الدوحة ـ «القدس العربي» :من سليمان حاج إبراهيم: «تحيا فرنسا .. وتسقط قطر» عبارة رددها المندوب المصري في لحظة فارقة، من أروقة المنظمة العالمية للثقافة والعلوم «اليونسكو»، غزت سريعا مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، لتعكس إلى حد كبير المستوى المتدني لدول الحصار، وأساليبها الحالية في إدارة أزمتها المفتعلة مع شقيقتها قطر.
صراخ المندوب المصري في أروقة المنظمة الأممية التي تعنى بالتربية، بذلك الشكل الهستيري وغير الأخلاقي، وسط ذهول واستغراب المندوبين من دول العالم، التقطته عدسات الكاميرات، ليتصدر عناوين الأخبار في أرجاء المعمورة.
وسريعا تحول المصري الذي عبر عن اعتزازه بفوز المرشحة الفرنسية برئاسة اليونسكو، إلى محور اهتمام عدد من وسائل الإعلام الغربية التي حاولت قراءة تطورات المشهد الخليجي على ضوء هذه التفاعلات.
انتخابات اليونسكو التي جرت مؤخرا في العاصمة الفرنسية باريس، كانت محكا جديدا لدول الحصار، وهي السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر التي عبرت مجددا عن حقدها الدفين تجاه قطر.
وخلال المنافسة الأخيرة في جولة التصويت بين حمد بن عبد العزيز الكواري، وأودري أزولاي، لم تخف دول الحصار مساندتها العلنية للمرشحة الفرنسية في وجه نظيرها القطري، وعبر عدد من تصريحات مسؤوليها عن هذا التوجه.
وكان واضحا وجليا أن أطراف دول الحصار على قطر، لعبت في الكواليس وقامت بجهود معتبرة للحيلولة دون وصول مرشح غريمتها الدوحة لرئاسة المنظمة، وحالت دون تحقيق حلم الجميع بأن يصل أول عربي ومسلم لهذا المنصب.
وبعدما خرجت المرشحة المصرية مشيرة الخطيب، من السباق على المنافسة أمام نظيرتها الفرنسية، حوّلت دول الحصار جهودها، وسعت لتزكية أزولاي ذات الأصول المغربية اليهودية، مقابل المرشح العربي.
وكشفت وسائل إعلام دولية، أن عدداً من البعثات الدبلوماسية أبدت انزعاجها وتأسفها من هذا الموقف، الذي رأت أنه لا يليق بمكان ومنظمة دولية مثل اليونسكو، متسائلين: «هل هذا يمثل دولة بشكل دبلوماسي؟!»، في إشارة إلى مصر.
كما انتقد مغردون كثر في مختلف وسائط التواصل الاجتماعي الموقف المصري، ومن خلفه دول الحصار الخليجية الثلاث، وتعاطفوا مع الدوحة واعتبروا أن مرشحها سجل حضورا مميزا، وكاد يفتك رئاسة المنظمة لولا خذلان العرب له.
ونشر عدد من التغريدات في موقع «تويتر» أشارت إلى أنها ليست المرة الأولى التي تلعب فيها مصر ضد الدول العربية في المنافسات السابقة حول رئاسة المنظمة الأممية.
وكتب مغردون أن ما حدث في اليونسكو ليس غريبا، فكلما نافس عربي على المنصب دخلت مصر ضده.
واستشهدت الكتابات بما حدث في عام 1999 حينما رشحت السعودية غازي القصيبي، فدخلت القاهرة بمرشحها إسماعيل سراج الدين ليفشلا كلاهما. وأضافوا أن مصر لعبت أيضا ضد الجزائري محمد بجاوي في 2009 بالرهان على مرشحها فاروق حسني ليخسر كلاهما.
وما يعكس توجه دول الحصار في خصومتها لقطر، من فجاجة، ما نقلته وسائل إعلام محسوبة عليها، أبرزت مواقف الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة في حشد التأييد للمرشحة الفرنسية ضد منافسها القطري.
وجاء في تقرير لـ «سكاي نيوز» الممولة من سلطات أبوظبي، أن «مصر، التي خرجت من سباق رئاسة منظمة اليونسكو، في الجولة الرابعة، قد وضعت ثقلها لدعم المرشحة الفرنسية».
وأضاف التقرير أن «مصر تعتبر أن تاريخ فرنسا في دعم المنظمة يؤهلها لقيادتها، وهو ما عكس موقف هذه الدول من انتخابات المنظمة، واصطفافها خلف منافسة غريمتها قطر.
وقد أظهرت المواقف أن دول الحصار تجاوزت مؤخرا الأعراف الدبلوماسية في علاقتها مع قطر، لتعبر بفجاجة عن عداوة مستشرية تشمل مستويات عدة لجارتها ولم تخف علنا ما تضمر لها من حسد وبغض لكل المنجزات التي تحققها الدوحة.
وقبل تفجر فضيحة المندوب المصري في أروقة اليونسكو، كان المسؤول الإماراتي ذائع الصيت بتغريداته المثيرة، ضاحي خلفان، قد أثار الاستغراب بتصريحات عكست إلى حد كبير موقف بلاده من جارتها.
وقال في سلسلة تغريدات في موقع «تويتر» على صفحته الشخصية «إذا ذهب المونديال عن قطر سترحل أزمة قطر…لأن الأزمة مفتعلة من أجل الفكة منه».
وأضاف في تغريدة ثانية، إن «قطر لم تعد محل اهتمامنا».
واستطرد موجها الحديث لدول الحصار، لتبني «هذا التوجه وأن يكون سائداً في وسائل إعلام الدول المقاطعة للدوحة».
وتعرض خلفان لهجوم لاذع من المغردين بسبب هذه التغريدة المسيئة التي كشفت في الوقت نفسه عن حقد بلاده الإمارات على ما تحققه جارتهم من منجزات والسعي على محاربة نجاحها بتلك الأساليب.
لم تعد دول الحصار على إثر التصريحات الأخيرة لمسؤوليها تخفي عداءها المستند على حسد من قطر، وأصبحت تعبر عن ذلك علانية.
وتجاوز مسؤولو الدول المحاصرة كل الأعراف الدبلوماسية التي تفرض عليهم حدا من اللباقة في التعامل حتى مع الخصوم، وأصبحوا يعبرون صراحة عن مواقفهم العدائية تجاه قطر.
ودخل مجددا وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، حلبة المنافسة على التصريحات النارية تجاه قطر لينافس مواطنه ضاحي خلفان.
وجدد المسؤول الاتحادي الاتهامات ذاتها لقطر، ووجه هجومه على جارته من خلال حسابه على «تويتر».
وسعى قرقاش على غرار خلفان التحريض ضدّ استضافتها المونديال، والعمل على افتعال عدد من التهم والافتراءات والسعي للترويج لها.
وقال قرقاش في تغريدة له على «تويتر»: «من المهم أن تراجع قطر سياستها في دعم التطرف والإرهاب كدولة مضيفة لكأس العالم، إن كانت المراجعة لأجل الجيرة غير مهمة فالالتزام الدولي ضروري».
وفي تعليق على التحريض الذي سبقه إليه خلفان، قال «خطأ الترجمة لتغريدة الأخ ضاحي حول استضافة قطر لكأس العالم حظيت باهتمام الصحافة الدولية، فلا تستوي الاستضافة مع سجل في دعم التطرف والإرهاب».
خرجت مؤخرا للعلن فضائح عن لجوء السلطات الإماراتية إلى أساليب عدة لشيطنة جارتها الدوحة، والعمل على تأليب وسائل الإعلام الغربية.
وكشفت وسائل إعلام غربية تقارير تفيد بتمويل الإمارات لعدد من الشركات والمؤسسات لإصدار تقارير تزعم وجود شبهات حول ملف تنظيم قطر لكأس العالم.
ونشرت مؤسسة «كورنرستون» العالميّة للاستشارات تحت عنوان «قطر تحت المجهر: هل كأس العالم لكرة القدم 2022 في خطر؟»، والذي زعمت فيه أن قطر لن تتمكّن من تلبية متطلبات ذلك الحدث العالمي في موعده.
كما أبرزت تقارير صحافية عدة، ما لجأت إليه أبوظبي وحليفتها الرياض من تخصيص ميزانيات ضخمة وجهت لعدد من المكاتب وشركات العلاقات العامة بهدف نشر تقارير مضللة تشيطن قطر.
وعلى عكس فجاجة تصريحات عدد من مسؤولي دول الحصار، جاءت ردود الدوحة بشكل دبلومسي عبرت عن التزامها بعدم النزول إلى مستنقع الخصومة التي أرادت دول الحصار نقلها إليه.
وعبر عن هذه السياسة، وزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، مشددا في تعليق أعقب إعلان نتائج المسابقة على رئاسة «اليونسكو»، اعتبر أن خوض مرشح بلاده أربع جولات من المنافسة على هذا المنصب، يعد انتصارا بحد ذاته للدوحة. من دون الإشارة إلى سعي دول الحصار إلى إفشال مرشح بلاده.
وكتب على حسابه في «تويتر» بهذا الصدد: «تصدر مرشح قطر للجولات الأربع مع فارق ضئيل في الجولة الأخيرة في حد ذاته انتصار لدولة قطر»، كما هنأ في هذه المناسبة المرشحة الفرنسية على فوزها، مباركا لها منصبها الجديد.
من جانبه صنع مندوب قطر الدائم لدى اليونسكو، علي زينل الحدث برده الدبلوماسي والكيس، مشيرا إلى موقف بلاده من تصريحات المندوب المصري.
وقال إنه سمع صوتاً ينادي بأن «تسقط قطر وتحيا فرنسا». واستطرد أنه يؤكد على أن «: «تحيا مصر وتحيا قطر وتحيا كل الدول العربية»، مبيناً أن ما ورد على لسان أحد أعضاء البعثة المصرية «هو تصرف فردي لا يقاس عليه».
وأشار إلى أن «الشعوب العربية ستبقى محبة لبعضها حتى لو اختلف الساسة في تفاصيل السياسة»، مؤكداً أن «الشعوب يجب ألا تقع في فخ الكراهية».
ويرتقب أن تشهد الفترة المقبلة مزيدا من التصعيد من قبل دول الحصار، التي تجاوزت حاليا كل الأعراف الديبلوماسية وأصبحت تعبر عن حقدها الدفين بشكل فج يعبر عن حسد مبالغ فيه لدولة شقيقة لهم هي قطر.