دونالد ترامب الخبر الأمريكي السعيد

حجم الخط
5

انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة شكل صدمة لأكثر من طرف وأكثر من دولة. قليلون هم المبتهجون بذلك، أمثال بوتين روسيا أو مارين لوبين فرنسا المتطرفة، ولكن أيكفي أن لا نرى بالرئيس الأمريكي الجديد، إلا نسخة عن هؤلاء الذين يدعمونه، أم أن هناك قراءات أخرى للحدث الأمريكي الجلل؟
نحن نتفق مع الجميع بوصف هذا الرجل بالمتهور واليميني المتطرف العنصري، وما إلى ذلك، ولكن وصوله إلى السلطة، لم يأت بانقلاب عسكري، أو عبر تزييف الانتخابات، أو السيطرة على جميع مفاصل الإعلام والسلطة، وإبعاد أي معارضة، سجناً أو قتلاً كما يحدث مع غيره.
لا يهمني فقط ما يريد أن يقوله أو يفعله ترامب، ما يهمني أكثر هو ما يريد أن يُوصل الشعب الأمريكي لنفسه وللعالم، هنا يكمن الحدث، وتكمن أهمية التحليل والتنقيب.
أظهر الأمريكيون بشكل واضح، رغبتهم باسترداد السلطة والقرار من أيادي الطبقة السياسية واللوبيات، التي غطت المشهد السياسي الأمريكي، منذ عشرات السنين. فأي رئيس أمريكي كان بحاجة ليصل إلى دعم الدوائر الإعلامية واللوبي المالي الاقتصادي ولوبي الصناعة العسكرية واللوبي الصهيوني وغيرهم من اللوبيات، الوحيد المنسي كان هو الشعب الأمريكي.
هذا الحدث جاء بعد خروج بريطانيا المفاجئ من الاتحاد الأوروبي، والذي أظهر فيه الشعب البريطاني، استعادته حقه بالقرار، خارج الأُطر المرسومة له رسمياً من الأحزاب بكل أشكالها واللوبيات المؤثرة، وأتى أيضاً بعد تطور الاتجاهات البديلة في السياسة، نحو حركات شعبية وشعبوية، ترفض كامل تركيبة النظام الرسمي، وتطرح مفهوم الديمقراطية المباشرة، ومحاربة العولمة الاقتصادية، التي أفقرت الملايين، كما حدث في اسبانيا مع حركة بوديموس، أو غيرها من الدول الغربية.
نحن الآن ومنذ سنوات عدة، في زمن عودة الشعوب، وانتهاء الوصاية عليها، من طرف الذين يظنون، أنهم أصحاب القرار لامتلاكهم وسائل الاقتصاد والإعلام والعلم والثقافة والسياسة.
نحن الآن في زمن لا يعلو فيه صوت فوق صوت الشعب، مهما بدا هذا الصوت غريباً وفجاً، كما حصل في بريطانيا، وأخيرا في الولايات المتحدة.
أنا مُتفق مع كل المنتقدين، على أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لن يخدم مصالح الشعب البريطاني، وأن وصول ترامب قد لا يخدم مصالح الشعب الأمريكي، ولكن هذين الشعبين قررا، عكس ما نظن ويظن كل المتخصصين بالسياسة والاقتصاد، أنهما يريدان التخلص أولاً من نظام الوصاية، المفروض عليهم منذ عشرات السنين، ويريدان أن يُعلنا للملأ، أنهما وصلا سن البلوغ.
صوت الأمريكيون أولاً ضد هيلاري كلينتون، وما تُمثله من سياسة أصحاب الأعمال واللوبيات وأصحاب النفوذ، فهي لا تملك أي رؤية جديدة لتقدمها لأمريكا، حتى النساء صوتن أقل بكثير لهيلاري كلينتون ممن صوتوا لباراك أوباما، عندما انتُخب رئيساً للولايات المتحدة.
الأمريكيون لم يصوتوا لصالح ترامب، لما رفعه من شعارات، وهو الجاهل أصلاً بالسياسة، وإنما أرادوا أن يهزموا الفكر السائد، ذا اللون الواحد، حتى ولو كان على حساب مستقبلهم. نقل الأمريكيون النزاعات السياسية، ما بين الحزبين الأكبر، حيث كانوا دائماً مغيبين، إلى الشارع وبين الناس. دليل ذلك أن أكثر من 95 % من الإعلام كان يكتب ضد ترامب، ولكن ذلك لم ينفع هيلاري كلينتون، كانت بالنسبة للأمريكيين فرصة سانحة، ليصوتوا ضد الحزبين معاً، حيث أن الحزب الجمهوري لم يدعم حقاً ترشيح ترامب.
الشيء نفسه حدث في بريطانيا، فقد نقل البريطانيون النقاش السياسي، من ساحة الأحزاب إلى الشارع، لهزيمة الطبقة السياسية برمتها، والتي كانت جميعها معاً مع البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، وبتأييد عال من الصحافة والمحللين، حتى ولو كان ذلك على حساب مصلحة الشعب البريطاني نفسه، ورخائه الاقتصادي.
أمريكيا نظن أن السنوات المقبلة قد تشهد ميلاد حركات شعبية متناقضة، قد تُهدد السلم الاجتماعي مؤقتاً، خصوصاً مع تطور اليمين المتطرف، ولكن امتلاك الناس لحقهم في تقرير ما يشاؤون، خارج الأطر المرسومة لهم، سيكون بلا عودة.
أين نحن العرب من ذلك، لأول مرة لا يُحدد اللوبي الصهيوني اسم الرئيس الأمريكي، فهم دعموا بشكل واضح هيلاري كلينتون، هذا لا يعني أن ترامب صديقنا، بل العكس، فهو وعد بنقل سفارة أمريكا إلى القدس ودعم الاستيطان. لكن ذلك يعني أن ترامب لن يكون أسيراً للوبي الصهيوني أو اللوبي الإعلامي، وهذا بالنسبة لنا حدث جم، ويفتح باب تغير في الرأي العام الأمريكي، الذي لم يعد يقبل ما يعتبره الإعلام، بديهيات بالسياسة، تُقبل بدون نقاش.
هذا يعني ايضاً أن الذين يزعمون، أن الشعوب العربية ليست في مستوى الديمقراطية، هم واهمون، فالذي انتخب ترامب في أمريكا، أو أخرج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، أو انتخب برليسكوني في إيطاليا مرات عدة، لا يمكن أن يُعتبر في مستوى الديمقراطية بمعاييرهم. هذا يعني أن المُبتهجين من الأنظمة الديكتاتورية، أمثال بوتين، عليهم أن يُهدأوا من ابتهاجهم، لأن زمن الشعوب التي ترفض ما يُملى عليها، قد بدأ منذ بضعة أعوام، وسيصل لا محالة لروسيا وشعبها، صاحب التاريخ والحضارة العريقة. سيصل أيضاً للشعب الإيراني، الذي لن يقبل بديهيات النظام الديني المتخلف الحاكم، والذي لم يعد يُعرف رأسه من ذنبه.
هذا يعني أيضاً للشعوب العربية، أن لها الحق أن تقرر مصيرها، وليس فقط أن تتبع القادة «المُلهمين»، وآراء الكتاب والمحللين والسياسيين، الذين يريدون أولاً أن تصل هذه الشعوب، إلى مستوى الديمقراطية قبل الحصول عليها.
بكل تأكيد، وصول ترامب بآرائه المتطرفة، هو خبر سيىء للجميع، ولكن استعادة الشعب الأمريكي لحقه بالقرار، هو أسعد خبر سمعته من سنين، حتى ولو أوصل إلى السلطة من نعتبره بحق رجلاً متهوراً.

كاتب فلسطيني

دونالد ترامب الخبر الأمريكي السعيد

د. نزار بدران

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية