دول المنطقة… قيامها وحطامها

مع تداعيات ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، أصبح من المألوف والشائع أن تقرأ أو تسمع بشكل يومي تعبيرات مثل، تفتيت دول المنطقة، حدود سايكس – بيكو الزائفة، إعادة رسم الشرق الاوسط الجديد، والمشكلة أن كل تلك التعبيرات لا تجد من يتحقق منها أو يبحث فيها بشكل علمي وموضوعي.
لقد بات بديهيا لدى أجيال تربت على سرديات موهمة بأننا نعيش في دول مؤقتة الوجود، أو ربما خلقتها صدفة ما أو عقل استعماري شيطاني، أخذ قلما ورسم حدودا وهمية على خريطة المنطقة، وكان رد فعل من يعيش على هذه الارض انصياعا آليا وقبول تلك الطروحات، وبالتالي تحولها إلى مسلمات. تطورت السرديات مع صعود الحماسة الثورية في منتصف القرن العشرين، لتربط واقعنا بسرديات تاريخية انتقائية وواهمة، ترسم عبر تاريخ مدرسي أمة كانت موحدة ممتدة من المحيط إلى الخليج، وجاءت موجات الاستعمار والامبريالية تحمل بيدها مشرط التقسيم لتقطع هنا وتصل هناك. وإذا اردنا أن نضع تلك السردية الكبرى على محك اختبار علمي لنتأكد من مصداقيتها، لابد من طرح عدد من الاسئلة مثل، هل خريطة منطقتنا في تاريخها الحديث هي المكان الوحيد في العالم الذي تعرض لذلك؟ وإذا كانت هناك مناطق أو دول اخرى تعرضت لمثل ما تعرضت له منطقتنا فما هو حال هذه الدول اليوم؟ وهل حاولت الدول الامبريالية فرض دول في المنطقة وفشلت في ذلك؟ وهل حاربت إقامة دول ما، ومع ذلك انشئت رغم ارادة الدول الامبريالية؟
في مرور سريع على تاريخ المنطقة إبان الحرب العالمية الاولى التي رسمت خريطة الشرق الاوسط الحالية، نستطيع أن نتعرف على أن الدول الاستعمارية الكبرى في ذلك الوقت ممثلة في بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية، كلها كانت لها مصالح واطماع في المنطقة، وتحاول أن تصل لتسويات تقسيمها بعد القضاء على الدولة العثمانية، فرنسا كانت تقضم شمال افريقيا منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وبريطانيا سيطرت على مصر والسودان منذ 1882، واحتلت عدن وسيطرت على جميع سواحل الخليج والجزيرة العربية عبر عقد سلسلة معاهدات مع مشايخ السواحل، التي تحولت مشيخاتهم إلى محميات بريطانية، كان اخرها مشيخة الكويت التي وقعت معاهدة الحماية مع بريطانيا 1898، وروسيا القيصرية التي كانت تركز اهتمامها في قضم ما تستطيع من أراضي الدولة القاجارية الضعيفة جنوب روسيا وفي منطقة البلقان من اراضي الدولتين العثمانية والهابسبرغية.
عندما اندلعت الحرب العالمية عام 1914 اصطفت الدولة العثمانية مع الامبراطورية الالمانية وامبراطورية الهابسبرغ (النمسا والمجر) ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية، في هذه اللحظة الحاسمة دخل عرب المشرق على خط دوائر رسم الخريطة الجديدة عبر جهود امير مكة الطموح الشريف حسين، الذي كان يسعى لتكوين دولة تضم الهلال الخصيب وما تبقى من داخل الجزيرة العربية (باستثناء دولة الامامة في اليمن الشمالي وسلطنة آل سعيد في عمان)، وهذا ما يمكن أن نقرأه بوضوح في مراسلاته مع المندوب السامي البريطاني في مصر السير هنري مكماهون، حيث كان طلب الشريف حسين واضحا في الرسالة التي ارسلها في 14 يوليو 1915 بهذا الشأن، لتفتتح سلسلة من المراسلات بين الطرفين حاولت رسم أو تشكيل مستقبل المنطقة، وكانت بريطانيا وفرنسا تعانيان تقهقرا واضحا على جبهتيهما الغربية مع الامبراطورية الالمانية في هذه الفترة من الحرب، وخافت بريطانيا من تهديد العثمانيين لقناة السويس، وابتدأ التعاون بين العرب والبريطانيين في ما عرف بالثورة العربية عام 1916، وهنا يجب أن نلاحظ أن الشريف حسين يسعى لأن يكون ملك العرب ويتكلم باسم العرب ويسعى لصداقة بريطانية – عربية، وهو في كل ذلك يعني المشرق العربي، والوعود البريطانية (التي تنصلوا منها بعد ذلك) كانت تتكلم عن اقامة نوع من الخلافة البديلة تضم المدن الاسلامية المقدسة، ويحكمها امير أو ملك عربي، ويا حبذا لو كان من نسل الرسول محمد (ص) ليحظى بدعم وشعبية ولتضرب الخلافة العثمانية في شرعيتها، وقد قامت قبل ذلك بخطوة مماثلة وبالدلالة ذاتها عندما نصبت حسين كامل سلطانا على عرش مصر في 19 ديسمبر 1914، بعد عزل ابن أخيه الخديوي عباس حلمي الثاني وأعلنوا مصر محمية بريطانية. إن لقب السلطان الذي منح لحسين كامل كان يستبطن اشارة إلى انه يحظى باهمية السلطان العثماني نفسها، وانها خطوة استراتيجية لفك الارتباط نهائيا بين الدولة العثمانية ومصر التي كانت تتبع لها اسميا فقط، وعلى المنوال نفسه كان منافس الشريف حسين على المكان الموعود سياسيا شابا طموحا طرح نفسه كـ(سلطان) ايضا هو عبد العزيز آل سعود، سلطان نجد في تلك الفترة.
وعندما اتفق الحلفاء على وضع خريطة المنطقة بعد تفتيت الامبراطوريات التي ستهزم في الحرب طرح مشروع (سايكس- بيكو) الذي رسم خرائط منطقة الشرق الاوسط بطريقة لم ينفذ اغلبها، حيث كانت حصة فرنسا سواحل البحر المتوسط ووسط تركيا ووصاية على سوريا الداخل الممتد ليشمل ولاية الموصل العثمانية وبضمنها كردستان تركيا والعراق، بينما كانت حصة بريطانيا الجزء الشرقي من العراق الغني بالبترول، ويشمل البصرة وكركوك ونفوذا على شمال الجزيرة العربية ليصل إلى خليج العقبة ومينائي حيفا وعكا، وتبقى فلسطين تحت الوصاية الدولية، وكان شاهد الاتفاق روسيا القيصرية، وعندما اطاحت ثورة اكتوبر 1917 بالنظام القيصري وانسحبت روسيا من الحرب، كشف البلاشفة من ضمن ما كشفوا عنه اتفاق بريطانيا وفرنسا وخرائط المنطقة الجديدة.
لكن لا العرب خضعوا لإرادة القوى الكبرى ولا كان بإمكان القوى الكبرى، رغم ما بذلت من جهود، أن تنفذ كل ما اتفقت عليه، فولادة تركيا جديدة من رماد الدولة العثمانية وحرب التحرير التي قادها كمال اتاتورك قلص من مساحة نفوذ فرنسا، كما أن التفاف الشاميين حول الامير فيصل ابن الشريف حسين خلق وضعا جديدا، حين اعلن ولادة المملكة السورية العربية كعرش رديف لعرش والده في الحجاز، كما أن البريطانيين كانوا يخططون لاحتلال العراق وادارته ادارة مباشرة عبر سلطة نائب الملك في الهند، حتى أن ارنولد ويلسون الحاكم البريطاني للعراق يذكر في مذكراته فكرة نقل الاف الفلاحين من البنجاب الثائر إلى السهول الخصبة في العراق واحلالهم في هذه الارض وتغيير الطبيعة الديموغرافية للسكان وهو ما استحال على البريطانيين تنفيذه لاسباب عديدة.
اسقطت المملكة السورية بعد بضعة اشهر وحكمت فرنسا سوريا ولبنان من مكتب المفوض السامي الفرنسي في بيروت، كما أن الكلف العالية لادارة العراق المباشرة اعيت البريطانيين، ومع قيام العديد من التمردات العشائرية والثورات الشعبية في المنطقة ولدت خريطة مغايرة تماما لخريطة سايكس – بيكو، فولد العراق الممتد من حدود تركيا الجديدة إلى الخليج العربي، وولدت امارة مصطنعة اسمها شرق الاردن شمال مملكة الحجاز وغرب مملكة العراق، ولتسهيل ادارة ما تبقى من سوريا الكبرى قسمت فرنسا منطقة نفوذها عام 1920 إلى خمس دول، هي دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين في الساحل السوري وعاصمتها اللاذقية ودولة الدروز وعاصمتها السويداء في سهل حوران ودولة لبنان الكبير، واصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وليست تحت الادارة الدولية، بعض هذه الدول لم يعش طويلا، اذ اتحدت دولة حلب ودولة دمشق لتعلن الدولة السورية الاولى عام 1924، بينما عاشت دولتا العلويين والدروز حوالي خمسة عشر عاما من (1920- 1936) وهي لمن يريد التدقيق، لم تكن اقاليم لدولة فدرالية أو مقاطعات في دولة واحدة، انما كانت دولا مستقلة لكل منها علم وعاصمة وحكومة وبرلمان وعيد وطني وطوابع مالية وبريدية خاصة، لكن تداعيات ومعطيات الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي اطاح بهذه الدول ووحدها في ما عرف بالجمهورية السورية الاولى التي فرضت وجودها على الانتداب الفرنسي، الذي انتهى وتم جلاؤه عن سوريا في 17 ابريل 1946، بينــــما بقي لبنان خارج هذه الوحدة، كما استمرت دولة العراق الموحدة ودولة الاردن الجديدة، بينما اطاح سلطان نجد عبد العزيز آل سعود بمملكة الحجاز وبكل الامارات الصغيرة ليوحد الجزيرة العربية في الدولة السعودية الجديدة ولتبقى مشيخات الساحل تحت الحماية البريطانية حتى عقد الستينيات من القرن العشرين.
هل مرت دول اخرى بما مرت به منطقة الشرق الاوسط من ترسيم خرائط جديدة؟ بالتأكيد نعم، فقد تفككت الامبراطورية الالمانية وخسرت اجزاء واسعة من اراضيها لصالح فرنسا وبولندا، اما امبراطورية الهابسبرغ فقد تفككت نهائيا لتتحول مكوناتها إلى دول مستقلة في اوروبا الشرقية وجزء من البلقان. اما اراضي الدولة العثمانية في اوروبا فقد تحولت إلى ممالك ودول مستقلة عاشت فترة ما بين الحربين العالميتين مثل ممالك الشرق الاوسط، ثم اجتاحتها المانيا النازية ابان الحرب العالمية الثانية وخرجت بعد الحرب لتنظم إلى ما عرف بمنظومة الدول الاشتراكية التي تدور في فلك الاتحاد السوفييتي، ثم لتتحول بعد سقوط جدار برلين 1989 إلى الليبرالية الغربية ولتحاول اللحاق بركب الدول المتقدمة قاطعة في ذلك خطوات واسعة.
لقد شهدت حقبة التسعينيات تفكك منظومة جمهوريات الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية، بعض التحولات كان لينا وسلسا والبعض الاخر كان داميا وكارثيا، لكنه في النهاية رسم خرائط عالم اليوم الذي تسعى فيه هذه الدول إلى أن تتقدم وتأخذ مكانتها في المجتمع العالمي، وماتزال بعض هذه الدول تعاني أزمات التشكل، لكنها تسعى بجهود ابنائها للوصول إلى مبتغاها، بينما من جانب اخر مانزال نحن غارقين في سرديات الوهم التي تحاول أن ترسم وضعنا على انه مؤامرة مستمرة منذ قرن ابتدأت على يد جورج بيكو ومارك سايكس اللذين نعيش تحت وطأة مؤامرتهما حتى اليوم، سرديات رسختها نخبة واهمة وحولتها إلى مسلمات اغلقت على مجتمعاتنا افق النظر إلى مستقبل قابل لان نصنعه بجهودنا، ورسمت مستقبلا واهما ارتاحت له جماهير مخدرة تجتر (كنتم خير امة اخرجت للناس) وتبرر تأخرنا بانه مؤامرة لا فكاك منها لتعيش خدر الغيبوبة المريح.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية