دور المثقف في الكشف عن وجه الحقيقة

حجم الخط
7

يعتبر توفيق الحكيم الأديب المصري الراحل، بمثابة الأب الروحي لثورة يوليو/تموز عام 52، وكان مُقرّباً من الرئيس عبدالناصر ومؤيداً كبيراً له، ورأى فيه القائد «الحُلم» الذي سيقود الأمة العربيّة إلى برّ الأمان وصناعة الأمجاد، ورغم أن الحكيم انتقد السياسات غير الديمقراطية للثورة والمجلس العسكري، ودوّن هذه الانتقادات في مؤلفاته، إلّا أنه بقي وفيّاً لمبادئ الثورة وللزعيم الراحل عبدالناصر، الذي أحبّه حبّاً جمّا، وتعلّق به. وعلى الجهة المقابلة منع عبدالناصر مقص الرقيب من الاقتراب من مؤلفات حكيم، حيث لم تُحجب أو تتم مصادرتها كما كان يحصل لباقي الأدباء.
يُذكر أن الحكيم حزن حزناً شديداً لوفاة عبد الناصر، حتى أنه فقد وعيه وانهار في حفل تأبينه، ولكن هذا كلّه لم يمنع هذا المثقف والروائي والمسرحي الكبير من أن يدلي بشهادته للتاريخ ولإحقاق الحق، ولم يخش في ذلك لومة لائم، فقام بتدوين مذكراته عن الثورة بمناسبة مرور عشرين عاماً على انطلاقتها، في محاولة لمراجعة ومحاسبة النفس، ونشرها في كتاب «عودة الوعي» عام 1972، موضحاً موقفه من ثورة 52 وواصفاً إياها بحالة «اللاوعي» التي عاشها، مثله مثل عامة الشعب المصري، بل ومعظم الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، حيث لم تسمح حالة الهيجان العاطفي المفعمة بالشعارات والآمال العريضة، بأي اختلاف مع الزعيم «معبود الجماهير»، في رؤيته السياسيّة الشموليّة في الحكم، وارتجاليته في اتخاذ مواقف استراتيجية حرجة تؤثر على مصير الأمة، ولم تسمح أيضاً بأي محاولة لتصحيح الأوضاع أو تفادي الأخطاء وتداركها قبل وقوعها، فقطار الثورة كان يسير مسرعاً إلى حتفه وعلى متنه أحلام وآمال الشعوب العربية.
اعتذر توفيق الحكيم عن تأييده الأعمى للثورة رغم علمه بالممارسات الديكتاتورية، وقال ما نصّه: «وليس بعجيب أن يتلقّى الشعب في حماس العاطفة هذه الخطب بالتهليل والتكبير، ولكن العجيب أن شخصا مثلي محسوب على البلد هو من أهل الفكر، قد أدركته الثورة وهو في كهولته، يمكن أن ينساق أيضا خلف الحماس العاطفي، ولا يخطر لي أن أفكر في حقيقة هذه الصورة التي كانت تُصنع لنا، كانت الثقة في ما يبدو قد شلّت التفكير…. سحرونا ببريق آمال كنا نتطلع إليها من زمن بعيد، وأسكرونا بخمرة مكاسب وأمجاد، فسكرنا حتي غاب عنا الوعي».
واستمر الحكيم في انتقاد السلطة العسكريّة المتمثلة في نظام السادات، ووقع في مواجهات عديدة مع النظام، وفي أحداث الاحتجاجت الطلابيّة كتب بيان المثقفين المؤيدين للحركة الطلابيّة. عاد الوعي للحكيم، ولكن للأسف ما زالت هناك طائفة كبيرة من المثقفين في زماننا هذا، الذين استساغوا حالة اللاوعي التي يعيشونها وهم يلهثون وراء شعارات جميلة لا تعدو عن كونها ماكياجاً جميلاً لوجوه قبيحة، ولا يتحرّجون من مناقضة مبادئهم وتمجيد حكم الطغاة والوقوف ضد آمال الشعوب العريضة.
من المؤسف أن بعض المثقفين لا زالوا حتى اليوم يتغنّون بالفكر الناصري، من دون أي محاولة لتطوير مفاهيم تلك الحقبة السياسية، بل من دون الاعتراف بالفشل أو الوقوع في أخطاء جسيمة، وباتت شعارات الوطنيّة والقوميّة كلمات تلوكها الألسن من دون أن تحمل أي معنى، أو يكون لها أي وقع على سمع المواطن العربي.
لا أحد ينكر أن القوميّة العربية وحلم الوحدة العربية متأصلان في قلب كل واحد فينا، وأن جمال عبد الناصر امتلك كاريزما خاصة كان لها الأثر الكبير في عودة الروح للجماهير العربيّة وإعادة الكرامة المسلوبة لهم، ولا أظن أن أحداً يشكك في إخلاص الرجل وصدق نواياه، ولكن في المقابل علينا أن نعترف بالأخطاء الجسيمة التي وقع فيها، وعدم الكفاءة في إدارة البلاد التي أدت إلى نكسة عسكرية لا مثيل لها في التاريخ الحديث، بالإضافة إلى تكريسه لمبدأ الزعيم الأوحد الشمولي، وللدولة البوليسية التي لا يوجد فيها أي مؤسسات مدنية أو أي تمثيل حقيقي للشعب.
من المستغرب ألا يتواجه المثقف مع جمهوره ويعترف بأخطائه الماضية، وبأنه كان سبباً في إيهام الناس بتحقيق أحلام عريضة ثبت عدم واقعيتها، وألا يعلن عن ندمه لاتخاذه موقفا ما في الماضي ثبت له عدم صحته لاحقاً، ومن المُخجل الإصرار على تبنّي أفكار بالية انتهت صلاحيتها وثبت فشلها، في محاولة للاستمرار في محاولة «الاستهبال» على الشعب وكأنه يقول «عنزة ولو طارت». وأنا هنا لا أتحدث بالطبع عن الوصوليين أو أولئك الذين يجيدون أسلوب «حُسن التعليل»، فهؤلاء يتنقلون ويغيرون مواقفهم، كالضفدع الذي يتنقل على أطراف البحيرة، ودائماً ما تكون ردودهم جاهزة، حتى أنهم يدّعون أنهم تعرّضوا للإكراه على إعلان مواقف تتنافى مع حقيقة أفكارهم، ويستطيعون بعد فترة من الزمن أن يعودوا عن عودتهم ويقنعوك بتلك الأفكار مرة أخرى، وشعارهم في الحياة «إكذب ثم إكذب حتى يصدقك الناس».
موقف توفيق الحكيم، وإن كان قد قوبل باستهجان كبير حينها، لأنه جاء مُخالفاً لرغبات الجماهير ولقصر نظر بعض المثقفين الآخرين الذين عارضوه، إلا أنه اعترافٌ بالحق، وعدول عن خطأ تاريخي، والأهم من ذلك كله أنه شهادة للتاريخ، تُسجّل له، ويستحق عليها كل الإشادة والثناء، يقول الحكيم في مقدمة كتابه المذكور
«إن المهمة الكبرى لحامل القلم والفكر هي الكشف عن وجه الحقيقة»، وما أحوجنا في يومنا هذا لتكرار هذا الموقف من قبل سياسيين ومثقفين ومسؤولين، ساندوا الظلم، وأيّدوا بعض المتنفذّين، وساهموا في بيع الأوهام للشعوب والتجارة بأحلامهم، أما آن لكم أن تتعظوا وأن تتركوا للتاريخ فرصة للإبقاء على ماء وجهكم على صفحاته؟

أيمن أبولبن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية