دول الحصار تورطت والشيخ تميم حصد تضامن القطريين والتفافهم حوله… والحكومة البريطانية انتصرت في قضية تسليح السعودية ولم تنته الحرب العبثية في اليمن

حجم الخط
2

لندن – «القدس العربي»: كان قرار المحكمة العليا حول تصدير الأسلحة للسعودية انتصاراً للحكومة البريطانية إلا أنه لم ينه الحرب التي تستخدم فيها هذه الأسلحة وهي حرب اليمن. فقبل عامين أو يزيد قررت السعودية وعدد من حلفائها خوض حرب لطرد المتمردين الحوثيين الذين احتلوا العاصمة اليمنية صنعاء ودعم الحكومة الشرعية التي فرت إلى الجنوب، إلا أن الحرب لا تزال قائمة وأصبحت مدمرة أكثر من ذي قبل. ومن هنا تبدو أهمية الحكم في المحكمة العليا من الناحية الأخلاقية وليس القانونية.

حرب عبثية

وتعلق صحيفة «الغارديان» في افتتاحيتها أن القرار لم يكن مفاجئاً ولكنه أقل صدمة. فالحرب الأهلية اليمنية التي تستخدم فيها هذه الأسلحة هي «عبثية ومدمرة». و»الطرفان متهمان بالجرائم والهجمات على المدنيين ولا أحد منهما قادر على تحقيق النصر». ولهذا السبب فالأسلحة والجنود البريطانيون الذين يقدمون الدعم الفني يسهمون في إطالة أمد هذه الحرب وبالتالي يزيدون من معاناة المدنيين. وفي جانب آخر فهي تزيد من أرباح الشركات البريطانية وهو أمر يهم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا مي التي زارت الرياض في نيسان (إبريل) من هذا العام. وستكون صفقات الأسلحة مهمة لبريطانيا في مرحلة ما بعد البريكسيت.
وتشير الصحيفة إلى أن القضية أمام المحكمة العليا كانت نتاجاً لكفاح طويل قامت به «حملة منع الإتجار بالسلاح» وكانت تهدف لوقف استخدام السلاح في الحرب اليمنية. إلا أن الحكومة عملت على خنق الحقيقة في كل مرحلة من مراحل الدعوى القانونية. ففي الشتاء الماضي اعترف وزراء الحكومة بأن «عددا محدودا» من القنابل البريطانية العنقودية الممنوعة الآن بموجب القانون الدولي، قد استخدمت في الحرب اليمنية. وكشفت الحكومة أنها باعت 500 قنبلة عنقودية منها في الثمانينات من القرن الماضي في الوقت الذي كان يسمح ببيعها. فالقنابل العنقودية تشكل خطراً على المدنيين خاصة بعد انتهاء القتال. وهناك خطر مماثل تسببه الأسلحة التقليدية المستخدمة في الحرب. فالتحالف الذي تقوده السعودية تسبب بضرب المدارس والمستشفيات. ولم يتوقف أثر الهجمات الجوية السعودية على الإضرار بالبنية التحتية بل أبعد من هذا حيث أدى إلى تهجير 3 ملايين نسمة من بيوتهم وقتل أكثر من 10.000 شخص في هذه الحرب العبثية. وهناك مئات الألوف من المدنيين يواجهون الموت البطيء بسبب المجاعة ونقص المواد الغذائية والأمراض التي يمكن السيطرة عليها في وقت السلم.
وتضيف الصحيفة أن بعض التشريد كان مقصوداً، فقد حذر السعوديون المدنيين في كل من صعدة ومران من الخروج من هذه المناطق باعتبارها ساحة للقتال ومواقع للعدو. وتقول الصحيفة إنه حتى المعنى المحدد الذي يؤكد التزام الحكومة بمنح تراخيص بيع أسلحة إلا أنه من الواضح استخدام هذه لخرق قانون حقوق الإنسان الدولي. وتقوم وزارة الدفاع البريطانية بتوثيق الأعمال الوحشية التي ترتكب بحق المدنيين وسجلت 41 حالة يظهر فيها أن التحالف السعودي قام بخرق قانون حقوق الإنسان الدولي. والسؤال يتعلق بأهمية كل هذا وفيما إذا كان السعوديون يحاولون تجنب ضرب المدنيين أو يتعلمون من أخطائهم. والمشكلة هي أن الجزء الأكبرمن دفاع الحكومة استمع إليه في جلسات سرية. وقامت نتيجة الحكم على أدلة استمعت لها المحكمة بعيداً عن الرأي العام نظراً لأن المعلومات التي قدمتها الحكومة تخص الأمن القومي البريطاني.
ويتضح من الجزء العلني للمحكمة أن قضاتها مقتنعون على ما يبدو بأن الحكومة السعودية ستقوم بتحسين أدائها في المستقبل. وقد يتوصل وزير الخارجية لقرار بناء على هذا الحكم من أن صفقات الأسلحة مع السعودية ستستمر. وهي نتيجة مرتبطة بطريقة تفكير المؤسسة البريطانية. ولهذا السبب يطالب الناشطون باستئناف ويجب أن يمنح لهم.

تصدير السلاح

ولا بد من فهم الحكم الصادر في سياق الموقف السعودي في بريطانيا والذي تضرر كما يقول المحرر الدبلوماسي في «الغارديان» باتريك وينتور والذي قال إن القرار كان في صالح الحكومة لكنه كشف عن الجانب الأخلاقي للحرب والطريقة التي تستخدم فيها الأسلحة ضد المدنيين. وأشار تحديداً إلى أنه وإن أكد على أن الحكومة هي التي بيدها تقييم الطريقة التي تستخدم فيها السعودية القرار لا المحكمة إلا أنه من جانب آخر سيؤدي لزيادة الضغوط على قوانين بيع السلاح. وقال الكاتب إن القرار يأتي في ظل مواقف داعية لمنع تصدير السلاح للسعودية. فقد أعرب حزب العمال عن نيته لمنع تصدير السلاح إلى السعودية حالة وصوله إلى السلطة. وفي الولايات المتحدة هناك ضغوط مماثلة ومتزايدة لمنع تصديره إلى السعودية. وأشار في هذا السياق إلى أن السعودية لا تحظى بشعبية بين البريطانيين. ففي استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» ونشرت نتائجه قبل أيام أظهر أن 66% من سكان بريطانيا يحملون مواقف غير جيدة تجاه السعودية.
وتصل المشاعر السلبية تجاه المملكة في فرنسا وألمانيا إلى 75%. وحتى في الولايات المتحدة انحرف ميزان الرأي العام ضد السعودية مع أنها الحليف المهم لواشنطن كما بدا من زيارة الرئيس دونالد ترامب للرياض في أيار (مايو). وفي أوروبا هناك حالة نفاد صبر بسبب افتعال السعودية أزمة غير ضرورية مع قطر وفرضها حصاراً على جارتها والدولة العضو في منظومة مجلس التعاون الخليجي.
ويعلق الكاتب إن وزارة الخارجية البريطانية وإن فازت بالقضية التي تقدمت بها الحملة ضد تجارة السلاح لا تسهم في خدمة الموقف السعودي. فالحكومة انتصرت بالقضية لأنها قدمت أدلة سرية. ويشير هنا إلى أن العلاقة البريطانية – السعودية عادة ما تغلفها السرية. فهناك تقرير طلبت الحكومة البريطانية إعداده بشأن تمويل التطرف لا يزال قيد السرية ولم ينشر، ربما لأن نتائجه لم تكن جيدة في صالح السعودية التي تريد لندن أن تبقي على علاقة استراتيجية معها. وفي السياق نفسه لم تنشر لجنة الشؤون الخارجية تقريراً حول الموضوع نفسه وتم توزيعه على الوزراء فقط. ويعتقد الكاتب أن علاقة مفتوحة بين البلدين تعني تغيراً في الطريقة التي تتصرف فيها السعودية وكشفاً من الجانب البريطاني عما يفعله الضباط البريطانيون في الحرب، وإن كان دورهم يقتصر على تقديم الدعم للطيارين السعوديين أم تقييم الغارات التي قاموا بها والتعلم من الأخطاء.
ومشكلة الحرب في اليمن أن طول أمد النزاع فيه يعني زيادة مخاطر تنظيم «الدولة» (داعش) الذي تعرض لهزيمة في مدينة الموصل ويواجه معركة أخرى في مدينة الرقة العراقية. لكن الأزمة القطرية هي التي تعبر عن الطريقة التي تتصرف فيها السعودية تجاه جيرانها فالقرار الذي اتخذته مع حليفتها دولة الإمارات لحصار هذا البلد الصغير والغني في الوقت نفسه جاء مفاجئاً للكثيرين في أوروبا وقسم الإدارة الأمريكية التي وقف رئيسها مع السعودية فيما حاولت فيه وزارة الخارجية والدفاع حل الأزمة بما يتوافق مع المصالح الأمريكية خاصة أن قطر تستقبل أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط ويعمل منها 11.000 جندي وهي قاعدة متقدمة في العمليات ضد تنظيم «الدولة» والحركات الجهادية الأخرى.

وثائق

وكشفت شبكة «سي أن أن» الأمريكية في تقرير حصري لها أعده كل من جيم سميث وجيرمي هيرب عن اتفاق بين قطر وجاراتها عقد في عامي 2013 و2014 ويحظر دعم الإمارة للجماعات المعارضة المعادية للسعودية والإمارات والبحرين. ويعرف الجميع عن الاتفاق الموجود إلا ان محتوياته لم يكشف عنها إلا بعد حصول الشبكة على الوثائق المكتوبة باللغة العربية. ويتهم التحالف السعودي – الإماراتي قطر بعدم الالتزام بشروط الاتفاق إلا أن الدوحة وفي بيان للشبكة اتهمت السعودية والإمارات بخرق روح الاتفاق ووضع شروط تؤثر على «سيادة قطر». وتم توقيع الاتفاق الأول في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 ووقعه ملك السعودية وأمير قطر وأميرالكويت ويمنع دعم الجماعات «المنحرفة» ووضع الخطوط العامة لعدم التدخل في شؤون الدول الخليجية الأخرى. ويذكر «اتفاق الرياض» تحديدًا دعم الإخوان المسلمين والجماعات المعارضة في اليمن.
وأشار الاتفاق لمنع دعم الإعلام المعادي، في تلميح واضح لقناة «الجزيرة». أما الاتفاق الثاني فموقع في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 وهو «سري» وفيه التزام كل من ملك البحرين وولي العهد الإماراتي ورئيس الوزراء الإماراتي بدعم استقرار مصر ومنع استخدام «الجزيرة» كمنبر للرموز التي تتحدى الحكومة المصرية. وبعد توقيع الاتفاق قامت قناة «الجزيرة» بإغلاق «الجزيرة مباشر» المتخصصة بتغطية الشأن المصري. وكان الاتفاق الأول يعني كل دول الخليج وليس قطر وحدها. وذلك فيما يتعلق بدعم الجماعات المعارضة. واتهم مسؤول الاتصالات بالحكومة القطرية الشيخ سيف آل ثاني التحالف بخرق روح اتفاق الرياض عندما طالب بإغلاق «الجزيرة» والتعويضات ومزق العائلات. ورد التحالف أن اتفاقية الرياض تؤكد وبدون شك عدم التزام قطر ببنوده. وتلقي الأزمة بظلالها على الطرفين حيث ترك الحصار الجوي أثره على حركة التجارة والسكان بين الدولة المحاصرة والتحالف الذي حاصرها. وأكدت الحكومة القطرية أنها قادرة على الصمود في وجه الأزمة حيث أرسلت تركيا قوات عسكرية لقاعدتها في قطر وشحنت مواد غذائية بالإضافة لإيران التي فتحت أجواءها وأرسلت طائرات محملة بالمواد الغذائية. وفتحت قطر تعاوناً مع عمان لاستخدام مطارها الدولي.

هل تنتهي؟

وفي هذا السياق أشار مراسل صحيفة «التايمز» إلى الآثار العكسية التي ارتدت على الدول التي فرضت الحصار على قطر. ويبدو أن خططها أو أملها بحدوث تغيير في الحكم لم تنجح. فبدلاً من تعبئة السكان ضد حاكمهم التفوا حوله وأقاموا هالة من الدعم للشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
ونقل ريتشارد سبنسر عن الطالب عبد الرحمن الكواري، 27 عاماً والذي كان يزور العمل الفني الذي رسمه الفنان القطري أحمد المعاضيد، قوله: « لقد دفعني هذا للدفاع عن بلدنا أكثر». ففي صورة تحت عنوان «تميم المجد» غيرت شركتا الاتصالات الرئيستان اسمهما إلى «تميم المجد». ويضيف أنه من الصعب تجنب صورة الأمير الذي يطل وجهه من البنايات العالية وهي الصورة نفسها التي رسمها المعاضيد. ويضيف الكاتب أن السعودية والبحرين ومصر قادت حملة الحصار على البلد بهدف تغيير سياسته الخارجية. ووضعت 13 مطلباً والتي تضم إغلاق قناة «الجزيرة» التي تتهم بالتحريض على الاحتجاجات ووقف العلاقة مع إيران.
إلا أن الامير تجاهل المطالب التي يعتقد الكثيرون أن ولي العهد السعودي الجديد الأمير محمد بن سلمان يقف وراءها. وتقول الدولة الغنية بالغاز الطبيعي إن نقادها لا يعرفون ماذا سيفعلون بعد. وقال مسؤول الاتصالات في الحكومة القطرية الشيخ سيف آل ثاني «إنها حالة انسداد». وأضاف «لا اعتقد أنهم (الرباعية) متفقون فيما بينهم حول كيفية الخروج من المشكلة، واعتقد أنهم ظنوا أنها ستنتهي في أيام».
وأدى المازق لجهود دبلوماسية حيث قللت الدول الغربية في البداية من حجم الأزمة لتكتشف أنها مشكلة استراتيجية، خاصة أن الدول المتحاربة فيما بينها كلها حليفة للغرب. وتستقبل كل من قطر والإمارات قواعد عسكرية غربية على أراضيها. وقام وزير الدفاع جيمس ماتيس الأسبوع الماضي بتجديد التحالف الأمريكي – القطري في إشارة للدول المحاصرة ألا تقوم بعمل أي شيء. وفي الأسبوع الماضي، زار وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون السعودية وقطر والكويت التي تقوم بجهود الوساطة ودعا إلى تخفيف التوتر وقال «انطباعي أن هناك تقدماً قد حدث» و»نعتقد أن الحصار لا يرحب به».
وتقول الصحيفة أن من يعرفون الأمير يقولون إنه قادر على مواجهة الهجوم رغم وجود محاولات لتقديم تنازلات. ويقول المسؤولون القطريون إن الأمير (الوالد) الذي قام بتثوير السياسة الخارجية القطرية متقاعد بشكل كامل وأكدوا أن الامير الشاب – الحاكم يركز على الأمور المحلية لا الدولية. واستبعد مصدر سعودي أي ثورة داخلية ضد حكم الأمير.

هل يدفع الثمن؟

وكتبت دونا أبو ناصر في موقع «بلومبيرغ» عن اهتمام القطريين بالتعبير عن تضامنهم مع أميرهم. وقالت إنه عندما قرر الشيخ حمد بن خليفة تسليم السلطة لولده في عام 2013 وصف الخطوة بأنها «صفحة جديدة». وكان قراره غير عادي بالنسبة لحكام الخليج وقصد منه بداية مسار جديد تحت قيادة شابة والتراجع عن مواقف في السياسة الخارجية التي أغضبت الجيران مثل دعم الإخوان المسلمين. إلا ان استراتيجية الأب في التعامل مع أي جهة قد تكون وضعت ابنه امام حصار دخل شهره الثاني وبدون إشارات عن انتهاء الأزمة.
وحاولت المؤسسات الإعلامية السعودية اللعب على وتر يدعي بدور قطر في زعزعة الاستقرار بالمنطقة. وتداولت شريط فيديو يزعم فيه أن الشيخ حمد أخبر العقيد معمر القذافي أن وصول الأمريكيين إلى العراق يعني أن الدور جاء على السعودية. ومنذ تقاعده عن الحكم ظل الشيخ حمد بعيداً عن الأضواء وشارك في حفلات خيرية لكنه لم يتحدث أبداً. وباستثناء الصلاة مع ابنه في عيد الفطر لم يظهر منذ الحصار الذي فرض على قطر منذ 5 حزيران (يونيو).
وقال سفير قطر في روسيا فهد بن محمد العطية في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» إن الحملة ضد بلاده تم التخطيط لها من جهات عليا في السعودية والإمارات ومصر والبحرين. وتشير إلى أن التوتر مع السعودية والإمارات يعود إلى عام 1995 عندما وصل الشيخ حمد إلى السلطة الذي استخدم الثروة من الغاز الطبيعي لبناء سياسة خارجية تتحاور مع الجميع «ليس لدى القطريين أراض واسعة ولا جيش قوي ويقعون جغرافياً بين دول كبرى وكان عليهم والحالة هذه موازنة علاقاتهم مع القوى الأقوى حولهم» حسب إيملي هوثورون، المحللة في مؤسسة «ستراتفور» ومقرها تكساس. وتشير إلى أن سياسات الأمير حمد في التعامل مع الجميع كانت لحماية مصالح بلاده.

دول الحصار تورطت والشيخ تميم حصد تضامن القطريين والتفافهم حوله… والحكومة البريطانية انتصرت في قضية تسليح السعودية ولم تنته الحرب العبثية في اليمن
الرياض تضررت من قرار المحكمة ومواقف سلبية منها في بريطانيا وفرنسا وألمانيا
إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية