هلل الكثيرون في الغرب و الشرق لما اعتبروه خطوات انفراج و تغييرا دراماتيكيا في موقف بعض الدول الغربية باعترافها بما يسمى «دولة فلسطين»!
و اذ نفهم هذا الاحتفاء في السياق الغربي الا أننا يجب ان نرفضه عربيا و اسلاميا لما يحمله من أخطار تثبيت الأمر الواقع و قصر فلسطين على مشروع «الدويلة» المرسومة في قرارات الأمم المتحدة بدءا من قرار التقسيم و ما تلاه من تعديلات في النكبة و النكسة و غيرها من اشتراطات كالارض مقابل السلام و تدويل القدس و تصفية قضية اللاجئين فهذه زمرة أمور مرتبطة ببعضها البعض!
و في الوقت الذي نقرأ فيه المشهد بما حمله من تطور في الشارع الغربي بعد الحرب الاخيرة على غزة الذي نافس في تفاعله و تأييده مواقف السياسة العربية الرسمية الا ان الافراط في التفاؤل هو توهم و خديعة للنفس فلا ننسى ان الدول الاوروبية، على رأسها بريطانيا، هي المسؤولة عن نكبة فلسطين و انشاء الكيان الصهيوني، و أن الصهاينة ما زالوا يوجهون المشهد العام من خلال لوبياتهم و سيطرتهم على الاقتصاد و الاعلام و الأمر اسوأ في الولايات المتحدة و الدول الكبرى جميعا تعتبر أمن اسرائيل و مستقبلها اولوية عظمى و قد اظهر استطلاع أجرته شركة يوجوف لقياس مدى التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية في بريطانيا و أمريكا و فرنسا تحولا في نبض الشارع .
ولكن تفاؤلنا بهذه النتائج يجب ان يكون ممزوجا بالحذر لانه قد يكون تفاعلا وقتيا صنعه الحدث و لا يمتد و لا يتعمق ليشكل ظاهرة! اما موقف بريطانيا خصوصا فيفسره المحللون على أنه ليس أكثر من وعد انتخابي لكسب اصوات العرب و المسلمين! فبريطانيا تذكرت جرمها بحق الفلسطينيين الان فقط على استحياء و لم تعتذر عن وعد بلفور بينما لم تدع احدا الا و اعتذرت له عن جرائمها الاستعمارية و منهم الاقليات الدينية و العرقية كالسيخ في الهند و قبائل الماو ماو في كينيا.
لا يجب علينا أن نسوق لهذا الاعتراف في الدول العربية و لا ندعمه فهو انجاز و تقدم محصور في سياقه الغربي أما نحن في البلاد العربية فلا يجب ان تننازل عن حلمنا بتحرير فلسطين، كل فلسطين من البحر إلى النهر، وطنا مقدسا لا دولة مصطنعة! انه لمن المأساة ان نتلقف هذا المصطلح «دولة فلسطين» و نردده و نعتبره مرحلة و لبنة في المشروع الوطني لان ذلك سيصبح سياسات و برامج عمل و مفاوضات تتوارثها الاجيال و سيختفي حلم التحرير الكبير سنة بعد سنة و مع ازدياد التعقيدات في العالم و تصدر حثالة السياسيين و غياب الثوابت!
ان صناعة التحالفات السياسية و الشعبية ضروري في قضية يتحالف معظم العالم لتصفيتها كالقضية الفلسطينية و لكن التحالفات يجب ان تكون مبدئية لا ترضخ دائما لفن الممكن و المقدور عليه فالأقوياء يحترمون الاقوياء مثلهم أو أصحاب المبادىء الذين يضحون دونها بكل ما يملكون
أن تموت و أنت تعمل لحلمك، لتحرر القدس و يافا و حيفا و عكا و صفد قبل الخليل و نابلس و رام الله خير من أن تتخلى و تهزم الحلم في نفسك و الاجيال من بعدك!
كتب ثيودور هرتزل في كتابه الدولة اليهودية الصادر عام 1896» ان فلسطين وطننا التاريخي الذي لا يمكن ان ينسى»
هذا كان حلم هرتزل و هو يعيش في غيتو في النمسا و شعبه مضطهد و مطارد حول العالم فكيف يجرؤ أصحاب الحق بالتخلي عن حقهم او تجزئته إلى مراحل و حصص و صفقات؟!
فلسطين وطن و أكبر و أعظم بكثير من دولة…
د.ديمة طارق طهبوب