دول الحصار تفشل في إخضاع قطر وتصطدم بفعالية استراتيجيتها في إدارة المعركة

حجم الخط
7

الدوحة ـ «القدس العربي» ـ سليمان حاج إبراهيم: تجاوزت الدوحة بعد مضي 100 يوم، إرهاصات الأزمة المفتعلة ضدها، من قبل عدد من جيرانها، وخرجت منها منتصرة، وهي أكثر ثقة في سلامة سياستها في إدارة المعركة، التي واجهتها بحزم، وأفشلت خلالها مخططات عدة، لفرض الوصاية عليها. وأحبطت قطر بخططها الاستراتيجية محاولات غرمائها، لبسط نفوذهم عليها، ولم يتمكنوا من تحقيق أي من أهدافهم المرسومة منذ فبركة تصريحات للشيخ تميم بن حمد آل ثاني وبثها في وكالة «قنا» الرسمية.

الحل بعيد المنال

يدرك الجميع أن حل الأزمة لم تلح مؤشراته في الأفق بعد، ولا يزال مرادا بعيد المنال بالرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن قناعته بقرب إنهاء الأزمة الخليجية التي افتعلتها أربع دول.
ويستند المتشائمون بصعوبة تحقيق تقدم بعدم ترجمة النوايا بحل الأزمة، لخطوات حقيقية تساهم في حلحلتها، أو تقوم بإطفاء النيران التي أذكتها كلا من الرياض، وأبو ظبي، والمنامة، والقاهرة، التي تفرض جميعا حصارا على قطر. الرهانات التي عُقدت على نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حلحلة الأزمة الخليجية، باءت بالفشل، ولم تسفر عن تحقيق اختراق حقيقي يدفع بدول الحصار إلى إنهاء اجراءاتها المفروضة على قطر.
إدارة البيت الأبيض، وفي ختام اللقاءات التي عقدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نيويورك، لم تحصل على تعهدات موثوقة من دول الحصار، للكف عن محاولات زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج، وهو ما أعاد الموضوع لنقطة البداية.

رهانات فاشلة

مرت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتأكيده أن النزاع بين قطر وبعض الدول العربية سيجد طريقه إلى الحل قريبا، بشكل عرضي مع غياب مؤشرات لقرب التوصل لتسوية لها. ترامب أكد في اللقاء الذي جمعه بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني: «إننا الآن في وضع نحاول فيه حل مشكلة في الشرق الأوسط، وأعتقد أننا سنحلها، ولدي شعور قوي أنها ستجد طريقها إلى الحل سريعا جدا».
وبالرغم من هذه التأكيدات لم يعبر الطرف المحاصِر عن تفاعله إيجابا مع ما أبداه نزيل البيت الأبيض من آمال لا تزال حبيسة نواياه.

حوار بناء

تبدي قطر وبالرغم من أنها ضحية استفزازات متواصلة من جيرانها رغبة صادقة في عقد جلسة مباحثات ونقاش مثمر لحل الأزمة مشترطة أن يكون بناء وواقعيا ومن دون إملاءات أو شروط مسبقة.
وعبر عن هذه الروح أميرها مجددا في خطابه في الأمم المتحدة، دعوته لحوار غير مشروط مع الدول المقاطعة لبلاده. الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اعتبر بصريح العبارة أن زعزعة استقرار دولة ذات سيادة هو «أحد أشكال الإرهاب» ودعا لوقف أشكاله وكل صيغ التطرف ومعالجة جذوره السياسية والاجتماعية.
وخلال الخطاب الذي كان محل رصد الدبلوماسيين من عدة دول لمعرفة موقف الدوحة من الأزمة منذ نشوبها قبل أشهر، جدد أمير قطر دعوته لحوار غير مشروط لحل الأزمة الخليجية قائم على الاحترام المتبادل للسيادة. وقالها في تلك المناسبة بشكل مباشر: «أقف هنا وبلدي وشعبي يتعرضان لحصار جائر مستمر فرضته دول مجاورة… والدول المحاصرة لم تتراجع أو تعتذر عن الكذب رغم افتضاح أمر القرصنة الإلكترونية لوكالة الأنباء القطرية».
الشيخ تميم استغل حديثه في منبر الأمم المتحدة ليشرح لقادة الدول وزعمائها أن القرصنة التي تعرضت لها الوكالة «تمت لأهداف سياسية مبيتة أعقبتها قائمة إملاءات سياسية تمس بالسيادة». وعانت بلاده من حملة تحريض إعلامية شاملة تم أعدادها مسبقا من دون أدلة على الاتهامات التي تم توجيهها لقطر.

واشنطن وأزمات
الشرق الأوسط

النوايا والتطلعات والآمال التي أعلنتها إدارة البيت الأبيض حيال الأزمة الخليجية وقرب حلها، لم ترافقها واقعيا إجراءات عملية لنزع فتيلها.
وباستثناء اللقاء الذي عقده ترامب مع أمير قطر، لم يسعه إجراء اتصالات مع زعماء وقادة دول الحصار، أو حتى عقد لقاءات عملية، لدفعها للجلوس لطاولة الحوار.
وتوازيا مع تصريحات الرئيس الأمريكي، عبر وزراء خارجية الدول المحاصرة لقطر ومن أمريكا عن تأكيدهم على الموافقة المسبقة للدوحة لشروطهم التي ترفضها سلفا قبل أي حديث عن تهدئة.
وجاءت هذه التصريحات لتعكس إلى حد ما، ردود فعل كلا من المملكة، والإمارات، والبحرين، ومصر، واستراتيجيتها في إدارة الأزمة، وتعاملها مع نوايا الرئيس الأمريكي.
وبالرغم من أن عددا من المستشارين والمسؤولين في البيت الأبيض حاولوا دفع الرئيس للتعجيل بإنهاء النزاع الدبلوماسي قبل أن ينعكس سلبا على عملياتها العسكرية، إلا أن ترامب لا يبدو أنه حتى الآن مدرك لحيوية الأمر.
واشنطن، ستكون في موقف يجعلها تتحرك بجدية في حل الأزمة، إذا كان لها تأثير مباشر، وانعكاسات واضحة على الملفات التي تشغل بالها، خصوصا ما تعلق منها بإدارة الملف الإيراني الذي يشكل أولوية اهتمام الرئيس الحالي.
وسيضطر ترامب للضغوط على حلفائه، وخصوصا الدول الرافضة للحوار، وتحديدا الرياض وأبو ظبي، إذا ما شعر أنها تراخت في التضييق على طهران، وهذا ما لاحت مؤشراته مؤخرا، مع تصريحات سابقة لوزير عراقي بطلب الرياض وساطة بلاده مع إيران.
عمليا أمريكا، وحسب المؤشرات الحالية، لا تخشى كثيرا على مصالحها الحيوية في المنطقة، وإدارة البيت الأبيض لا تجد ما يحملها عبء التعجيل بفرض ضغوط على دول الحصار، لتنفيذ أجندة واضحة تنهي بها حصارها الشامل المفروض على قطر.
وجاءت المحاولات السابقة للرئيس الأمريكي للضغط على حلفائه، التزاما بوعد قطعه على أمير الكويت الذي زاره في واشنطن، وطلب منه دعم جهوده لتحقيق مصالحة بين أشقائه، وهو ما ترجم بالاتصالات التي توالت بين الدوحة والرياض.
مناشدة الرئيس الأمريكي لدول الحصار للجلوس لطاولة الحوار اصطدمت سريعا بفيتو سعودي، نسف كل الجهود المبذولة، ووأدت الرياض ببيان وكالة أنبائها الرسمية، قنوات التواصل التي تم فتحها مع قطر بإعلانها تعطيل الحوار مع الدوحة.
يضاف إلى العوامل السابقة فيما يخص الدوافع المحفزة للرئيس ترامب للتحرك والضغط لمعالجة الأزمة من جذورها، عدم تأثر بلاده اقتصاديا، أو تأثر استثمارات الشركات الأمريكية، بسبب استمرار الحصار المفروض على قطر من قبل جيرانها.

موازين الربح والخسارة

وحتى يتحرك البيت الأبيض ليبذل جهودا حقيقية لحل الأزمة، يسعى صناع القرار في كل من الرياض وأبو ظبي والمنامة والقاهرة، إلى تقييم ما تم تحقيقه ميدانيا بالحصار المفروض على الدوحة.
وبعد مرور أزيد من مئة يوم منذ فرض الدول الأربع حصارا شاملا على قطر، اتضح للعواصم الأربع، أن للقرار وعكس خطط واستراتيجيات مفتعلي الأزمة، تداعليات على بيئتهم الداخلية، وكان تأثيرها محدودا على الدوحة، التي عرفت كيف تدير المعركة بحنكة.
وعلى امتداد شهور الأزمة كانت قطر تبرز مدى قدرتها على تحويل الضغوط التي تواجهها إلى نقاط لصالحها، وانعكس الأمر إيجابا على بيئتها الداخلية، بدينامية واسعة طبعت ردة فعل القائمين على رسم السياسات.

تجاوز الحصار

اعتمدت دول الحصار على حسابات تقوم على خنق الدوحة، بوقف الواردات الغذائية والمواد الأساسية التي كانت تصل غالبا من الحدود البرية السعودية، أو عبر الخطوط البحرية الإماراتية وتحديدا من دبي. ردة فعل الدولة المحاصرَة، كانت سريعة، وإيجابية، بفتح خطوط تموين جديدة، خصوصا من تركيا التي هبت لتوفير المواد الأساسية، وبحريا كانت الموانئ العمانية، والإيرانية بديلا مناسبا جعل الأسواق المحلية تضج بكافة المواد وبوفرة عالية.
ومؤخرا افتتحت قطر رسميا، «ميناء حمد» في مرحلته الأولى، الذي تشير الأرقام وتصريحات المسؤولين القطريين إلى أنه سيصبح مركزا إقليميا للنقل البحري، وسيعزز من قدرة البلاد على مواجهة الحصار.
ويعتمد الاقتصاد القطري بشكل رئيسي على صادراته من النفط والغاز، وتتجه أغلب هذه الصادرات إلى دول شرق آسيا (اليابان، الهند، كوريا الجنوبية…)، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لها عام 2016 نحو (154 مليار دولار تقريباً).
أما شعبيا لا يزال متوسط دخل الفرد القطري الأعلى على مستوى العالم، وبلغ بالرغم من الحصار المفروض 246 ألف ريال قطري (68 ألف دولار).

ارتدادات الأزمة

وفقًا لبيانات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، فقد بلغت الصادرات القطرية عام 2015 (77.2) مليار دولار منها 5.8 مليارات دولار لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 7.5٪ تقريباً. أما عن الواردات القطرية من دول مجلس التعاون الخليجي، فقد بلغت 5.4 مليار دولار عام 2015، وهذا يدل على وجود فائض لصالح قطر بحدود 400 مليون دولار، وبقيت النسبة ذاتها تقريباً في عام 2016، ولم تتجاوز 7٪.
وبلغة الأرقام فإن ثلاثة أرباع الميزان التجاري لقطر يتم مع دول لم تفرض حصارها عليها وعلاقاتها الاقتصادية متواصلة، وبذلك لن تستطيع هذه العقوبات التأثير على سعر الصرف القطري.

إطلاق القدرات

يشير المسؤولون القطريون في تصريحاتهم إلى أن اقتصادهم لم يتأثر بالشكل الذي توقعته دول الحصار، وكانت الأزمة بمثابة محفز لزيادة الإنتاج الوطني في العديد من القطاعات وخاصة الغذائية.
ويتذكر الكثيرون الإعلان الذي أطلقه رجل أعمال محلي، عن تسيير أطول جسر جوي لنقل أبقار لإنتاج الحليب من أستراليا إلى الدوحة، لتعويض منتجات دول الحصار، وكانت بمثابة رسالة تحد.
وزير الطاقة والصناعة، محمد بن صالح السادة، أكد بدوره «أن الحصار أظهر ما يتمتع به اقتصاد قطر من قوة وصلابة وتنوع.»
وقال السادة إن «صادرات قطر إلى اليابان والهند وكوريا الجنوبية والصين تشكل ما يقارب ثلاثة أرباع (75٪) إجمالي صادرات الدولة، وتلك الصادرات لم تتأثر بالحصار بينما لا يشكل إجمالي صادرات دولة قطر إلى كل من الإمارات والسعودية والبحرين سوى أقل من 8٪، لذا فإن تأثير الحصار سيكون محدوداً»، على حد تعبيره.
سعد الكعبي الرئيس التنفيذي لقطر للبترول شدد بدوره، إن بلاده تستطيع أن «تظل في الحصار إلى الأبد» حيث أنها مستعدة جيدا، ولن يتأثر قطاعها للنفط والغاز.

تحديات

تواجه دول الحصار تحديات عدة أثرت سلبا على أدائها، ودفعت بالأزمة مع قطر إلى الواجهة للتخفيف من حدتها.
وعلى غير المتوقع، وفي وقت خرجت فيه الدوحة منتصرة من هذه المعركة، تواجه دول الحصار ضغوطا اجتماعية عدة، وافتضحت خارجيا، مع انتشار العديد من التقارير عن انتهاكات صارخة للحقوق، بعدما خضعت لرصد وسائل الإعلام الدولية.
وكانت السعودية الأكثر تأثرا بالأنباء الواردة من أراضيها، وتتابع تجاوزات قيادتها ومحاولاتها تكميم الأفواه مع إيقاف العشرات من الدعاة، والنشطاء وانتشار أخبارهم في مختلف المواقع.
وكان وسم إيقاف سلمان العودة، الأكثر انتشارا في موقع التغريد تويتر، وأثر كثيرا على سمعة القيادة السعودية، خصوصا ولي العهد الذي يسعى لخلافة والده الملك سلمان على عرش بلاده.

تململ داخلي

وتوالت مؤخرا العديد من التصريحات لنشطاء وقيادات من دول الحصار، عبرت عن امتعاضها للإجراءات المتخذة من قيادة بلادها، وما ترتب عنها من إساءات رصدتها دول العالم.
وتضج وسائل الإعلام الدولية بتقارير عن التجاوزات التي تقوم بها القيادات السعودية والإماراتية، والبحرينية، والمصرية التي كانت أصلا محل رصد سابق.
وتحولت القبضة الحديدية التي يفرضها الأمير محمد بن سلمان الذي يطمح لخلافة والده وتتويجه ملكا، إلى المادة الرئيسية في وسائل الإعلام الدولية، التي تناولت محاولات ولي العهد فرض الوصاية على توجهات المواطنين، ومصادرة أي رأي يتعارض وخيارات الزعيم الفعلي.
جارة المملكة، الإمارات لم تسلم من متابعات وسائل الإعلام التي تتناول بشكل مستمر تجاوزات قياداتها خصـــوصا ولي عهدها محمد بن زايد، داخليا أو خارجيا في عدد من الدول التي يتدخل فيها مثل اليمن وليبيا.
وكلما طال أمد الأزمة، ستجد دول الحصار، نفسها في مواجهة المزيد من الضغوط، التي تفرض عليها بسبب الإجراءات التي اتخذتها في محاولة لفرض الوصاية على قطر، التي تمكنت من تجاوز الأمر بحنكة وحولت المأساة إلى عوامل إيجابية لصالحها.
وحتى الآن لم تلح في الأفق أي تحركات من شأنها إنهاء الأزمة، ووقف الحصار المفروض على قطر، من قبل الســعودية، والإمارات، والبـــحـــــرين، ومصـــر، بالــــرغم من محاولات عدد من العواصم الغربية التي تبذل جهودا لإنهاء الصراع.
وحتى تبرز معطيات جديدة تساهم في تجاوز التعقيدات الحالية التي تفرضها دول الحصار، ستظل الأزمة المفتعلة، في حالة جمود قد يستمر لفترة أخرى.

دول الحصار تفشل في إخضاع قطر وتصطدم بفعالية استراتيجيتها في إدارة المعركة
الأزمة الخليجية بعد مئة يوم في حالة جمود والعواصم الغربية تتحرك لحلحتها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية