكذلك الوزن النسبي للاهتمام بالقضايا المختلفة. وثاني هذه الأسباب، ظهور ما يسمى «مجتمع الشبكات» ووسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تشكل منافسا للفضائيات التلفزيونية، وفي الوقت ذاته مصدرا للمواد والمحتوى الذي تقدمه الفضائيات، فيما شكلت الفضائيات في بدايتها عاملاً توحيدياً، لم تعد كذلك الآن. ليس فقط لأسباب سياسية، ولكن أيضا لأسباب تكنولوجية، وهذا له انعكاسات ثقافية واجتماعية وسياسية كثيرة.
وتحدث محمود الضبع عن دور التكنولوجيا في تجديد الخطاب الثقافي فقال، تغلغلت التكنولوجيا في الحياة البشرية على نحو أسرع من أي ظاهرة أخرى شهدها الكون عبر تاريخه، ففي زمن قصير- نسبيا ـ تسارعت المعلوماتية في التقريب بين المتباعدات، وغدت مكونا أساسيا وجانبا لا غنى عنه لأي منتج بشري، فكريا كان أم ماديا، فمنذ أقل من عشرين عاما على أقصى تقدير لم يكن في حسبان البشرية أن التكنولوجيا وطرائق تداول المعلوماتية يمكن أن تكون العامل الأول في تقويض مؤسسات وأنظمة حكم دامت لعشرات السنين، أو في إحداث هذا التواصل والتقارب الفكري بين البشر في أطراف الأرض المتباعدة، أو في غيرها من مظاهر الحياة وطرائقها التي نعايشها ونراها الآن.
تتزايد المعلوماتية في التوغل على نحو مطرد، كما تتزايد مفاهيم الهيمنة لثقافات على حساب ثقافات أخرى، وتتزايد مخاطر محو هويات ولغات وإسقاط حضارات بأكملها لصالح هويات ولغات وحضارات تمتلك القوة بقدر ما تمتلك من قدرة على التحكم في وسائل التكنولوجيا ووسائطها وفي إنتاج المعلوماتية وتصديرها.

دور التكنولوجيا في تجديد الخطاب الثقافي في المجتمع المصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية