دولة مبارك أوتاد فسادها ممتدة في أعماق التربة المصرية… والرئيس يحصد فاتورة غضب المصريين

حجم الخط
1

القاهرة «القدس العربي»: بابتسامة شاب مقبل على الزفاف وبثقة ديكتاتور على يقين بأن التاريخ سيمنحه الفرصة كي يشمت في اعدائه، استقبل الرئيس المخلوع مبارك حكم البراءة، بينما في خلفية المشهد يصرخ ضحاياه، ولحسن حظه أنه مصاب منذ سنوات بعيدة بضعف السمع، ما يمنحـــه الفرصـــة دوماً لأن يكون بمأمن من أن يؤرقه ضميره لسماع صراخهم.
بعد أيام من حصوله على البراءة انطلقـــــت مجدداً شائعة تفــــيد بوفاة الديكتـــاتور.. كعادته ضحك مبارك مثل كل مرة وأطلق تصريحاً بحسب مصدر طبي لـ«القدس العربي» يكشف عن أن الرجل لازال حريصاً على أن يستقل قطار الأمل لعقود مقبلة «موتوني مليون مرة قبل كده»، قالها وهو يضحك والشيكولاته السويسري، التي يعشقها منذ أن كان نائباً للرئيس السادات، تصل لجوفه تصاحبها ابتسامة من سيدة مصر الأولى سابقاً.. وبحسب من رأوا مبارك مؤخراً وبعض الممرضين في المستشفي، فإن الحكم القضائي الذي أشعل الغضب في بيوت المصريين بدا بالنسبة للديكتاتور وعائلته مثل إكسير الحياة، لدرجة أن البعض اعتبر الغيبوبة التي أصابته أمس الأول مردها حالة الفرح التي لازالت تلازمه وزوجــــته، للحد الذي جعلهــــما يستقـــبلان الأخبار التي ترددت بشأن عزم نجلهما جمال الترشح لرئاسة الجمهورية عام 2018 بارتياح بالغ.
وفيما يرفل «البريء» بالسعادة، يبدو الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في موقف لا يحسد عليه، إثر الانتقادات التي وجهت له، إذ يحمله الكثيرون جزءا من مسؤولية نجاة المخلوع من الإدانة، وعلى الرغم من أن القضاء في واد والسيسي في واد آخر، إلا ان الغضب الذي اعترى الملايين، إثر حكم البراءة السبت الماضي، بدا كأعصار يجتاح الجميع، وفي المقدمة منهم الرئيس الجديد، الذي وقفت أجهزته الأمنية في وجه كل من حدثته نفسه بالتظاهر لإعادة محاكمة الرجل الذي حكم البلاد والعباد ثلاثة عقود متصلة، حتى اولئك الذين وقفوا بجوار الرئيس الجديد وفوضوه إنهاء حكم الإخوان المسلمين لم يشفع لهم ماضيهم في معاداة الإخوان، للحد الذي دفع بعض الثوار لإعلان ندمهم لأنهم ساهموا في مسلسل عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي عن سدة الحكم. وفي صحف أمس الجمعة تواصل مسلسل التنديد ببراءة مبارك ونجليه ووزير داخليته وستة من مساعديه، وبدا واضحاً أن الساحة مهيأة لمزيد من الهجوم على النظام، بسبب نجاح لصوص زمن النظام الأسبق في الهروب بالأموال التي نهبوها كما شهدت الصحف العديد من المعارك الصحافية. وللمرة الأولى نددعدد من أنصار السيسي ببعض سياساته!
وإلى التفاصيل.

براءة الديكتاتور يجب ألا تشغلنا عن المستقبل

البداية مع الحدث الذي لازال يشغل بال معظم المصريين وهو براءة مبارك، التي يشدد كثير من الكتاب على ضرورة العمل للمستقبل وعدم الالتفات للماضي، في رسالة يحرص النظام أن يبلغها عبر الكتاب الموالين له للجماهير، كي ينصرفوا عن المشاركة في الحراك الثوري الراغب في إعادة محاكمة المخلوع. محمد عبد الهادي علام رئيس تحرير «الاهرام» يغزل على هوى النظام: «اختلطت الأوراق بعد حكم براءة الرئيس الأسبق حسني مبارك وقيادات سابقة في وزارة الداخلية، ما بين أصوات متشنجة ترفض الحكم وتحمل السلطة والقضاء مسؤولية تبرئة رموز الحكم السابق، وأخرى تمثل الأغلبية ترى أن الحكم الجنائي ليس وحده دليل إدانة نظام سابق، أضاع فرصا لا نهاية لها في سبيل تقدم مصر، وأن خطيئة مبارك «سياسية» في المقام الأول. ولم تكن فرحة المؤيدين لعصره على البراءة سوى محاولة لقلب الحقائق، وإبعاد المسؤولية عن التردي الذي أصاب المصريين، حياتيا واجتماعيا واقتصاديا عن أنفسهم، قبل الرئيس السابق، اعتقادا منهم بأن ذلك يوفر لهم فرصة للعودة، فهم يريدون غلق صفحة المحاسبة واستمرار منافعهم ومكاسبهم. يضيف الكاتب: تؤرق هؤلاء لغة الرئيس عبد الفتاح السيسي التي جاءت حاسمة وقاطعة عقب الأحكام الأخيرة، حيث قال السيسي، في أكثر من مناسبة، إنه «لا عودة للوراء»، ووجه بسن تشريع يجرم سب ثورتي 25 يناير/كانون الثاني و30 يونيو/حزيران، حتى ينتهي الاحتقان بين الفرق المتصارعة على ميراث الثورتين، وحتى تتفرغ مصر لما هو أجدى وأنفع، ألا وهو بناء المستقبل، بما يعني أن فلسفة الحكم الحالي تنطلق من أرضية حماية البلاد من إرث الماضي العفن، ومن تغول أصحاب رؤوس الأموال في العمل السياسي، ومن الضغوط المعيبة التي وصمت السنوات الأخيرة من حكم مبارك، وهي النخب السياسية المالية التي حاولت عقد صفقات مع جماعة الإخوان. ويحذر علام من أن يتحول الخلاف حول النظامين السابقين مبارك والإخوان إلى أثقال تكبل رقابنا وأرجلنا».

مبارك لم يعف عن أحد

لم تتقدم مصر في زمن مبارك إلا في عدد ضحايا حوادث الطريق، كما يشير إلى ذلك ناجح ابراهيم في «المصري اليوم»، فأصبحت الأولى.. ونالت الرقم الأول في الإصابة بالفيروسات الكبدية.. ونسبة الأمية زادت على 30٪، في الوقت الذي لا يعاني فيه الشعب الفلسطيني المحاصَر من الأمية. والخلاصة كما يؤكد الكاتب أن مبارك أحسن في ثلاثين عاما وأساء في مثلها، وكأن الله قد قال له: أعطيتك مقابل ثلاثين البذل والعطاء الحكم مثلها، لتُصلح، فأفسدتَّ.. فانتهى رصيدك عندنا وانتهت أعظم فرصة أعطيت لحاكم. ومبارك لم يكن يحب العفو، حتى إنه قال: لم أعف عن أحد»، وكأنه فخر.. مع أن العفو زكاة للقدرة والملك والحكم.. فسجن قائده العظيم الشاذلي رغم أن خلافه كان مع السادات.. وتركه يمضي العقوبة كأي سجين.. وكأنه لص لا صانعا لأعظم نصر مصري. ومن قبله أعاد امرأة سجينة للسجن لتقضي بقية فترتها، بعد أن سلمها جائزة حفظ القرآن في حفل ليلة القدر، بدون أن يدرك أن عرف كل الرؤساء والملوك إذا صافحوا سجينا أو معتقلا، فمن العار أن يعود للسجن. ويصف الكاتب مبارك بأنه كان شحيح العواطف، نادر العفو، حتى عن الأبطال والعظام، وكأن قلبه قُدَّ من صخر، وإذا بالملايين لا تلتفت لسنه وصحته ولا ترغب في العفو عنه جزاء وفاقا.. فمَن لم يعفُ عن الناس يجازَ بمثل عمله، إنها حياة ثرية بالعبر أسوقها لنفسي ولغيري من دون شماتة. فالقلوب المريضة هي التي تشمت في الآخرين أو تفرح لسجنهم، حتى لو سُجن أسرهم وأهلوهم. ويدعو ناجح مبارك إلى أن يستغل الباقي من عمره ليتحلل من تلقاء نفسه من كل مظلمة فعلها، قبل أن يأتي «يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».

اتركوا مبارك لمحكمة الآخرة

ولازال الحديث موصولاً عن الديكتاتور المحظوظ، وها هو عمار علي حسن في «المصري اليوم» يدقق في توابع حكم البراءة: «لندع مبارك لربه، ولننتبه إلى «المباركية» كطريقة في التفكير والتدبير، أشار إليها القاضيان اللذان نظرا القضية، وحكم الأول على مبارك بالمؤبد وبرأه الثاني، فكلاهما أراد أن يقول صراحة إن حكم مبارك كان فاشلا، وإن الثورة عليه كانت مبررة، لكن الحكم يحتاج إلى أدلة ويلتزم بنص القانون. أما ما لم ينظره القضاء وهو محاكمة عهد بأكلمه، فمن الضروري أن يقف الرئيس عبدالفتاح السيسي أمام ما قاله القاضيان، ففيه تنبيه إلى أن تبرئة مبارك لا تعني أن سياساته كانت ناجحة، وأن الشعب كان راضيا عنها، بل على العكس تماما، وإلا ما قامت الثورة. ويرى عمار أن رواسب مبارك ورجاله سيحاولون في الفترة المقبلة بشكل أقوى أن يلتفوا أو يصطفوا مع السيسي ليس حبا فيه إنما دفاع عن مصالحهم، وسيستغلون هذا الحكم في تقوية موقفهم، فيما يستغله الإخوان في الدعاية ضد السلطة الحالية وترسيخ ما يقولونه عنها من أنها «امتداد لنظام مبارك» مع أنهم هم الوجه الآخر له، وهم من رفض إقامة محاكمات ثورية لمبارك منذ البداية، وحين كان البرلمان معهم رفضوا إقامة «العدالة الانتقالية» وتلكأوا في إصدار قانون العزل السياسي».

المنافقون سيعجلون بسقوط الرئيس

لكن لماذا يستمع الرئيس لشباب الإعلاميين، والآن تحديداً.. أسئلة كثيرة تزاحمت في رأس محمد فتحي وحاول الإجابة عليها، بعد تليفون من مكتب رئيس الجمهورية يدعوه للقائه ضمن شباب الإعلاميين. ومنها هل هو فعلاً المدعو، أم أن في الأمر تشابه أسماء؟ وكيف لمن يصنفه البعض على أنه في المعسكر الآخر، أيًّا كان البعض وأيًّا كان الآخر أن يحضر هذا اللقاء؟.. ثم ماذا عن ردود الأفعال، وكأني ألتقي رئيس دولة معادية؟ ناهيك عن المطبلاتية الذين كانوا يحلمون بلقاء الرئيس فلم يجدوا لهم مقعداً، ولا تنسى رفاقاً سيجدون أقصى تبريراتهم لحضورك، هي محاولة استمالتك وشربك شايا بالياسمين، أو صناعة صحافي أمنجي جديد، وكأن الأمنجية القدامى لا يكفون.. نحى كل الأفكار جانباً وقرر التوجه للقاء كما يشير إلى ذلك في «الأخبار»: «تحدثنا معه عن ميثاق الشرف الإعلامي وإعادة هيكلة ماسبيرو، فطلب تصورنا في ما يخص ذلك مؤكدًا أنه لا يريد أن يتدخل، بل يدفع ناحية إكمال التجربة لنهايتها. تحدثت معه عن الخطاب الإيجابي الذي يقوله، ويفسده مسؤولون غير مسؤولين بالمرة، وذكرت له واقعة زميلتنا الإذاعية عايدة سعودي، التي أوقفت عن عملها، فكان الرد في اليوم نفسه أن عادت… قال فتحي للرئيس: إن هناك محبوسين ظلماً يقال عنهم معتقلون، ولا يرضيك أن يحبس مظلوم سيخرج ولو بعد حين إرهابيًّا كارهًا لهذا البلد، فاستجاب وطلب أن نقترح لجنة تبحث في الأمر ونشارك فيه، ونزور السجون.
ويؤكد الكاتب، لسنا وحدنا الشباب يا سيادة الرئيس، هناك شباب غاضب يجب احتواؤه طالما كان غضبه رشيدًا ولمصلحة البلد، أو ناتجا عن خطاب إعلامي مضلل، ويجب أن تكون هناك آلية لتلتقي بهؤلاء وغيرهم من قطاعات الشباب المختلفة، فأجاب الرئيس: جاهز لذلك، ومستعد، وأرحب».

مبارك اقوى
مما تتخيلون

وليس من الممكن ونحن نتناول وجبة الأمس الصحافية أن نتجاهل ما كتبه السعيد الخميسي في براءة مبارك: «إن الدولة العتيقة التي أرسي قواعدها نظام مبارك طيلة 30 سنة ليست دولة هشة ضعيفة طرية، يمكن اقتلاع أوتادها من باطن الأرض بسهولة ويسر، بل هي دولة أوتاد فسادها ممتدة في أعماق التربة المصرية، لأن الفرعونية الحاكمة لابد أن يكون لها أوتاد. لذا لاعجب أن ينعم مبارك ونجلاه ورجال أمنه ووزير داخليته بالبراءة التامة، مما نسب إليهم من جرائم ضد المتظاهرين، ولا عزاء لدم الشهداء في القبور.
ويتوقع الكاتب في موقع «إخوان أون لاين»، أن يعود مبارك وعشيرته إلى القصور، رغم أن الحزن والكمد يغليان في الصدور. يضيف الخميسي: لقد حصل مبارك والذين معه على البراءة يوم أن نزل الثوار من على جبل ثورة يناير، يبحثون عن المكاسب السياسية السريعة. تركوا النفير بحثا عن العير والمعركة مازالت حامية الوطيس في الميدان، فخسروا الاثنين معا.
ونسوا أن نظام مبارك تلقى ضربة قوية فسقط الرأس، ولكن الجسد لم يسقط، والأطراف مازالت تعمل وتتآمر وتخطط وتنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض. إن نظام مبارك لم يسقط على الأرض ولم يرفع راية الاستسلام، ولكن النظام استجمع قواه مرة أخرى وملك زمام المبادرة وشتت الثورة وفرق الثوار وحرض بعض الفصائل على بعضها حتى كان لهم ما أرادوا من ضياع الثورة واعتقال الثوار.
أين العقول والأفهام من قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرماة يوم «أحد»: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم..». ويتابع الكاتب مناشدته لشعبه: يا قومنا.. لا يلومن أحد إلا نفسه، ولا يلومن أي فصيل أو جماعة أو حزب إلا نفسه أيضا بسبب سقوط ثورة يناير/كانون الثاني، بين مخالب الدولة العتيقة وهروب المجرمين من العدالة».

صباحي وزيراً لشؤون الفقراء

ونتحول للمعارك الصحافية ويبدأها عادل نعمان في «الوطن» ضد المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي: «أستحلفك، سيدي الرئيس، أن تعيّن السيد صباحي وزيراً لشؤون الشهداء ليهدأ باله وخاطره، حتى يعيد للشهداء حقوقهم المسلوبة، ويعيد لنا حقوقاً اغتصبها من مرمط الوطن في وحل ونفايات ربيعهم العربي، وتركوه يئن ويتوجع، وجابوا الدنيا لحصد الجوائز والأنصبة، ثم يعودون إلينا الآن ليبيعوا ما تبقى من الوطن المنهك، يصطفون ويجهزون لبدء المزاد، ثم يتسارعون لتهنئة المشتري الجديد في «فندق الفيرمونت»، أو عيّنه، يا سيدي، وزيراً لشؤون الغلابة والفقراء، الباحث عن حقوقهم على منابر الشعارات، وساحات الاعتصام، ودهاليز البطولات الزائفة في كتاتيب الوطنية، وميثاق الأجداد. يضيف الكاتب: ضع يا سيدي صباحي أمام مسؤولية محددة واسعة السلطات، واترك له الحبل على الغارب، يجوب البلاد شرقاً وغرباً باحثاً عن حقيقة الشهداء، يجمع أدلة الشهادة لمن استشهد، وأدلة البراءة لمن ظُلم، وأدلة الإدانة لمن سرق ونهب وادعى البطولة والشهادة في حب الوطن، من رفعنا صورهم بغباء على أكتافنا نبحث لهم عن شاهد زور يقسم لنا بأن الثائر البلطجي قد تاب وأناب قبل استشهاده، وحضن أرض الوطن عشقاً وهياماً قبل أن يهب روحه الطاهرة لتحرير شعبه المقهور. ويواصل عادل مناشدته للرئيس: إفتح له، يا سيدي، خزائن مصر على رحابتها وسعتها ينهل منها ما يشاء، يعوض أهالي الشهداء، ويجبر خاطرهم، ويحيل ما يراه إلى القضاء، حتى نرى ما يصنعه للشهداء وما يصنعه لنا..صباحي، يا سيدي، لا حل معه سوى أن يقدم لنا تجربة عملية لنجاحه، صباحي لم يُختبر حتى الآن، ولا حل له سوى اختباره في أرض معركة حقيقية، لنختبر مواهبه كما اختبرناها في الخطابة والبلاغة».

تجريم إهانة «يناير»
يضع النظام في مأزق

وإلى التبرم الذي يبديه البعض لقرار الرئيس تجريم إهانة ثورة يناير وها هو مجدي الجلاد في «الوطن» يعترض على الرئيس لأن صديقه محمود الكردوسي يعتزم استمرار الهجوم على الثورة، لذا قرر الجلاد اللجوء للرئيس: «إسمح لي بأن أختلف معك 180 درجة.. ليس لأن «الكردوسي» يكتب ما في الخمر عن ثورة يناير/كانون الثاني.. فبات واجباً عليّ أن أمنع نشر مقالاته احتراماً لسيادة القانون.. وإنما لأن هذا القانون لم يولد من رحم قناعاتك، ولا حتى من «أنبوبة صناعية» لحماية مصر.. فليس منطقياً أن تصدر القوانين استجابة لحالة أربكت الدولة عدة أيام.. وليس مفيداً أن نستجيب لحفنة من الأصوات على حساب 90 مليون مصري، من حقهم أن يكتبوا تاريخهم بموضوعية وأمانة، وأن يعبروا عن آرائهم بحرية وشرف!
يضيف الجلاد: شخصياً.. اعتدت أن أحترم القانون.. لأنه قلب الدولة النابض وشريانها المتدفق.. غير أنني جلست مع نفسي عدة ساعات بعد الإعلان عن مشروع هذا القانون الغريب.. فكرت.. وفكرت.. وفكرت.. وقررت ألا أمنع نشر مقالات «الكردوسي» عن «ثورة يناير».. سامحني -سيادة الرئيس- فقد فاضلت بين حُبي لك وحبي لـ«الكردوسي»، فوجدت أن الأمر لا علاقة له بـ«الحب».. فنحيت قلبي جانباً، ولجأت إلى عقلي.. قال لي عقلي: حبك للرئيس لا يعني أن تصفق له على كل قرار، و«تطبل» وراءه على أي كلمة!.. حبك لـ«الكردوسي» لا يمنحه الحق في نشر كل ما يكتب، خصوصاً إذا انطوى على «تجريح» لأشخاص!.. غير أن حبك لـ«مصر» يرجح كفة «الكردوسي» بشرط عدم التجاوز.
ويباغت الكاتب القراء: سيادة الرئيس.. هذا بلاغ مني ضدي: سوف أسمح باعتباري رئيس التحرير المسؤول أخلاقياً وقانونياً عن نشر مقالات الانتقاد بل والهجوم ضد أي ثورة، اتساقاً مع مبادئي وتمسكي بحرية الرأي والتعبير.. وأيضاً حباً لك ولـ«الكردوسي».. ولكن لـ«مصر» قبلكما.. وبعدكما..!».

سيناء تحارب الإرهاب للأبد

لازال الإرهاب حياً يرزق في سيناء، رغم الاستنفار الواسع لقوات الجيش وهو الذي دفع جلال دويدار في «الاخبار» للتساؤل حول الموعد الذي يحتاجه الجنود للقضاء على فلول الإرهابيين: «لا أستطيع أن أنكر وأداري دهشتي المصحوبة بالقلق مما أقرأه وأسمعه عن الأعمال الباسلة في ممارسة الواجب الوطني دفاعا وسعيا إلى تنقية أرض سيناء المقدسة من رجس الإرهاب الدموي. ما يقلقني حقا هو ما تتضمنه البيانات التي أثق في صحتها ومصداقيتها بشأن العمليات العسكرية التي تنتهي بتصفية أعداد من هذه العناصر الإرهابية والقبض على اعداد أخرى. ويشير الكاتب إلى أن هذا المسلسل مستمر يوميا منذ شهور، وهو ما يصل بهذه الأعداد إلى المئات. متابعة هذه الأرقام تدفعني ومعي آلاف الآلاف من المشغولين بأمور هذا الوطن – أمنا واستقرارا وانفتاحا على آفاق التقدم والازدهار – إلى التساؤل حول الأعداد المقدرة لهؤلاء الإرهابيين الذين تنكروا لوطنهم أو ارتضوا أن يكونوا مأجورين أو محترفي عمالة لقوى حاقدة وكارهة لمصر المحروسة. ويتمنى الكاتب وضع دراسة وبحث يتولاه خبراء ومختصون يخبروننا عن حجم هذه التنظيمات الإرهابية. من المؤكد أن التوصل لهذه الإحصائية التي سوف تكون قريبة من الحقيقة سوف يساهم في طمأنة وتوعية الرأي العام وإعلامه بالتقديرات الزمنية المتوقعة لإنهاء هذا الخطر الذي يستهدف مستقبل هذا الوطن. كلنا ندرك ونقدر عظيم ما يتم بذله من جهد وتضحيات لتحقيق هذا الهدف من جانب أبنائنا وإخواننا من رجال القوات المسلحة وأجهزة الأمن. يضيف دويدار: في هذا الشأن ليس خافيا أن كل المصريين الشرفاء متشوقون لسماع ما يسعدهم ويفرحهم بوضع نهاية لهذه المهمة الوطنية».

الذعر الذي أثاره
اعتصام رابعة

هل الإخوان قادرون على البقاء هذا ما يثيره وائل عبد الفتاح في «التحرير» عندما يتساءل عما سيفعل النظام بالإخوان: «سنسمع خرافات وأساطير في جلسات خاصة تصل أحيانا إلى التصور بأنه يمكن القضاء على الجماعة دفعة واحدة (وأخجل من ذكر بعض ما سمعت، لأنه من المفروض أن أصحاب الكلام يحسبون على العقلاء، لكنهم في الحقيقة ليسوا إلا جزءًا من الحالة القذافية المنتشرة هذه الأيام). هذه الآراء لم تتغير منذ أن أثار اعتصام رابعة الذعر وأصبح مغناطيسًا لكل مهوَّسي القوة من منتظري الخلافة. الذعر من الإخوان وقتها أثار صيحات التخلص/ إقصاء الإخوان ملخصها: ألقوا بهم في البحر؟ استأصلوهم كورم خبيث؟ والإخوان وجدوا في مذبحة الفض ضالتهم لبناء مظلومية تلعب على نشر الشعور بالذنب وابتزاز الجميع بضحايا لم يحاسب أحد القادة الذين استخدموها في الحرب على السلطة. مضيفاً لكن إذا لم تحاسب الأجهزة الأمنية أحدًا على المذبحة، فهل يمكن المطالبة بمحاسبة مكتب الإرشاد ومن اجتمع حوله من أمراء القتل؟ ويؤكد الكاتب أن كل كيان سلطوي يرفض المحاسبة يعتبرها هجومًا على هيبة الكهنة والآلهة المقيمين في الأعالي. المحاسبة ضد السلطوية. لكن لم يحدث على الأقل في أروقة الإخوان تفكير في ما حدث. تفكير، لا تحايل. رفض للقتل تحت عناوين نبيلة تغطي على صراع السلطة/ لا بمنطق «قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار». ويرى وائل أن الإخوان قبل براءة مبارك بيوم واحد، فقدوا أعز ما يملكون وهو قيادتهم للشعب. لم يغادر الشعب منازله ليدافع عن «هوية» في حرب ثمّنتها أطلال الجماعة. خلت القاهرة من سكانها تمامًا لتترك الملعب فارغًا أمام المتصارعين على سلطتها، ودلالة اختفاء الشعب كاشفة للطرفين: الإخوان الذين يريدون السلطة بإعادة إنتاج حرب الهوية بمحمولها العنصرى والطائفي، والدولة التى أعلنت أنها تحمي الناس بإجبارهم عبر رسائل إعلامية على إخلاء الشوارع».

الحكومة تحارب الفساد بالراحة

ستعلن الحكومة في منتصف الأسبوع المقبل استراتيجية جديدة لمواجهة الفساد.. وهي خطوة على الطريق، والأهم أن يتم وضعها في مجال التنفيذ. كما يقول عبد الله نصار في «الجمهورية» متسائلاً: «هل سيتم إنهاء التضارب بين الأجهزة الرقابية ووضع نظم للرقابة السابقة على تعاملات المواطنين مع أجهزة الدولة المختلفة بإنهاء الثغرات والحد من تعدد الأوراق والتوقيعات. ويضيف الكاتب: ربما يكون التصدي للفساد في الصفقات الكبيرة هو الأسهل والأكثر فاعلية بوضع ضوابط ونظم لفحص الصفقات.. ومراجعة العقود والاتفاقيات ومساءلة كبار العاملين بالدولة عن الأخطاء وعمليات التربح، سواء تمت لهم أو لغيرهم. ولكن حالات الفساد الصغيرة التي تهاجم الناس يومياً في حياتهم هي التي تحتاج إلى نظم للحد من الفساد والأتاوات والرشاوى.. خاصة في التعاملات اليومية بالمرور والشهر العقاري والسجل المدني وإدارات التراخيص في الوحدات المحلية والأحياء والمحافظات. وليس من السهولة، كما يقول الكاتب، إنهاء حالات الفساد الصغيرة هذه، ولكن يمكن احتواؤها بوضع نظم للتعامل تمنع استثمار تعدد الأوراق والتوقيعات والمستندات، مما يفتح الباب للأتاوات والرشاوى.. والإكراميات.
ونظرة على ما يجري يومياً في أجهزة الخدمات تتأكد أهمية وضع نظم إدارية لمنع الفساد والانحراف، قبل أن يتم ضبط الموظفين المتورطين. يضيف الكاتب: ذات مرة قال لي رئيس جهاز رقابي كبير: إن حالات الفساد الصغيرة تصل يومياً إلى آلاف الحالات ولو أمسكنا بهؤلاء فإننا سنلقي القبض على أكثر من 20 أو 30 ألف موظف يومياً في كل أجهزة الخدمات».

الحكومة خسرت قطاعا كبيرا من فئة الشباب

أما عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» فيرى في مقاله الذي نشره في عدد الجمعة أن الحكومة تحركت اخيرا يقول: «من المهم أن تكون هناك مسافة واضحة بين مؤسسة الرئاسة والحكومة من جهة، وبين أولئك الذين تخصصوا في وصف ثورة 25 يناير/كانون الثاني بأنها مؤامرة. الحكومة دفعت ثمنا كبيرا، لأنها تركت هؤلاء يقولون إنهم يتحدثون باسمها، وهي تنفي ذلك ليل نهار. لكن في السياسة، وعندما تكون في السلطة، فإنك تدفع ثمن من تتركهم يتحدثون باسمك، وبالتالي فإن اندهاش الحكومة من الذين يربطون بينها وبين هذه النماذج، هو أمر يدعو بدوره إلى الاندهاش، فالقاعدة التي يؤمن بها كثيرون في مصر أن الحكومة عندما تريد شيئا تفعله. لكن من الأخبار التي تدعو إلى الابتهاج أن الحكومة بدأت في الأيام الأخيرة ترسل بعض الإشارات التي تقول إن هناك مسافة بينها وبين هذه الأصوات.
أحد أبرز هذه الإشارات ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسي للزملاء الإعلاميين الشباب يوم الثلاثاء الماضي، وهو ما كرره خلال افتتاح بعض المشروعات الخدمية صباح الأربعاء في مسرح الجلاء، بأن هناك نية لإصدار قانون يجرم الإساءة إلى ثورتي 2 يناير أو 30 يونيو/حزيران.
وبغض النظر عن مدى توافق هذا القانون مع حرية التعبير، فإنه رسالة مهمة ينبغي أن تصل إلى من يهمه الأمر، سواء كانوا جمهور 25 يناير أو «المباركين الجدد». سألت مسؤولا حكوميا قبل أيام: لماذا تتركون هذه النماذج تتحدث باسمكم أو توحي للناس بذلك؟ رد الرجل مستنكرا: وهل نصدر بيانا كل يوم نقول فيه إن هذا الإعلامي أو ذاك السياسي لا يعبر عنا.
قلت له: ولكن هناك مليون طريقة لتقولوا للناس إن هؤلاء لا يمثلونكم، من عينة القانون المقترح مثلا.
طبعا من حق أي شخص إعلاميا كان أو مذيعا، أو سياسيا أو ناشطا أن يعبر عن رأيه بغض النظر عن نوعية هذا الرأي، لكن عندما يصل إلى الناس العادية ما يشبه اليقين أن هذا الشخص يقول إنه يمثل الحكومة أو الرئيس، فقد وجب على أهل السلطة أن يحددوا موقفهم، بالرفض أو القبول، لكن السكوت يجعل كثيرين يصدقون القصة.
طبعا لا تستطيع الحكومة أن تمنع أي شخص أن يؤيدها حتى لو كان متطرفا، لكن شرط ألا يكون هذا التأييد يجعلها تدفع ثمنا أعلى بكثير من قيمة هذا التأييد. ومن شبه المؤكد أن ما خسرته الحكومة بسبب هؤلاء كان فادحا، حتى لو لم يكن ملموسا، وربما هو خسارة مستقبلية.
الطبيعي أن لدى الحكومة أجهزة قياس رأي تقول لها مدى ارتفاع أو انخفاض شعبيتها لارتباطها بهذا السياسي أو ذاك الإعلامي، وهناك تقدير أن الحكومة خسرت قطاعا كبيرا من فئة الشباب، وجزءا أكبر من معظم الذين شاركوا في ثورة 30 يونيو، والسبب هم مجموعة قليلة من الإعلاميين، قد يكونون دافعوا عن الحكومة وحسنوا صورتها عند بعض الشرائح الشعبية، لكنهم جعلوها تخسر الكثير عند فئات أقل عددا لكنها أكثر تأثيرا.
يفترض وجود قواعد أساسية يجب ألا تغيب عن ذهن الحكومة وفي مقدمتها الابتعاد قدر المستطاع عن «الشخصيات المحروقة» لدى غالبية المجتمع.
المهمة معقدة، لكنها ليست مستحيلة، الحكومة تبذل جهودا مهمة في عملية البناء والتنمية والمشروعات الكبرى، لكنها تخسر مجانا لسبب بسيط هو أنها تركت جانبا كبيرا من سمعتها رهنا بمجموعة صغيرة من الإعلاميين.

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية