كان رئيس الولايات المتحدة آبان الحرب العالمية الأولى، وودر ويلسون، يريد أن تقرر شعوب الشرق الأوسط مصيرها، بعد تحريرها من الاحتلال العثماني، وذلك بإقامة أربع دول: يهودية لاعتقاده بأن اليهود شعب واحد، طبقاً للتفكير الصهيوني.
وعربية، كانت فسيحة فجزأوها لضمان مرضعة فقيرة ترعى الوليد الصهيوني الجديد.
وهي مازالت فقيرة لأن أدمغتها المتخلفة ترفض الخروج من الكهف…
تضمن مشروع ويلسون دولةً كردية ودولة أرمنية. لم تولدا.. فلماذا ؟
جاء في كتاب عنوانه «الإنحطاط السياسي» وضعه دبلوماسي فرسي (لا أذكر أسمه) كشف فيه تخلف سياسة بلاده منذ الحرب العالمية الأولى، جاء ما يشير إلى أسباب إحباط قيام الدولتين.
الدولة الكردية: كتب مؤلف الانحطاط أن الدبلوماسيين مارك سايكس وجورج بيكو، لما ناقشا مسألة رسم حدود الدولة الكردية، توقفا عند ما قاله البريطاني سايكس لزميله الفرنسي: أليس أجداد هؤلاء الكرد همُ الذين طردوا أجدادنا من المنطقة التي كلفونا برسم حدودها الجديدة ؟ ألا نخشى بعد حصول أحفادهم على دولة تضم شملهم، تقع في قلب المنطقة، سكانها جبليون ومقاتلون أشداء، من أن يطردونا نحن أيضاً ؟
مهما كانت قيمة هذه الطرفة، إلا أن الكرد خرجوا من مولد تقسيم إرث آل عثمان وأرضهم موزعة كما نعرف. هذا من دون أن ننسى كون الدبلوماسيين الكبيرين ينفذان توجيهات رؤسائهما الموضوعة خطوطها العريضة في المؤتمر الذي عقده سير هنري كامبل بنرمان رئيس وزراء بريطانيا بين ( 1905 و 1908 ) في بلجيكا في 1906.
وحان وقت التنفيذ في خضم الحرب في 1916.
مرت مرحلة الانتدابين البريطاني والفرنسي على بلاد الشام والهلال الخصيب، تقاسم فيها الكرد مصير جيرانهم العرب وسواهم من الأقوام. إلى أن سطا البعث العربي على السلطة في العراق وسوريا، وساءت أمور الكرد بشكل يبعث على الأسى.
من دون أن ننسى جهود البعثَْيين في تنغيص حياة غيرهم من السكان.
جرد بعث العراق حملة عسكرية ضد الكرد لأنه فاشل سياسياً، فطلبوا العون حيث وجدوه وهذا سلوك منطقي.
وبعدما هيمن بعث سوريا على السلطة، وطرد منها الوحدويين الناصريين، والمتأسلمين والمتمركسين، بحثت قيادة البعث السوري مسألة القتال في العراق، ومدى المساعدة اللازمة للرفاق هناك.
ضحالة التفكير السياسي للبعثيين أنساهم أن الذين يطالبون بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم في دولة يحكمها، أعداؤهم التاريخيون، لا يحق لهم إنكار حق الكرد في تقرير مصيرهم، بخاصة وأن الدولتين اللتين يعيش فيهما الكرد لا يحكمها أعداؤهم بل جيرانهم التاريخيون.
نُمي إلىّ أن صوتاً واحداً في ذلك الاجتماع لقيادة البعث السوري، أرتفع قائلاً يا رفاق ماذا فعل لنا الكرد لكي نحاربهم، إنهم يشاطروننا تاريخنا من الف سنة وأكثر.. أليس من الأفضل أن نكون وسطاء، مصالحة بين رفاقنا العراقيين وبين مواطنيهم الكرد.؟ لكن القيادة أرسلت تشكيلاً عسكرياً إلى شمال العراق.
من أتيح له الإطلاع على بعض تفاصيل نشاط الحملة السورية «لنجدة» بعثيي العراقي، ستدمع عيناه من الضحك ومن الأسى. والغريب أن قيادة الحملة اختارت لها قيادة الحزب واحداً من الضباط الأمراء، وهو غير بعثي.. أما العثور على حل « سياسي « للقضية الكردية في شمال سوريا وشرقها، فقد عهدوها إلى ضابط من الأعوان يشغل مسؤولية أمنية في المنطقة..
فتجلت مواهبه في فضيحة عرفت باسم «خطة التاءات» لأن كل بند من بنودها يبدأ بكلمة «عربية» تبدأ بحرف التاء، منها على سبيل المثال: التجنيد والتهجير والتجهيل والتعريب وأكتفي بما بقي في ذاكرتي من تاءات.
لا يفوتني التنويه بدور الحزب «الماركسي اللينيني الستاليني البكداشي» الذي ضم في صفوفه أعداداً غفيرة من الأكراد، قلدت قيادتهم نهج البعثيين القوميين المتعصبين لعروبتهم ولطوائفهم في آن معاً..
من يتأمل مسيرة قيادات العرب والكرد طوال قرن مضى، لا بد له من الاعتراف بأن السيدين البريطاني سايكس والفرنسي بيكو، كانا «أرحم» بالكرد من عسكريتاريا العلمانيين الأتراك والعرب.. وأتناسى إيران قبل أن يتولاها ولي الفقيه.. وبعد ما تولاها أما حكاية الدولة الأرمنية فهي أدهى وأقسى…
الدولة الأرمنية المغدورة: لم تقم دولة أرمنية في الأناضول مع نهاية الحرب العالمية الأولى، برغم تعاطف الدول المنتصرة يومئذ مع مأساة الأرمن.
كانت الحرب لما تضع أوزارها بعد عندما برز الضابط التركي مصطفى كمال، وحقق انتصارات في الأناضول على اليونانيين بخاصة، أسترعت انتصاراته أنظار الدبلوماسية البريطانية، فتم الإتصال به، ويقال إنه تلقى مساعدات في قتاله ضد اليونانيين، لكن هدف بريطانيا كان في مكان غير بعيد، في الموصل التي تريد الاحتفاظ بنفطها ضمن عراق الانتداب، بينما لا يريد مصطفى كمال التخلي عن هذه الثروة، وفي الوقت نفسه يقف بحزم ضد قيام دولة أرمنية، لا في الأناضول الشرقي ولا في كيليكيا التي عرفت الوجود الأرمني منذ أكثر من ألف سنة، حتى ان يوميات واحدة من حملات الفرنجة على المنطقة (أظنها الثالثة!) قد توقف قادتُها في كسب الحالية في طريقهم إلى الأرض المقدسة.
لعب البريطانيون بمهارة مع مصطفى كمال، وعرفوا حرصه على إحباط قيام دولة أرمنية، هذه الدولة التي كان رئيس الولايات المتحدة ويلسون يلح من أجل ظهورها، فساوم البريطانيون مصطفى كمال على الموصل لقاء منع إقامة دولة أرمنية. لم يقتنع مصطفى كمال بمقدرتهم، بخاصة وأن الرئيس ويلسون بدأ يهدد بإرسال أسطول إضافي إلى البحر المتوسط مع مشاة البحرية لإقامة الدولة الأرمنية بالقوة.
لكن البريطانيين سارعوا إلى طمأنة مصطفى كمال، بأنهم يعرفون مفاتيح السياسة في واشنطن وأن الرئيس منفرداً ليس بوسعه إعادة الجنود إلى ميدان خارجي من دون موافقة أعضاء المجلسين النيابيين، بخاصة وأنهم بدأوا يعودون إلى بيوتهم في الولايات المتحدة من ميادين القتال، وبالفعل بدأ أعضاء المجلسين في واشنطن بحملة ضد «إعادة زج أبنائنا» في ميادين قتال بعيدة.
كما رددت الصحف في العاصمة أصداء هذه الحملات، فرضخ نلسون وتبخرت أحلام الأرمن، يومئذ بعث كاثوليكوس الأرمن برقيته الشهيرة إلى ويلسون: «يا آخر العادلين»… باعت بريطانيا الأرمن وقضاياهم من أجل النفط كما هي تقاليد السياسة في كل مكان.. المصالح لا العواطف..
كثيراً ما تحدثت مع أصدقاء من الأرمن عن هذه المرحلة، وكنت أقول لهم: أنا أتفهم عداءكم لكل ما هو تركي.. لكن ما رأيكم بتصرف بريطانيا؟. إلا أنهم كانوا يرفضون النيل منها.. فهل تكون الروابط الدينية أمتن من سواها..؟
٭كاتب سوري
غازي أبوعقل